السعادة للمساكين بالروح

 البحث عن السعادة الحقيقية

«طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السموات» (مت 5: 3).

قال أحدهم: «لو وجد العالم حاجته الكاملة من الأكل والمال والراحة، من المهد إلى اللحد، لاكتفى ولم يطلب المزيد». وجعلنى هذا القول أسأل نفسي مراراً: هل حقاً تحقق هذه الأمور السعادة للجميع؟! وكنت دائماً أجيب بالنفي، فإنى أعرف كثيراً من الأغنياء وأسعدهم أشقياء.. كما أنى أعرف الكثيرين يطلبون المزيد ليكونوا سعداء، ولكنهم لا يصلوا للسعادة المنشودة. إنهم يطلبون امتلاك العالم بأجمعه، فإذا امتلكوه طلبوا عالماً آخر!!

لكن يسوع رسم لنا طريق السعادة الحقيقية، وأوضح في أقواله أن الغنى والأموال لا تحقق سعادة الروح.

العظة على الجبل: نداء للجميع

لقد كانت العظة على الجبل موجهة إلى مجموعتين من الناس: الأولى هي عامة الشعب، والثانية هي جماعة تلاميذه. وكان حديث السيد المسيح إلى كليهما واحداً.

إلا أن العظة كانت للجماعة التلاميذ تلميحاً عن الوطن السماوي الذي سيكون مسكن الله مع الناس، والذي سيحيون فيه كأزهار حول المسيح. كما أنها أوضحت لهم أن الطريق إليه شاق والباب ضيق. أما الجماعة الشعب، فقد كشفت العظة المعنى الحقيقي لاتباع المسيح.

لم يكن المسيح في نظرهم حتى ذلك الوقت سوى صانع معجزات، وكإنسان ذي قوة خارقة. أما عندما سمعوه على الجبل، فأيقنوا أنه السيد والعالم الحكيم.. لقد كان يجمع بين الرقة والصلابة..

العظة على الجبل
Carl Bloch, Public domain, via Wikimedia Commons

إنهم لم يسمعوا إطلاقاً عن أحد مثله. إن يوماً واحداً يقضيه الشعب مع يسوع وهو يشفى الأمراض ويقيم الساقطين ويدعو الأطفال، لهو يوم فريد لا ينسى في حياة شعب كان يحيا حياة محملة مقبضة في أرض الشقاء.

إعادة تعريف السعادة

لقد كانت الديانة عندهم مجرد احتفالات، ولم تكن هناك علاقة بين الدين والحياة.. حتى كلمة السعادة أصبحت بلا معنى. إلا أن السيد المسيح أعاد كلمة «طوبى».. وسعادة إلى أحاديثهم، بل وبمعنى جديد يدخل إلى أعماق قلوبهم وحياتهم.

وحينما فتح المسيح فمه، بدأ بكلمة «طوبى».. أو ما أسعد.. لقد كانت بداية طيبة، ولا أعتقد أن هناك كلمة مشجعة أكثر من ذلك لهؤلاء الذين كانوا يظنون أن بينهم وبين السعادة والتطويب بوناً شاسعاً.

لقد كان هذا الشعب تحت حكم روماني متعسف، وحكومة ظالمة مستبدة وعشارين، كثيرين.  كانوا في يأس وضيق.. فهل كلمة التطويب التي نسوها تقدر أن تحل مشكلة حياتهم الشقية وتعطيهم الراحة؟ وبسرعة تتلاحق الكلمات.. «طوبى للمساكين بالروح».. ولو أن المسيح حذف الكلمة الثالثة لامتلأوا فرحاً لأنهم جميعاً فقراء، إلا أنه حدد كلماته فقال: «المساكين بالروح». وفي تعجب أنصتوا جميعاً لأول مبادئ أسرار السعادة.

من هو المسكين بالروح؟

ونحن نظن عادة أن الفقراء أو المساكين ليسوا سعداء.. لكن السيد المسيح يعلمنا أن السعادة تأتي حتى في الفقر. ولكن أي نوع من الفقر يقصده المسيح؟.. هل يعني هؤلاء الذين يمتلكون قليلاً جداً من متاع الدنيا؟ بالتأكيد لا… إن كنت تريد أن تكون أحد هؤلاء المساكين بالروح، فيجب أن تعلم جيداً:

أولاً: الاعتراف بالاحتياج الدائم إلى الله

إنك في احتياج دائم إلى الله. فما من إنسان يستحق الشفقة إلا الذي يكون في احتياج شديد لله ولا يدري. فمثلاً، نفاق الفريسيين ورياؤهم ليس هو الأمر الوحيد الذي يستحق الرثاء، بل قصورهم في معرفة الحق ومعرفة حقيقتهم التي يكشفها فاحص القلوب والكلى، هي الأدعى إلى الرثاء. ومما يؤسف له دائماً رؤية إنسان يظن أنه غني وهو في الحقيقة فقير، أو يظن أنه صالح وهو في الحقيقة مرذول، أو يظن أنه عالم وهو جاهل حقاً.

وقد ضرب لنا السيد المسيح مثل الغني الغبي الذي ظن أن له خيرات كثيرة موضوعة لسنين عديدة، ويستطيع أن يستريح ويأكل ويشرب ويفرح. ولم يخطر بباله إطلاقاً أن الروح لا تسعد بالماديات، والقلب لا يتغذى بالأكل والشراب. ولأنه كان جاهلاً، قال له الرب، كما يقول في كل العصور لأمثاله: «يا غبي، هذه الليلة تطلب نفسك منك، فهذه التي أعددتها لن تكون؟» (لو 12: 20). «هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غني لله» (لو 12: 21).

إننا جميعاً نملك أعيناً وآذاناً وأقداماً وجسداً كاملاً.. وهذا الجسد له رغبات واحتياجات. ولكن الكتاب المقدس يعلمنا أننا أكثر من جسد.. إننا في الحقيقة روح حية، وهكذا كما أن الجسد له رغباته واحتياجاته، هكذا أيضاً الروح.. وهذه الروح تبحث دائماً عن السلام والرضا والسعادة. وفي هذه الحياة التي نعيشها، ينصب كل اهتمامنا على إرضاء وإشباع رغبات الجسد وشهواته، أما الروح فليس لها نصيب. لذا نصير ممتلئين جسدياً ومادياً، بينما أرواحنا هزيلة وضعيفة ومصابة بالفقر الشديد.

لقد خلقت أرواحنا كصورة الله، ولن ترضى أن تكون غير ذلك، والله وحده هو الذي يستطيع أن يهب الروح رغباتها واحتياجاتها. وقد تكون أحد المشاهير أو العلماء أو الأغنياء جداً، ولكنك مع ذلك لا تشعر بالسعادة والسلام الحقيقي.. لماذا؟ إن الإجابة ببساطة: لأنك أنت تعطي كل اهتماماتك للجسد، وليس للروح نصيب.

إن الروح تحتاج أن نعطيها حقها كالجسد. إنها تحتاج إلى صداقة كاملة واتصال دائم بالله خالقها، وإن لم نعطيها غذاءها وندربها كثيراً كل يوم، فستصير ضعيفة غير حارة، بل وستبقى غير راضية قلقة. لذا لجأ كثيرون إلى الخمور في محاولة لإطفاء اشتياقات الروح، وانغمس آخرون في الشهوات الجسدية وأمور أخرى كثيرة، ولكن لا شيء أرضى. أما الله فإنه يعطي الرضا والراحة، لأن الروح خلقت له، وبدون الله ستظل قلقة ودائماً في عذاب دفين. وأولى الخطوات إلى الله هي: معرفتك التامة بفقرك الروحي.

إن المسكنة بالروح لا تقيس أهمية الحياة بالممتلكات الأرضية التي تذبل سريعاً، ولكن بدلالة الحقائق الأبدية التي تبقى للأبد.. وأنه لحكيم ذلك الإنسان الذي يعترف بنقص ثروته الروحية ويصرخ إلى الله: «يا رب، ارحمني أنا الخاطئ».

إن القانون الإلهي يقول دائماً: إن الاحتياج يأتي قبل الامتلاء، والاعتراف قبل المغفرة، والفقر قبل الغنى. وقد قال الرب يسوع: «إن السعادة تكمن في معرفتنا بفقرنا الروحي، لأنه الباب الذي يدخل الله منه إلينا».

ثانياً: العلاج الإلهي: غنى المسيح

إن الكتاب يعلمنا أن الروح تمرض وتصاب بأمراض فتاكة، ومرض الروح وباء يسبب المتاعب والضيقات الشديدة للإنسان. وكما أننا نخاف من الأمراض، هكذا يجب أن نخشى أن تصاب أرواحنا بالمرض الروحي. إن مرض الروح هو أصل الضيقات وسبب البلايا. إنه الخطية.. وكل خطية نصنعها فإنما نوجهها ضد الله، والله الكلي القداسة والعادل لا يسمح للخطية أن توجد في حضرته. «بدون القداسة لا يعاين أحد الرب» (عب 12: 14). لذا تصبح الخطية حائلاً بيننا وبين الله. ولذا يجب أن يكون هناك اعتراف بأننا قد كسرنا قوانين الله، وأننا مستعدون لترك الخطية. وأنه بدون المصالحة مع صاحبها ونوال رحمته.. تصير الحياة فارغة وجوفاء وجحيماً لا يطاق. يقول الوحي في سفر الرؤيا عن هذا الإنسان: «لأنك تقول: إني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان» (رؤ 3: 17).

إن الاعتراف بالاحتياج ليس سهلاً، فجميعنا مصابون بالكبرياء… كثيرون لا يقبلون الاعتراف بخطئهم وفشلهم، ولكن الوحي الإلهي يعلن لهؤلاء: «من يكتم خطاياه لا ينجح، ومن يقر بها ويتركها يرحم» (أم 28: 13). «إن اعترفنا بخطايانا، فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم» (1 يو 1: 9).

لذلك يجب أن نشعر باحتياجنا إلى الله ونعترف بخطايانا، لأن هذه هي الخطوة الأولى نحو السعادة والسلام الحقيقي. ولنواجه أنفسنا بهذه الحقيقة: إننا دخلنا العالم بلا شيء، وواضح أيضاً أننا سنتركه بلا شيء. فأنت إن كنت كاتباً مرموقاً أو مديراً ناجحاً أو طبيباً ذا شهرة أو فناناً أو غنياً، فمن أين لك تلك الموهبة أو ذلك الحظ؟ هل تعرف ماذا كنت ستصير بدون عطايا الله ونعمه؟! ألم نولد فقراء وسنموت أيضاً فقراء.. أما كان يمكن أن نعيش فقراء لولا رحمة الرب الواسعة ومحبته الفياضة؟! لقد أتينا من لا شيء، فإن صرنا شيئاً فذلك لأن الله هو كل شيء. فإن أوقف قوته لحظة واحدة، أو أمسك بنسيم الحياة ثوان قليلة، لأصبح وجودنا في أبدية لانهائية. إن هؤلاء المساكين بالروح يعرفون جيداً حقيقة وجودهم وخطيتهم أمامهم في كل حين. كما أنهم على استعداد تام أن يعترفوا بخطاياهم ويتوبوا عنها.

ثالثاً: الغنى الذي أعطانا إياه الرب يسوع

إن كنت تريد أن تكون أحد هؤلاء المساكين بالروح، فإنه يجب أن تَملأ من الغنى الذي أعطانا إياه الرب يسوع بموته وقيامته.

لقد اكتشف العلم حديثاً معظم أنواع العلاج اللازم لأغلب الأمراض، ولكن سيكون غريباً جداً أن يجد العلم علاجاً لضيق الإنسان وتعبه. دعنا نتخيل أن كل إنسان في العالم قد امتلأ قلبه بالحب بدلاً من الكراهية، وفاض بالخير والرضا بدلاً من التذمر.. لو تم ذلك حقاً، فسيكون ذلك حلاً نهائياً لمشاكل البشرية. فالصحف تطالعنا كل يوم بأن تذمر الإنسان هو نتيجة حتمية لشهواته وأطماعه. فلماذا لا يقنع الإنسان بحاله؟ لماذا لا يحب الإنسان أخاه الإنسان بغض النظر عن اللون أو الجنس؟ لماذا لا يعطي من يملك الكثير لمن لا يملك؟ حقاً، لو تخلى الناس عن أطماعهم وشهواتهم لتغير هذا العالم الذي نعيش فيه.

لكل شيء علاج.. هذه الحقيقة ثابتة ويعرفها الجميع. وهذا أيضاً لكل الخطايا عِوَض، وكل الآثام يمحوها الله. الحق والفرح والسعادة والرضا تقدر أن تحل محل الخطية والخزي والألم.. إن السلام يقدر أن يحل في الروح ويظل فيه مهما تغيرت الظروف المحيطة..

إن هذا العلاج قد أعطاه لنا يسوع منذ ألفي عام على صليب الجلجثة. لذا أصبح الصليب شعاراً للكنيسة ورمزاً للخلاص.. لماذا؟ ذلك لأنه فوق الصليب بذل المسيح دمه الذي صار علاجاً للخطاة الذين عرفوا أنهم محتاجين له، واكتشفوا فقرهم الروحي وحاجتهم إلى مخلصهم وسيدهم وربهم. إن موت المخلص في يوم الجمعة العظيمة لم يكن مجرد حادثة.. لقد كان علامة الحب بين الله والإنسان المؤمن.

لقد كانت الخطية حائلاً بين الله والإنسان.. ولم يستطع الإنسان أن يكون سعيداً بعيداً عن الله.. لذا أرسل الله ابنه الوحيد ليحمل خطايانا ويرفع عنا عقوبة الموت التي حكم بها علينا. الله يطلب منك أن تعلن فقرك الروحي وتعترف بخطاياك، وتتقدم في إيمان إلى ابنه يسوع المسيح. فإن أنت فعلت ذلك، فستولد ثانية وتتغير حياتك حتماً، وستدخل السعادة والرضا إلى نفسك في أول لقاء مع المخلص.

يوجد طريق واحد يدخل منه السلام إلى حياتك. إنه طريق التوبة والإيمان الشخصي بيسوع المسيح. هل اختبرت بحق اللقاء مع المخلص؟.. إنه ليس انفعالاً عاطفياً، إنه تسليم الإرادة إلى يسوع. إن الثمن الحقيقي لسعادتك هو ركوعك أمام الصليب وقبولك المسيح كمخلص.

رابعاً: الاعتماد الكامل على الرب

إن كنت تريد أن تكون أحد هؤلاء المساكين بالروح، فيجب أن تعرف ما معنى الاعتماد الكامل على الرب.

لقد تكلم المسيح عن أننا يجب أن نصير كالأطفال لندخل ملكوت السموات.. وكما أن الأطفال يعتمدون على والديهم في جميع الأمور، وكما أنهم بدون والديهم يصيرون كمن لا حول له، هكذا نحن أيضاً. وكأبناء الله.. يقول الكتاب: «كما يترأف الأب على البنين، يترأف الرب على خائفيه» (مز 103: 13). وكما أن الأبناء لا يصرفون وقتاً في التفكير في الملابس والطعام أو المأوى.. هكذا أيضاً يقول يسوع: «فلا تهتموا قائلين: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟ فإن هذه كلها تطلبها الأمم. لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها. لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم» (مت 6: 31-33). ولأن الرب حمل المسؤولية كاملة، لذا طلب منا أن نلقي بأعبائنا وأحمالنا عليه، وهو يصغى إلينا.

ولأننا أبناء الله.. قال يسوع: «لا تضطرب قلوبكم» (يو 14: 1).. سأحمل همومكم.. لا تفتكروا.. أتركوا كل شيء علي. والأبناء يسألون والديهم كل ما يطلبون.. لذا قال الرسول لأولاد الله المتكلين عليه: «فلنتقدم بثقة إلى عرش النعمة، لكي ننال رحمة ونجد نعمة وعوناً في حينه» (عب 4: 16). ولأن الله سيُلبِّي أيضاً طلباتنا في الحياة، لذا قال: «اسألوا تُعطَوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يُفتَح لكم» (مت 7: 7).

حقاً، إن الإنسان الذي عرف كيف يتقدم إلى الله بالصلاة يومياً، لسعيد جداً.. إن الدقائق القليلة التي تقضيها صباحاً مع الله لتبدأ بها يومك، ستغير كثيراً من الأمور، بل ستزيل جبالاً. هذه السعادة والنعمة اللانهائية التي تأتي من كنوز السماء، لتعتمد أساساً على تسليمنا واعتمادنا على الله. إن ذلك يكون لأولاده المتكلين عليه فقط.. إنهم يشعرون براحة تامة وسعادة كاملة. ولكي تكون أحد أولاده، يجب عليك أن تشكل عليه وتلقي بكل أحمالك عند قدميه.

يجب أن نعترف بفقرنا لكي نصبح أغنياء. يجب أن نعرف أننا لا شيء قبل أن نصبح أولاد الله. حينما نعرف أن برنا وصلاحنا الشخصي هو لا شيء في نظر الله، وحينما نتأكد من اتكالنا الكلي على الله ونعمته التي تأتي من خلال مراحمه، فإننا نكون قد بدأنا طريق السعادة. والإنسان يعرف الله من أعماله، كما يعرفه بالإيمان كعطية صالحة من لدنه. إن السير في طريق الله يأتي كهدية منه عن طريق معرفة يسوع المسيح.

خامساً: إنكار الذات لخدمة المسيح أكثر

إن كنت تريد أن تكون أحد هؤلاء المساكين بالروح، فإنه يجب عليك أن تنكر ذاتك لتخدم المسيح أكثر.

 هؤلاء المساكين بالروح هم الذين باعوا كل شيء وباعوا ذواتهم لينفذوا قول الرب: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مت 16: 24). إن بعض الفلسفات الحديثة تنادي بالاعتماد على الذات والثقة بالنفس، والدين في نظرهم يكون صالحاً جداً لهؤلاء الناس العاطفيين، ولكنه لا يقوى أمام الذين يؤمنون بأنفسهم.

ولكن وأسفاه، أن ثمار هذا الجيل الذي يثق بنفسه هي الخمور والعادات الشريرة والجرائم والحروب والأسر والنزعة والعنف والتشرد والانتحار بنسبة أكثر بكثير من أي جيل مضى. ولكن الواجب الآن أن نقوم من سقطاتنا وزلاتنا.. وأن نقلل من ثقتنا بأنفسنا لنثق أكثر ونؤمن أكثر بالله. لقد جاء الشاب الغني إلى المسيح وهو معتز بجماله وأمواله، ولكنه مضى حزيناً حينما عرف أن ثمن الحياة الأبدية هو أن «يبيع الكل، ويأتي ويتبعه». لقد مضى في أسف، لأنه كما يقول الكتاب لم يقدر أن يفصل ذاته عن لذاته. ولقد كان صعباً جداً عليه أن يصير فقيراً بالروح. إن الكثيرين ممن حولنا مغرورين وأنانيين، وذلك بسبب الخطية. ولكن الصوت ينادى من السماء: «أشير عليك أن تشتري مني ذهباً مصفى بالنار لكي تستغني، وثياباً بيضاً لكي تلبس فلا يظهر خزي عريتك، وكحلاً لتعينك لكي تبصر.. هنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه» (رؤ 3: 18، 20).

السماء في حياتنا هذه وفي حياتنا القادمة ليست هي مستوى مادي. ولمن يعرف: «باب وطريق ملكوت السموات.. جسد ودم» يحب العالم ويتلذذ بما فيه. «إن لحماً ودماً لا يرثان ملكوت السموات». بل هؤلاء المساكين بالروح، والأغنياء بالرب، سوف يسمح لهم بالدخول إلى مجده وملكوت السموات المعد لهم، لأنهم لا يأتون ببرهم الذاتي ولكن بدم مخلصهم..

سعداء هؤلاء المساكين بالروح، لأن لهم ملكوت الله.

 

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى