مفهوم خدمة الأسرة في تعاليم آباء الكنيسة

إن المبادئ التي ننادي بها حاليًا عن خدمة الأسرة ليست جديدة، لكنها كانت واضحة ونابعة من أقوال وتعاليم الآباء الأولين. ولدراسة هذا الموضوع، أرى تقسيمه إلى العناصر الآتية:

  1. مفهوم الإنسان عند الآباء.
  2. مفهوم الأسرة.
  3. مفهوم وخدمة الأسرة (وتشمل موضوعين: العلاقات الزوجية والعلاقات الوالدية).

أولًا: مفهوم الإنسان عند الآباء

إن آباء الكنيسة الواحدة قبل القرن الخامس (أي قبل حدوث الانقسام) كانوا مغرمين بالحديث عن “الثيؤوسيس”، وهي كلمة يونانية معناها “التألُّه” أو إسباغ الفضائل الإلهية على الإنسان، أي الوصول بالإنسان إلى التمثُّل بالله. وكانوا على نمط منهج السيد المسيح له المجد يستخدمون التشبيهات البسيطة الواضحة، فشبَّهوا الإنسان بمرآة يطهرها الله لتصير صورته ظاهرة واضحة عليها. فالإنسان خُلق على صورة الله في البر وقداسة الحق، وينبغي أن تظل صورته مقدسة وطاهرة. ومن شأن صاحب هذه الصورة أن تكون له الأذن الروحية التي تسمع صوت الله فتنصت وتستجيب. إن دعوة الله للإنسان دعوة هادئة عميقة تسري في أوصاله كلها.

يقول القديس أثناسيوس في كتابه “تجسُّد الكلمة”: “إنما نزل الله لكي يرفعنا إليه، وقد لبس جسدنا لكي يجعلنا شركاء في طبيعته الإلهية” كما يقول بطرس الرسول (2 بط 1: 4). من هذا كانت نفس الإنسان ثمينة جدًا. ويقول القديس أوغسطينوس: “إن خلاص النفس لا توازيها مقتنيات هذا العالم”. لذلك فإن رسالة الكنيسة هي توصيل كل نفس إلى المسيح.

أما العلامة أكليمنضس فقد توسع في الحديث عن مفهوم الإنسان، وخاصة إذا تحوَّل إلى مسيحي حقيقي. فغاية الحياة المسيحية في رأي أكليمنضس (وهو عالم من علماء الكنيسة في أواخر القرن الثاني) أن يرقى المؤمن إلى أعلى درجات القداسة والحكمة ليتحوَّل إلى الصورة الإلهية. وفي الله يجد المسيحي الحقيقي المعلم الأول والمعلم الحقيقي الذي يقوده إلى المعرفة من البداية إلى النهاية. لكنه لا يصل إلى هذه الحقيقة إلا بكثرة التأمل.

وواضح من هذه الأقوال أنها أساس التكوين الروحي للإنسان، والإنسان إذا صار على هذه الصورة، فإنه يصبح قادرًا على تكوين الأسرة الناجحة بل وقيادة الحياة كلها قيادة ناجحة.

إن المسيحي الحقيقي في نظر أكليمنضس هو من تمكن أيضًا من أن يسمو على نفسه وعلى مخاوفه، وأن يضع كل ثقته ورجائه في الله، فلا يلبث أن يتحوَّل إلى الصورة الإلهية المُجْمَلة بالفضيلة والكمال. من هنا لا يعود مؤمنًا فقط، بل يصبح من قضاة الحق.

ثانيًا: مفهوم الأسرة في نظر آباء الكنيسة

لقد أوضح كثير من الآباء هذا المفهوم عند تفسيرهم لأسفار الكتاب المقدس، خاصة ذهبي الفم وأوريجانوس وأمبروسيوس وغيرهم. والكتاب المقدس مليء بالأحداث والمواقف والتعاليم الخاصة بالأسرة، مما أعطى ثراء للتراث الآبائي في هذا الموضوع. لكننا هنا نقتصر على ما قاله القديس يوحنا ذهبي الفم عن أن الأسرة هي أيقونة الكنيسة.

ثالثًا: مفهوم خدمة الأسرة عند الآباء

هذا المفهوم يمكن أن نقسمه إلى قسمين:

  1. الزواج والعلاقات الزوجية والمفهوم الآبائي له من واقع روح الإنجيل، وهذا ما قام بشرحه العلامة أكليمنضس.

  2. العلاقات الوالدية، وننقل هنا خاصة رأي القديس يوحنا ذهبي الفم فيما يجب على الوالدين نحو تربية أولادهما. ولا ننسى أن نشير إلى كتاب “المربي” الذي ترجمه نيافة الأنبا غريغوريوس إلى العربية، فهو أيضًا يتحدث عن السلوكيات التربوية والأخلاق المسيحية التي يجب على الآباء والأبناء السلوك بها.

أكليمنضس ودراسته عن الزواج

يرى أكليمنضس أن الزواج المسيحي لا يهدف إلى إشباع الشهوة بقدر ما يشبع الوالدين، ويستهدف حفظ المجتمع وبقاء النوع الإنساني كله. وأن إنكار الزواج معناه تحطيم الأسرة وإفناء النوع. ويربط بين الحديث عن الزواج وبين الطهارة والعفة. وهو يتساءل: إن المسيح علمنا ألا نشتهي، فكيف يسلك حسب إرادة الله من يستسلم لكل رغبة؟ وإذا كنا عبيدًا لأهوائنا وملذاتنا الجسدية، فكيف يمكن أن نصل إلى المعرفة الإلهية أو إلى تحقيق صورة الله فينا؟

وهو يخلص من هذا كله إلى تأكيد ما سبق أن ذكره القديس بولس من معاني الطهارة والتعفف في الحياة الزوجية. كما أوضح أن الحياة الزوجية يجب ألا تحول دون تخصيص فترة لعبادة الله يمتنع فيها الزوجان عن الانشغال بالعلاقة الجسدية (حتى ينالا بركة من الرب). أما الخدام المتزوجون فيوصيهم بتجنب العلاقة الجنسية عند استعدادهم للخدمة. كما أوصى بضرورة عناية الوالدين بتعليم الأطفال وتربيتهم تربية روحية، فهذه هي الثمرة الروحية الحية للمؤمن الحقيقي.

وقد اشتهر أكليمنضس باهتمامه بتعليم الطبقات الغنية، وكتب دراسته عن الزواج ردًا على ماركيون الذي فسَّر الزواج على أنها علاقة وضيعة، وقد رأى في ماركيون عقدة أصيب بها من ناحية الجنس والعلاقات الجنسية. ومن الماركونية نصل إلى المانوية التي دعت أيضًا إلى تحريم الزواج والدعوة إلى التبتل ورسامة أساقفة من السيدات على أساس أن الزواج أمر خاطئ، مما دعا آباء الكنيسة إلى الرد عليهم ليعودوا بالمؤمنين للفهم الإنجيلي الأصيل لهذا السر العظيم. ولقد كتب أكليمنضس دراسته هذه باليونانية، وترجمتها جامعة فيلادلفيا في الثلاثينيات مع بحثين للعلامة أوريجانوس عن الصلاة والحث على الاستشهاد، وطُبِع هذا كله في كتاب بالإنجليزية بعنوان “مسيحية الإسكندرية”.

ومن أكليمنضس في أواخر القرن الثاني إلى البابا كيرلس الرابع في أواسط القرن التاسع عشر، نجد أن الكنيسة ظلت تحافظ على الكيان الأسري من خلال حفاظها على مفهوم الزواج كسر مقدس تقيم طقوسه أمام المذبح الإلهي، وتقوم باختيار أشبين (راعٍ روحي) لكل زوجين جديدين حتى يتابعهما روحياً وتجنبًا لتعقد المشاكل بينهما.

أما البابا كيرلس الرابع (1854 – 1861 م) فقد وضع قوانين للزواج ألزم بها الآباء الكهنة، وهي ألا يقل سن البنت عند الزواج عن 16 عامًا، أما الفتى فلا يقل عن الثامنة عشرة، ووضع صيغة عقد يوقع عند إتمام الزيجة.

وللبابا بطرس الجاولي في أوائل القرن التاسع عشر وفي عصر محمد علي، أيَّد موقف الأنبا سلامة أسقف أثيوبيا في موقفه من تعدد الزوجات هناك، بالرغم مما أدى إليه هذا المنع من ضيق بين الإثيوبيين، لكن الكنيسة كانت أمينة تمامًا في الحفاظ على تراثها الروحي، خاصة في علاقة الزيجة التي يترتب عليها تكوين الأسرة نواة المجتمع والقاعدة الأولى لقيام الكنيسة كلها.

العلاقات الوالدية عند ذهبي الفم

فإذا جئنا إلى العلاقات الوالدية وجدنا دراسة مستفيضة يقدمها لنا القديس يوحنا ذهبي الفم عن أهمية مراعاة الوالدين لأولادهم وضرورة اهتمامهم بحسن توجيههم بالقدوة والصلاة من أجلهم. هذه الدراسة تبرز أن الوالدين في القرن الرابع كانوا يواجهون مع أولادهم نفس المشاكل التي يواجهها الآباء اليوم. ويرى ذهبي الفم أن تربية الأطفال تتركز في المنزل، فيجب على الوالدين توجيه أولادهم نحو الحكمة، وأنهم مثل صانعي التماثيل يزيلون الزوائد ويضيفون النواقص. فالأولوية في اهتمامهم بأولادهم يجب أن تتجه إلى إعدادهم لملكوت السموات وليس للماديات أو الشهرة.

ويقدم ذهبي الفم بعض الأمثلة والمواقف:

  • إن الطفل عطية من الله للوالدين والعالم والكنيسة، وهو وسيلة إظهار حب الله لنا. فالمسؤولية المقابلة: تربية هذا الطفل ليكون ابنًا لله. إن الرب الإله يبارك الوالد الذي يهتم بتربية أولاده، بل يبارك في الأولاد أنفسهم.

  • إننا سنكون قادرين على أن نرضي الله بتربية أطفال له، حتى نتمتع نحن وأولادنا بالبركات الموعود بها للذين يحبونه. وإني لا أظن أننا نريد أقل من ذلك لأولادنا.

بعد ذلك يتساءل القديس يوحنا ذهبي الفم: ما الفضائل التي يسلمها الوالدون لأبنائهم؟
الفضائل الحسنة: الاعتدال، الطاعة، اللطف، التقوى، السمو في الكلام، الرصانة، الاستقامة، الصلاة، الوقار، البساطة، الحكم السليم على الأمور، الثبات، التيقظ، العفة.
أما الفضائل الرديئة التي يجب أن يبعدوهم عنها: الحماقة، ذلاقة اللسان، المشاكسة، التهور، الانحلال الخلقي، حدة الطبع، الحلف، الافتراء وما على شاكلتها.

كما ينصح بحسن توجيه الحواس، فمن خلالها إما أن تفسد الأفكار وإما أن تتوجه سليماً. ويرى يوحنا ذهبي الفم أن نجاح الطفل داخل أسرته يهيئه للنجاح في مدرسته ثم عمله بل وفي حياته كلها. بهذه التعاليم الثمينة خاطب هذا القديس والمعلم الكبير الوالدين، لتكون لهم ذخيرة وكنزًا على امتداد العصور.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى