المرأة التي أضاعت درهماً واحداً

الصورة الأبدية

كانت الكلمات تنساب هادئة وديعة من فمه المقدس، ترسم أمام الجمع الحاشد صورة امرأة تنتابها الحيرة إذ تكتشف أن أحد دراهمها العشرة قد فقد. وعندما يسمعون هذه الكلمات المقدسة، يتمنون لو يشاركون المرأة بحثها عن الدرهم المفقود، ولا يتركونها حتى تنتشي به فرحة، تدعو الصديقات والجارات قائلة: «افرحن معي لأني وجدت الدرهم الذي أضعته».المرأة التي فقدت الدرهم ورغم مرور مئات السنين على هذا الحديث، إلا أن الصورة التي رسمها القدوس ما زالت، بملامحها الوضاءة، تتمثل أمامنا كلما فقدنا «الدرهم» في حياتنا، لكي ترشدنا إلى الطريق الأوحد لاسترجاع ما فقدناه.

الدرهم في حياتنا

وكي لا تكون الصورة بعيدة عن واقعنا، لنتساءل أولاً: هل لهذا الدرهم وجود حقيقي في حياتنا، وبالتالي هل نكون نحن جزءاً من هذه الصورة؟! إنه بالتأكيد يوجد في حياتنا الخاصة على شكل موهبة معينة من مواهب الروح القدس أودعها فينا، أو وزنة أقامنا الله وكلاء عليها. ويوجد الدرهم أيضاً في حياتنا العامة في صورة أناس وضعت علينا ضرورة خدمتهم واجتذابهم إلى طريق الرب، لعلهم أقرباء بالجسد أو رفاق طريق أو عمل.

كيف نكتشف الفقدان؟

ولقد اكتشفت المرأة أن الدرهم قد فقد بإحدى وسيلتين:

فقد تكون المرأة قد ذهبت لشراء حاجة لها وهي واثقة أن ما معها من الدراهم يكفي سداد الثمن، ولكنها تفاجأ بهذا النقص يحرجها أمام البائع ويلقي عليها كثيراً من الشبهات. وهذه الصورة تنطبق تماماً على حياتنا الروحية عندما نخدع بمظاهر التقوى ونطمئن إلى قدرتنا الروحية على مواجهة سهام الشرير الملتهبة، ثم نفاجأ عند التجربة بأننا في الميزان إلى فوق، وأن ذخيرتنا الروحية قد نفذت. إنها الوسيلة التي تكشف الستار عن جنبات القلب المظلمة وعن فتور الروح، وهي الوسيلة التي قد يستغلها العالم ليهزأ من روحانياتنا عندما نظن أننا قد قهرنا الشرير، فنخلد إلى السكينة ويفتر جهادنا، ثم تأتينا التجربة فلا تجد فينا إلا آثار حياة محطمة تنبئ عن دراهم مفقودة دون أن يشعر بها أصحابها.

والوسيلة الثانية التي اكتشفت بها المرأة أن الدرهم قد فقد، هي أن تكون هذه المرأة قد اعتادت حصر مقتنياتها بين حين وآخر، دون حاجة إلى مؤثرات خارجية. لذلك استطاعت أن تكشف عن ضياع الدرهم إثر ضياعه مباشرة. ولعل هذه الطريقة هي الأقرب إلى الاحتمال، فقامت فوراً باجتهاد تفتش عنه، وما زال الطريق الذي سلكته واضحاً أمامها، تستطيع أن تنقب فيه عن ضالتها قبل أن تدوسها الأقدام أو تخفى معالمها الأيام. هذه هي الوسيلة التي يتبعها رجال الله في حياتهم، حين يحاسبون النفس بالتدقيق أولاً بأول، فيكتشفون مبكراً ما قد يتسلل إلى حياتهم من عثرات. وليتها تكون وسيلتنا، نتدرب عليها إذ نعتاد أن نحصي دراهمنا الروحية قبل صلاة النوم، وفي ضراعة نسأل القدوس أن يكشف لنا عما فقدناه خلال رحلة اليوم.

أهمية الواحد

والأسلوب الذي عبر به السيد المسيح عن هذا الدرهم يوحي بشيء هام نهمله جميعاً، لذلك تظل دراهمنا ناقصة. لقد اهتم المسيح أن يذكر أنه كان «درهماً واحداً»، كما ذكر أن الخروف الضال كان «خروفاً واحداً». إنها ليست مسألة عدد الوزنات المفقودة، ولكن يكفي أن تكون وزنة واحدة لكي تثور ضمائرنا فينا ونذهب لكي نفتش باجتهاد. ولعل ما نعانيه من ضعف روحي في حياتنا الخاصة وفي خدمتنا العامة، هو سر عدم تعمق فينا الإحساس بأهمية «الدرهم الواحد»! إنها كلمة المسيح إليك يا راعي القطيع، مهما كان عملك في الكرم أو رتبتك بين الخدام: أسقفاً في حقلك المتسع، أو كاهناً على رعيتك المحدودة، أو أبا في أسرتك، أو خادماً في التربية الكنسية. ها هو المسيح في عتاب هادئ، يهمس في آذاننا بأسماء بيوت لم نفتقدها مرة واحدة بينما تتكرر زياراتنا لمعينين، وبأسماء ضالين لم ندوس الشوك لنعبر إليهم ونعينهم، بينما تطول جلساتنا بجوار آخرين نجد راحة في الحديث إليهم. همسة المسيح لنا مبكتة: «امرأة أضاعت درهماً واحداً»! أين نحن؟!

خطوات الاستعادة

والمرأة في سعيها لتسترجع درهمها، مرت بخطوات ثلاث لابد لنا أن نخطوها لكي نستعيد وزناتنا المفقودة:

(١) أوقدت سراجاً

وكان لابد للنفس التي تفتش أن توقد السراج، ولا تعتمد على خبرتها السابقة بالطريق، ولكن السراج يكشف أمامها السبل. ومن عجب أننا نغفل هذه البديهيات ونحن نسعى وراء درهمنا المفقود. إننا بالتأكيد لا نحتاج إلى أقوال كثيرة، ولا خبرات سابقة تعتمد عليها، ولا ذراع بشر يقودنا… ولكننا في احتياج لأن نتخذ من كتابه المقدس سراجاً لأرجلنا ونوراً لسبيلنا، وصوت القدوس المعلن في كتابه هو الذي يكشف لنا ضعفاتنا ويجنبنا مواطن الزلل. ولعل فشلنا المتكرر في اجتذاب النفوس للمسيح، رغم مهارتنا في صياغة اللفظ والخطابة المشوقة واستخدام أساليب التربية الحديثة، لعل فشلنا هذا يرجعنا إلى الوسيلة الحية التي استخدمها الرسل، يوم أن أوقدوا السراج فاستطاعوا أن يجذبوا إلى الإيمان ثلاثة آلاف نفس بكلمة واحدة.

(٢) كنست البيت

وما أكثر ما نكتفي بإضاءة السراج، فتبقى الخطية مكشوفة أمامنا، ولكننا لا نتحنى لكي نكنس مخلفاتنا من القلب! إنها الخطوة الهامة جداً التي أكدها السيد المسيح ليوضح ضرورة دورنا بعد كشف الروح القدس خطايانا ووزناتنا المفقودة. كما دعا الناس أن يرفعوا الأربطة عن عيني لعازر. وكنس البيت يحتاج من ربة البيت:

  • أن تَنحني: إن الطريق إلى نقاء قلوبنا هو انسحاق روحي.

  • وأن تَكنس البيت كله: لئلا يضيع مجهودها بسبب الفضلات التي تتركها. كذلك تحتاج قلوبنا إلى نقاوة كلية شاملة.

  • أن تلقى بما كنسته بعيداً: لئلا تذريه الرياح فيتسخ البيت به من جديد. نحتاج نحن إلى أن نلقي بخطايا جهلنا وماضينا بعيداً حتى لا نعود ننظر إلى الوراء.

(٣) وتفتش باجتهاد حتى تجده

وفي هذه الكلمات البسيطة يكمن السر الحقيقي وراء ما نعانيه من إخفاق في العثور على ما فقدناه من مواهب روحية، وما تفقده الكنيسة من أبناء كانوا يوماً بين أحضانها. يوم أن تسللت إلى لغة الذين حسبوا أنفسهم خداماً كلمات اللامبالاة: «هل نحن مسئولون عن كل الناس؟»، «علينا السعي وليس علينا إدراك النجاح». أن يستعمل الكتاب المقدس في موضع كهذا ليسكت ثائرة الروح فينا، فنقول: «ابن الهلاك للهلاك يدعى»… المسيح ذاته يرد على هذه المخادعات عندما يصف أسلوب الخدمة الحقيقية قائلاً: «وتفتش باجتهاد حتى تجده». ومرة ثانية يرسل صوته إليك يا خادم الله، أسقفاً أو كاهناً أو أبا أو خادماً عادياً: «لا تطفئوا الروح الذي فيكم ولا تحزنوه». ليست رسالتنا أن نوزع الاتهامات على الناس ونلقي باللائمة على المخدومين، لكن رسالتنا أن «نفتش باجتهاد حتى نجدهم». يرشدنا في ذلك ضوء السراج، وتشددنا ذراع الرب القوية.

ختام: الفرح المشترك

وتبقى في النهاية لمسات حية من القدوس وهو يصف روعة النفس الباحثة عن درهمها المفقود. لقد وجدته، ولكن لم تلهيها لحظات النصرة فتغفل أسبابها أو تتخاذل عن متابعة المسير، بل دعت جاراتها وصديقاتها قائلة لهن: «افرحن معي». إنه واجب مقدس على كل من وجد وزنته المفقودة، أن يخبر بفضل الذي دعاه من الظلمة إلى نوره العجيب. إنه تأكيد لأهمية رسالتنا بالنسبة للآخرين، ولكن بلا غرور. لذلك حرص المسيح على أن يذكر على لسان المرأة عبادتها الخالدة: «قد وجدت الدرهم الذي أضعته». لعلنا نذكر، وقد عادت الوزنة المفقودة إلى قبضتنا، أننا نحن الذين تسببنا في ضياعها، فتزداد حرصاً عليها عندما نجدها، لئلا يكون لنا أشر.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى