فلسفة العامة

«خُلِقَ الإنسانُ للتفكير، وهذه قِمَّةُ كرامته؛
فالواجبُ عليه أن يُحَسِّنَ التفكير دائماً.»- عباس محمود العقاد

التفكير قيمة إنسانية عُليا

طلبت مني إحداهن أن أكتب لها كلمة في دفتر الأوتوجراف الخاص بها. وأثناء تصفحي لما كُتب فيه، وجدت صورًا، ومناظر طبيعية، ورسوم طيور وزهور، وكلمات للزينة والزخرفة، وجملًا خاوية من المعنى. غير أن جملة واحدة فقط استوقفتني وأعجبتني، تقول: “تطلبين مني كلمة في هذا الأوتوجراف، ومعظم ما فيه صور ومناظر طبيعية ورسم طيور وزهور، وكلمات هي للزينة والزخرفة، ثم جمل فارغة. وأنا لا أجيد هذا، وكل ما يهمني هو حقائق الحياة وجوهرها، لا زخرفها الذي يغش الناس ويخدعهم ويبعدهم عن الحقيقة فيتبعونه”. 

هذه الكلمات تختصر معركة الإنسان الدائمة بين المظهر والجوهر، وبين الحقيقة والزيف، وهي معركة لا تُحسم إلا بالعقل الواعي.

لدينا تراث غني من الأمثال الشعبية، يضم آلاف الأمثال المتوارثة عبر الأجيال. ولا شك أن الكثير منها مفيد ومشجع، ولكن بعضها يحمل تفكيراً سلبياً يخاصم العقل ويعادي الطموح.

للأسف كان البعض في الأجيال الماضية ضعاف الرؤية وصغار الأحلام،NP-68 أعداء العقل والفكر، تركوا وراءهم تراثًا ذهنيًّا سَقِيمًا، يقوم على مجموعة من الأمثال التي تُعطل وتلغي التفكير، تُميت الرواح والهِمة، وتبرر الفشل. هذه الأمثال توارثها جيلٌ عن جيل دون تدقيق أو نقاش، وبقيت حية دون أن تموت، دلالةً على ضعف الرؤية وقلة التفكير.

وبحكم ضحالة هذا التراث و الضرر الذي يلحق بمن يتبعه، نشأ أجيال متعاقبة في حالٍ يُرث له. ولذلك ظل أولئك في مُؤخَّرة الناس، فضلًا عن البؤس والتعس الذي يعيشون فيه، وكل هذا كان طوعًا واختيارًا. فالإنسان قادر دائماً على رفض الأفكار التي تضره وأختيار طريق التقدم من خلال تفعيل عقله.

 

” خُلق الإنسان ليفكر، ويُنمي عقله باستمرار، هذا ما يميزه عن غيره من الكائنات الأخرى. فالتفكير هو أساس الكرامة الإنسانية. لذلك علينا دائماً أن نطور من معارفنا ونستخدم العقل والتفكير في أحسن صورة، نطور من معارفنا،  ونوجه تفكيراً دائماً نحو الإبداع والتميز”

هذه ليست عبارة عابرة، فالذي يميز البشر عن الكائنات الآخري هو التفكير، الذي هو القيمة الإنسانية العليا. التفكير النقدي الذي يبحث ويحلل ويتفاعل مع الحقائق، هو الذي يبنى الحضارات العظيمة، وإلا أصبح الإنسان مجرد كائن يتفاعل مع العالم بشكل آلي، بدون أى إبداع أو تطور.

تراث لا يبني: أمثال تهدم وتدعو إلى التواكل والكسل
 

من ذلك التراث السقيم و الأمثال التي تعطل العقل والتي تذل النفس، التي لا تتوافق مع التفكير السليم لكنها تدعو الناس إلى التواكل و الكسل وعدم المحاولة. قولهم:

  • «القلم وحده والولد وسعده، لا عن أبوه ولا عن جده». هذا المثل يوحي لنا بأن النجاح شئ وراثي أو قدري، لا يحتاج إلى اجتهاد الشخص ولا إلى بذل مجهود ومحاولة الوصل إلى الهدف.
  • «اجرِي جري الوحوش غير رزقك ما تحوش». يوحي لنا هذا المثال وكأن الرزق يأتي بدون عمل أو مجهود.
  • «أَصْرِفْ ما في الجيب يأتيك ما في الغيب». هذا المثل يُشجع على الإسراف غير المسئول.
  • «اديني عمر وارميني في البحر». هذا المثل يعبر عن التهور وعدم التخطيط.
  • «إذا دخلت بلد تعبد الثور حش وارمي له». هذا المثل يدعو إلى التقليد الأعمى بدون أن يكون للإنسان مبادئ أو قيم، يدعو إلى مجارة عامة الناس بغض النظر عما إذا كان ما يفعلونه صحيح أم خطأ.
  • «المكتوب على الجبين تراه العين». هذا المثل يبرر الفشل بالقدر المحتوم.
  • «اعمل خدك مداس لما تاخد صنعة الناس». هذا المثل يدعو إلى تقبل الذل ويشجع على الخضوع.

هذه الامثال رغم انتشارها الواسع بين الناس وفي المحادثات اليومية، لكنها تضعف قيمة العقل والتفكير ولا تشجع على العمل والأبتكار. وقد بينت الدراسات الإجتماعية الحديثة أن المجتمعات التي تعتمد على مثل هذه الأفكار تواجه صعوبة في الابتكار والنمو الاقتصادي، حيث ينتظر الفرد حدوث المعجزة بدلاً من صنعها بيده.

تُراث يبني: الأمثال المُحفِّزة التي تدعو إلى العمل ورفعة النفس

لحسن الحظ لم يكن التراث كله سلبياً. فكأن بعض المفكرين ممن جاءوا بعد أولئك – أو في عصرهم – رأوا ما في ذلك من ضرر وأذى للمجتمع لا يصح السكوت عليه، ولتجنب الضرر الواقع من تطيبق الأمثال السابق ذكرها، تركوا لنا مجموعة مفيدة من الأمثال، فقالوا:

  • «خُذ من التل يختل». هذا المثل يدعونا إلى التصرف بحكمة وذكاء مع الموارد المتاحة. 
  • «على قد حصيرتك مد رجليك». هذا المثل يعلمنا التوفير وأن نعيش حسب الإمكانيات المتاحة.
  • «صَبري على نفسي ولا صبر الجزار علي». هذا المثل يعلمنا أن نصبر ونتحمل، أفضل من الأعتماد على الآخرين أو الديون.
  • «حمارتك العرجاء تغنيك عن سؤال اللئيم». هذا المثل يشجعنا على الإكتفاء الذاتي.
  • «فوت على عدوك جوعان ولا تفوتش عليه عريان». هذا المثل يدعونا إلى الحفاظ على كرامة الآخرين حتى لو كانوا أعدائنا.
  • «لا حسنة إلا بعد كُفْوِ البيت». هذا المثل يؤكد أولوية البيت والأسرة أولاً.
  • «إذا كان البيت محتاج للزيت حرم على الجامع». مثل المثل السابق يدعونا إلى عدم الإسراف على حساب الضروريات.
  • «اسعَ يا عبدي وأنا أعينك». هذا المثل يدعونا إلى الأجتهاد والإيمان.
  • «إذا قعدت على البحر اعمل صرَّاف». هذا المثل يدعونا إلى استغلال الفرص المتاحة.
  • «اعطي عيشك للخباز ولو أخذ نصه». هذا المثل يدعونا أن نثق في المتخصصين.
  • «كفّ عمال ولا خزائن مال». هذا المثل يدعونا إلى تفضيل العمل على الثراء السلبي.
  • «من أمنك لا تخونه وإن كنت خائنًا» يدعونا إلى سمو الأخلاق.

وغير ذلك مما يدعو إلى العمل وإعمال الفكرة ورفعة النفس. هذه الأمثال تنسجم مع الروح الإنجيلية التي تؤكد أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن العمل، وأن النعمة الإلهية لا تُلغي دور الإنسان، بل تُكمله.

كن كالنحلة: ألتقط الرحيق فقط

ونصيحتي الشخصية لك عزيزي القارئ، هي أن تتجنب الأمثال السلبية التي تعطل الفكر وتضاد العقل. وإياك والأخذ بها أو حتى ترديد أحدها. لأن هناك بعض الأمثال السلبية مُضرة للإنسان وتشل تفكيره، تجعله بلا هدف ولا قيمة. فكن كالنحلة التي تجمع الرحيق من كل زهرة، تعرف ما هو مفيد وما هو ضار، تجمع ما يُنتج عسلاً حلواً ذات قيمة ويفيد الجميع. فكن انت كذلك، أجمع من التراث ما يُنمي عقلك ويفيدك وأترك الباقي يذبل ويصبح طي النسيان.

كل إنسان (سواء كان من النخبة المثقفة أو من العامة) له فلسفته الخاصة في الحياة والتي تحدد مساره. لكن من لا يستخدم عقله يوميًا يبقى محدود التفكير مهما حمل من شهادات جامعية أو مناصب مرموقة. بعض الأشخاص يعلقون إخفاقاتهم وفشلهم على شماعة القدر، دون فهم عميق للفرق بين الإرادة الحرة التى منحها الله للإنسان والتدبير الإلهي الذي يريد كل الخير للإنسان.

نرى في المجموعة الأولى (الأمثال السلبية) من الأمثلة تواكلًا واستخفافًا بالعقل، وتهاونًا في الكرامة والقيم الأخلاقية. ولا نعرف كيف يكون الإنسان إنسانًا بغير القيم الأخلاقية الرئيسية في حياة الأمم، فضلًا عما فيها من افتراء على الله كلي القدرة. ولا نعرف ماذا يبقى للإنسان بعد أن يكون عاطل العقل ذليل النفس؟ هل يمكن أن يكون أكثر من حيوان يتكلم!؟ وهل هو يمتاز عن الحيوان الأخرس!!

أما في المجموعة الثانية (الأمثال الإيجابية)، فتُبني شخصية متوازنة تُحقق النجاح من خلال الجهد المقرون بالإيمان الحقيقي.

خطورة التواكل والجهل

الأمثلة السلبية أمثلة منافية للعقل وكل دين.. وكم من بيوت عامرة خربت، وكم من أناس اصبحوا تعساء من جراء العمل بها؟ وما من شك أن كل من يؤمن بهذه السخافات يفتقر إلى الرؤية السليمة، وغير مؤهل لتحمل مسؤوليات كبيرة في العمل أو القيادة.

ومن المحزن أن هذه الأمثال السلبية هي الأكثر انتشارًا في ثقافتنا، لا للجهل فقط، بل لميل طبيعة الإنسان إلى الكسل والتواكل. ولا يمكن أن تجد رجلاً عاقلاً مفكرًا يوافق على الأخذ بهذه الأمثلة المريضة؛ لمجافاتها للعقل والكرامة الإنسانية والدين أيضًا. في المقابل، الأمثال الإيجابية النافعة غير سائدة، لأن التفكير عادة لا يوجد إلا عند الذين يحترمون عقولهم، ونسبة أولئك إلى الآخرين قليلة.

إن ما يبنيه المفكرون المخلصون في زمن طويل قد يهدمه أو يشوهه الجهل والتواكل، بحكم ضعف تفكير الأغلبية واستغلال هذا الضعف من ناحية المتاجرين بعقول الناس. يقول المختبرون: “اهرب من الأجرب”، وكان يحق لهم أن يقولوا أيضًا: “اهرب من الجاهل”؛ الأجرب يشفى بمساعدة حكمة المفكر، أما الشخص الذي يردد على مسامعنا الأمثال المريضة، فيؤذينا في عقولنا وتفكيرنا ونفوسنا. فالهرب من هذا قبل الهرب من الأجرب.

يقولون: «حظ»، و«بخت»، و«مكتوب»، و«شيء لا بد أن يكون»، هذه كلها ألفاظ يُعْنَى بها الله ، وكل هذه الأمثال هي في حكم الظلم، فكيف تنسبها إلى الله وهو عدل ورحمة وبر؟!

لو أن حكم العقل في الدين غير موجود لقلت: «معذورين»، ولكن العقل موجود، والإنسان مطالب به ويسير به وجوبًا. وفي ذلك يقول القديس بولس: “لا تكونوا أولادًا في أذهانكم، بل كونوا أولادًا في الشر، وأما في العقل فكونوا كاملين” (١ كورنثوس ١٤: ٢٠). ولا بد انه يوجد في الكتاب المقدس الكثير من الآيات التي تحث على استخدام العقل ووجوب التفكير. فمن واجب المرشدين ورجال الدين في المقدمة محاربة هذه الأمثلة؛ لتجافيها مع العقل ومخالفتها للدين أيضًا.

خاتمة

يقول المثل السلبي: «اجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش»، ولكن المثل الإيجابي يقول: “اسعى يا عبدي وأنا أسعى معك، وإن قعدت مين ينفعك”.

يقول عديمي الخبرة: «اديني عمر وارميني في البحر»، و«اجرى جري الوحوش غير رزقك ما تحوش»، فأي إنسان يسلم بهذا الكلام الذي لا يتوافق مع أي عقل؟! فمحاربة هذا الكلام الذي يهدم القيم الأساسية واجب على الجميع، انقاذًا للناس من شره.

أما الافتراء على الله، فإن الله لا يضيره أن يفترى عليه الجهلاء والأغبياء، وحق على المرشدين والقادة إرشاد الناس إلى حقيقة الدين من ناحية هذه الاعتقادات؛ لِنُبَرْهِنَ على حبنا لله وتقديسنا لاسمه. فهل هم فاعلون؟ قد أكون مخطئًا في نظري، وليس هذا ببعيد. فيا حبذا لو تطوع مفكر وأرشدني إلى الصواب فأشكره، لأنه يكون قد “أتى خيرًا”.

مصادر ومراجع

  • الكتاب المقدس.
  • أحمد تيمور: “الأمثال الشعبية”.
  • عبد الحميد يونس: “الأمثال العامية”.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى