الأبولينارية 

بعد ذلك جاء أبوليناريوس[1]. الذي علّم أن المسيح أخذ جسدا بلا عقل، وقد فسر الوحدة بين الطبيعتين على أساس أن الكلمة أخذ جسدا بلا نفس عاقلة. وفى هذا يتفق مع الهرطقة الآريوسية، في أن جسد المسيح الذي حل فيه الكلمة كان بلا عقل. إلا أن أبوليناريوس عدل عن موقفه هذا في كتاباته الأخيرة، فاستخدم التقسيم الأفلاطوني للإنسان (جسد، ونفس حية، وروح)، وقال إن الكلمة أخذ جسداً ونفسا حية فقط، واستشهد بقول القديس يوحنا أن ” الكلمة صار جسدا ” وليس ” الكلمة صار روحا “. واستند في تفسيره هذا إلى نظرية فلسفية تقول إنه يستحيل على طبيعتين كاملتين أن تتحدا ، فتصيرا كائنا واحدًا. ويضيف قائلاً لو أن المسيح كان له نفسا عاقلة لتعرَّض للخطيَّة واستحالت عملية فداء البشرية. فالفداء عنده محصور في عمل “الله الكلمة”، أما الطبيعة الإنسانية، فكانت مجرد ثوب لبسه الكلمة، ليقوم بعمله الخلاصي وهو بهذا التعليم يرفض كمال الطبيعة الإنسانية للمسيح، فهو يعتبر يسوع المسيح جسرًا عبر الكلمة من خلاله إلى العالم. وأحيانا أخرى بقول ابإن الإبن غير مخلوق أو سماوي وأن الجسد من ذات جوهر الله (غير المخلوق)، وأن في المسيح عقل سمائي. 

وقد رفض آباء الكنيسة تعاليم أبوليناريوس وأراءه هذه، حيث ركزوا في تعاليمهم على الطابع الخلاصي والشفائي للفداء. يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه [لو لم يكن المسيح إنسانًا كاملا لاستحال خلاص الإنسان بكامله][2]. وأيضاً يقول القديس كيرلس الأسكندري : [ الخلاص هو نتيجة وحدة الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص الكلمة المتجسد يسوع المسيح. هكذا فإن المسيح باتخاذه للطبيعة البشرية كاملة نفساً وجسداً يمكن لهذه الطبيعة أن تخلص، فالذي لا يُتخذ لا يخلص].[3]

إذن فالخلاص بحسب منطق ومفهوم هؤلاء الهراطقة، هو أن يقدم لنا المسيح نمط حياة إنسانية ، نقتدي به ونتشبه بسلوكه، وهذا هو ما يجعل الجسد يتجدد. 

وقد واجه القديس أثناسيوس فكرة أن الجسد غير مخلوق بأدلة كثيرة وتحليل منطقي، لأنه يرى أن هذا التصور، يقود إلي خطأين: 

1- إفتراض أن الآلام التي إحتملها المسيح مجرد خيال. 

2- الإفتراض الأخر هو أن اللاهوت له طبيعة ظاهرة محسوسة ، رغم انه جوهر غير مخلوق، وبالتالي فهو غير ظاهر وغير محسوس. الأمر الذي دفعه إلى طرح بعض التساؤلات المنطقية التي تؤكد زيف وإنحراف تعاليم أبوليناريوس، يقول: 

+ إن كان الناسوت غير مخلوق، فكيف تمت القيامة؟

+ ولماذا لم نره إنسانًا كاملاً منذ الإتحاد؟ فالذي ينمو ليس إلا مخلوقا ، أما غير المخلوق فلا مجال للنمو فيه أو النقص في طبيعته. 

+ وإذا كانت طبيعة الجسد غير مخلوقة، فيجب أن تكون غير منظورة، بل وعديمة الموت، أي غير قابلة للموت بالمرة، فإن كان هذا صحيحاً ، فكيف نقول، أن الرب مات مادام أن ناسوته قد تغير، وأصبح غير مخلوق عندما ظهر علي الأرض؟ 

+ وكيف أمكن لمسه، إذا كان غير مخلوق، حسبما هو مكتوب الذي لمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة (١يو١٠:١). 

+ وكيف امسكن النسوة بقدميه عند ظهوره بعد القيامة؟ 

+ وعندما ظهر لتلاميذه قال ” جسوني وأنظروا لأن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو ۱٤: ۳۹ ) . وبالإضافة إلي ذلك فقد دعي إبن الإنسان، لأنه صار إبن الإنسان بميلاده من العذراء، فالمسيح حسب سلسلة الأنساب وحسب الجسد هو من نسل داود، ثم يضيف القديس أثناسيوس بأن الأسفار المقدسة، تقول إن ” الكلمة صار جسداً” وليس “الجسد صار الكلمة”.

+ وهذه البشارة الإنجيلية قائمة علي دعامتين: 

١ – الوهية الكلمة    ٢- وتجسده. 

ألوهية الكلمة تعني، تدخل الله المباشر في خلاص الإنسان، أما تجسده فيعني ضرورة إشتراكنا في المسيح. وايضا حين تقول أن الجسد مساو لله في الجوهر يصبح من غير الممكن الكلام عن الإتحاد، مادام الناسوت مساو في الجوهر لأقنوم الكلمة، ولا يبقي مجال للإتحاد الأقنومي. 

ولو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد، فأية حاجة كانت لكي يقيم الكلمة بيننا، هل لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص لأن اللاهوت لم يأت لمساعدة نفسه، حتى يلبس ما هو من نفس جوهره.

وكان الهراطقة قد قالوا أيضًا أن الكلمة حل على المسيح كما يحل على الأنبياء، وأن المسيح شخص، وكلمة الله إبن الآب قبل الدهور هو شخص أخر. فجاء رد القديس أثناسيوس قويًا وقاطعًا، وواضحا يقول: 

+ لماذا جاء من عذراء ولم يولد من رجل وإمراه؟ 

+ ولماذا لم يُقَل إن موت كل واحد من الأنبياء، هو من أجلنا بل قيل عن موت المسيح وحده؟ 

+ ولماذا مات هؤلاء ولم يقوموا بعد، وبينما المولود من مريم قام بعد ثلاثة أيام. 

+ ولماذا دعي وحده عمانوئيل؟ لأن عمانوئيل تفسيره الله معنا 

+ لماذا قيل في حالة المولود من مريم وحده إن “الكلمة صار جسداً” (يو ١ : ١٤) ، بينما يُقال عن الآخرين إنهم فقط ولدوا مُتناسلين.

أما القول بأن المسيح شخص، والكلمة إبن الآب شخص آخر، فهذا يعني القول بوجود ابنين وهذا كفر بين كما يقول القديس أثناسيوس. فالمسيح واحد غير منقسم، ونعترف بأن موته وقيامته، قد حدثا في جسد الكلمة، وأن الكلمة نفسه غير متألم ولا متحول. 

  1. ولد أبو ليناريوس سنة ۳۱٠م وصار أسقفًا لمدينة اللاذقية سنة ٣٦١. وفي عام ٣٦٢م عقد القديس أثناسيوس الرسولي مجمعاً مكانيًا بمدينة الأسكندرية وأثبت فيه فساد تعاليم أبوليناريوس وقرر تثبيت التعليم الصحيح. وقد تمت إدانته من قبل البابا دماسوس سنة ۳۷۷ ، وأدين ايضا من قبل المجمع المسكوني الثاني سنة ٣٨١. وتوفي سنة ٣٩٠.
  2. 189 Origene, Dialogue avec Heraclide VII, 5. 

  3. ١٩٠ تدبير الخلاص الإلهى عند القديس كيرلس – أعمال المؤتمر السنوي العاشر للدراسات الآبائية – د. نصحي عبد الشهيد ص ٦٧٦٦. 

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى