المريمات في الإنجيل: نساء الإيمان والخدمة

تُشير الأناجيل المقدسة إلى عدد من النساء اللواتي يحملن اسم «مريم»، اشتهرن بمحبة المسيح وخدمته بإخلاص. قد تبعنه من الجليل يخدمنه من أموالهن ووقتهن ويبعثن إليه بواجبات قلوبهن التي تأصلت فيها جذور الحب العميق. وأول من ذكرهن في الكتاب المقدس هو القديس متى البشير، حيث يقول: «وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد، وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه، وبينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسى وأم ابني زبدي» (مت 27: 55-56).

The painting The Three Marys at the Tomb by Mikołaj Haberschrack, 15th century

هذا بالإضافة إلى القديسة مريم أم يسوع العذراء في كل حين، التي ولدت لنا مخلص العالم، وأخت لعازر حبيب الرب.

أقوال الإنجيل في المريمات

مريم المجدلية:

هي إحدى أبرز المريمات في الأناجيل. يذكر الكتاب المقدس أنها هي التي أخرج المسيح منها سبعة شياطين، وقد اختلف المفسرون في كيفية شفائها. وهل أخرج المسيح منها الشياطين دفعة واحدة أم كان ذلك في فترات مختلفة. والحال أن رب المجد المقتدر في أفعاله لا يستحيل عليه شيء. لأن الذي طرد الجنود من الشياطين عددهم بستة آلاف من رجل واحد، ليس من العسير عليه أن يطرد سبعة شياطين بإشارة خفية من أصبعه الإلهي.

ولا تزال مجدل – ذات التسمية الفارسية التي معناها “قلعة” – قائمة إلى الآن، تذكرنا بهذه الأعجوبة التي صنعها يسوع الكلمة المتجسد الذي حل بيننا ورأينا مجده.

كما يجب ألا ننسى أن مريم المجدلية هي غير المرأة الخاطئة التي بللت قدمي المسيح بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها، لأن الشيطان له أن يضرب الإنسان بأمراض وبلايا مختلفة، كما فعل مع أيوب (أي 1: 12 و2: 7)، وأن يسكن في داخله كما صنع بالمجدلية، دون أن يستأثر بعقلها أو يتسلط على روحها. وقد فرق الكتاب بين المرأتين فسمى الأولى بالمجدلية (لو 8: 2) والأخرى بالخاطئة (لو 7: 37) ولم يربط بينهما في حديث واحد.

مريم أم يعقوب ويوسى:

يذكر الكتاب المقدس أنها زوجة حلفى، ويُقال له أيضًا كلوبا (يوحنا 19 : 25). ويشير بعض المفسرين إلى صلتها القريبة من السيدة العذراء، إذ دعاها يوحنا «أخت أم يسوع» بمعنى القَرابة العائلية، لاتصال نسبها بالعذراء.

مريم أخت مرثا:

وهي شقيقة مرثا ولعازر الذي كان يسوع يحبه ويتردد على بيته في بيت عنيا (لوقا 10: 38-42، يو 11: 44). وزعم بعضهم أن سمعان الأبرص كان زوجاً لإحدى الأختين، ولكن ليس في الكتاب ما يؤيد ذلك. اشتهرت بتعبيرها العميق عن المحبة عندما سكبت الطيب على جسد الرب قبل الصلب (متى 26 : 7).

مريم أم يسوع:

وهي أم الإله المتأنس التي حملته في بطنها الطاهر، ولازمته في مراحل حياته التي انتهت بالصلب، وظلت تشهد عذاباته وتتحملها في جسم أموميتها، حتى أشفق عليها الرب وسلمها إلى يوحنا الذي تقبلها وديعة مقدسة وضمها إلى خاصته. وتظهر آخر مرة في سفر أعمال الرسل، حيث كانت مع التلاميذ مواظبة على الصلاة (أعمال 1 : 14). وبعد هذا لم يرد لها ذكر في بقية الرسائل.

نساء أخريات خَدمن الرب

وهناك نساء أخريات كثيرات ذكرهن الكتاب المقدس منهن:

  • سالومة امرأة زبدي وأم يعقوب ويوحنا التلميذين العظيمين، اللذين كانا يحظيان بدالة قوية عند المعلم الصالح، وقد مات الأول مستشهداً على يد هيرودس (أع 12: 2) وقضى الآخر منفياً في جزيرة بطمس.
  • يونا امرأة خوزي وكيل هيرودس (لو 8: 3) التي تترجم “بحمامة”. كانت من ذوات المكانة الاجتماعية، ومع ذلك اختارت أن تخدم المسيح وتتبعه (لوقا 8 : 3). 
  • سوسنة التي لم يذكر الكتاب سوى اسمها (لو 8: 3) دون أن يقرنه بقرين أو عمل، وعله اكتفى بهذه التسمية الجميلة التي خلعها الكتاب على الكنيسة قبل أن توجد (نش 2: 2).

والثلاث الأخيرات وإن كانت أسماؤهن تختلف عن أسماء النسوة السابقات، إلا أنهن ضمنن مع غيرهن تحت اسم «المريمات»، اللواتي اشتهرن بإقدامهن وما كن يقمن به من أعمال نافعة جليلة. وها نحن الآن نتابع سير المريمات فنراهن يتوقفن عند:

حواريات المديح:

عاش يسوع “نجاراً” (مر 6: 3) فقيراً لا يملك شيئاً، فلم ينعم بأوكار الطيور ولا أجرة الثعالب (لو 9: 58) بل كان يسند رأسه في البرية (مر 1: 12) وينام في القرية عند أحد الأصدقاء (مت 21: 7) لأن الذي قال لأتباعه “لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا لأجسادكم بما تلبسون” لا يليق به أن يتأثر بمادة عقيمة أو يقيم وزناً لعرض مصيره الفناء.

وقد كان في وسع يسوع رب المعجزات ومبدع الكائنات أن يعيش على الأرض بمقدرته كإله خالق دون الحاجة إلى أحد، ولكنه رفض أن يحول الحجارة خبزاً أو أن يفجر من الأرض عيوناً، وأرسل تلاميذه إلى المدينة ليبتاعوا له طعاماً، وذهب بنفسه إلى المرأة السامرية يسألها ماء ليشرب! لقد أبى جل شأنه أن يستخدم طاقاته الربانية في قضاء ما يخصه من لوازم الحياة، بل كان يعول نفسه بنفسه، كما أفسح المجال لمن يريد أن يعبر عن محبته بالهبات أو يتطوع له بأي نوع من الخدمات. فأقبل نحوه التواقون إلى فعل الخير، وفي مقدمتهم المريمات اللواتي تبعنه عن نبل وإخلاص وكن يخدمنه من أموالهن.

عند الصليب المحيي:

استسلم يسوع لصالبيه فخالوا ذلك منه ضعفاً، لأنهم لم يفهموا ما جاءت به كتب الأنبياء، فأخذوه إلى بيلاطس البنطي. وبعد أن ظفروا منه بحكم يروي غليلهم من الخصم الذي لم يدروا من أمره شيئاً، خرجوا به من دار الولاية حتى وصلوا به إلى موضع يقال له جلجثة، وهناك صلبوه معلقاً بين لصين. لقد ضُرب الراعي فتبددت الرعية، ولم يعد لأصحابه مكان معروف في القرية أو المدينة.

قد هرب بطرس المقدام وذابت صلابته أمام جارية ، وأصبح سمعان القانوي الغيور اسماً على غير مسمى. وفي الوقت الذي اختفت فيه كل الأسماء اللامعة من رسل الرب، كان أيضاً يهوذا الإسخريوطي في ثورة نفسية عنيفة جعلته بيد يطرح الفضة التي استعبد لها، وبالأخرى يصنع حبلاً يضع به حداً لحياته القلقة التعيسة.

في هذه الظروف المريرة التي تراجع فيها الرسل الذين غيروا فيما بعد معالم التاريخ، رأينا المريمات يظهرن بوضوح وشجاعة. لقد وقفن من بعيد يشاهدن المأساة الدامية. 

لقد كن يشاهدن من بعيد لأنهن لم يستطعن مواجهة الموقف لأسباب كثيرة!! ولكن في هذه اللحظة الرهيبة التي تفجر فيها من قلب الحبيب ينبوعان من الدماء والماء… وقفت أحشاؤهن بجانب الصليب، ولم تكف عيونهن عن التطلع نحوه حتى نكس الرب رأسه وأسلم الروح. حقاً إن المرأة قوية متى أحبت وأخلصت.. عنيفة إذا ما خانت وتنكرت!!

عند مثواه المقدس:

لقد أُنزل جسد المسيح المائت من فوق الصليب. وبما لا شك فيه أن هذه العملية تمت بحضور المريمات اللواتي احتضن الجسد الذي أثخنته الجراح، وطبعن عليه قبلات الوداع الأخير وقلوبهن تفيض ألماً وحسرة. وأخيراً انتهى الأمر بوضع السيد في قبر جديد بين كمية وافرة من الطيب والحنوط.

عادت المريمات إلى بيوتهن بعد أن أودعن قلوبهن الجريحة بين يدي المسيح. لقد فر الرسل، ولم يشهد أحد منهم عملية الفداء غير يوحنا الحبيب، الذي عندما علم أن القبر قد وضع تحت حراسة مشددة، خاف بدوره أيضاً ولم يستطع الاقتراب. ولكن المريمات عدن إلى بيوتهن وهن يطمعن في الذهاب إلى القبر مرة أخرى. وبناء على هذه الرغبة النبيلة اشترين الحنوط بعد ما مضى السبت، وأخذن يترقبن الفجر ساهرات لأنهن حزانى.. والحزاني لا ينمن!!

وباكراً جداً والظلام باق، خرجن من بيوتهن وأتين إلى القبر غير مباليات بحرس المدينة. وقبل أن يقتربن من اللحد، حدثت زلزلة عظيمة عندما نزل ملاك الرب من السماء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه. فسقط الحراس من شدة الخوف وصاروا كأموات. وعندئذ تقدم الملاك وقال للمريمات: “لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو ههنا لكنه قام”. ولكن المريمات لم يكتفين بالتأكيدات الملائكية، بل لفرط شوقهن في المعلم دخلن القبر فلم يجدن إلا الأكفان في ترتيبها الطبيعي، فخرجن والفرح يغمر قلوبهن. ولما هممن بالانصراف، إذ بالملاك يحملهن إعلان أنباء القيامة السارة بقوله: “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه”. ولكي يشبع الرب نفوس الحزينات الجائعات لرؤياه، ظهر عياناً لمريم المجدلية في الساعة السابعة من صباح أحد القيامة (يو 20: 14-18)، ثم لها ولمريم الأخرى وهما عائدتان من زيارة القبر المقدس (مت 28: 9). ومن ثم توالت الظهورات للنسوة والتلاميذ حتى بلغت إحدى عشر ظهوراً.

إن القيامة بحق تعتبر أعجب مراحل الكفارة وأروعها. لهذا كانت الهدف الأول الذي عمل الإنجيليون على وصفه وتحقيقه بأساليب مختلفة، ولكنها ليست متناقضة. كما افتتحوا كل رواياتهم عنها بحاملات الطيب من المريمات اللواتي شرفهن الرب بظهوره المبارك.

فعندما تذكر قيامة المسيح تذكر على الفور مريم المجدلية ورفيقاتها الصادقات اللواتي لم ينمن ولم يذقن طعم الراحة حتى اطمأنت قلوبهن بانتصار الفادي الذي حقق وعده وبعث حياً وظه

دروس من حياة المريمات

<

p data-start=”2935″ data-end=”2996″>خلاصة القول أن الإيمان الصادق يتجلّى في الخدمة الصامتة والعطاء العملي. وأن المرأة المؤمنة تستطيع أن تكون شاهدًا حيًا للرجاء، كما كانت المريمات شهودًا للقيامة. وأن المحبة التي لا تخاف الألم هي أعظم شهادة للمسيح الحي.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى