سر الأفخارستيا
كلمة سر في المعنى العام تعني الشيء الخفي أو المستور. وفي المفهوم اللاهوتي تعني حقيقة إلهية فائقة عن إدراك البشر أعلنها الله بروحه القدوس للكنيسة ولجماعة المؤمنين لنفعهم وخيرهم.
وفي هذا يوضح الرسول بولس أن السر الإلهي قد أُعلن للرسل بالروح القدس (أفسس 3: 2-5).
أفخارستيا كلمة يونانية تعني الشكر، وهي السر المقدس الذي يجمعنا بجسد ودم السيد المسيح.
سر الأفخارستيا ومكانته بين الأسرار
وسر الأفخارستيا هو واحد من وسائط الخلاص – الأسرار السبعة – التي أسسها السيد المسيح لننال بها النعم الإلهية، واستحقاقات دمه الكريم الذي سُفك على عود الصليب. وقد اختار السيد المسيح حين أسس هذه الأسرار مادة معينة أو علامة منظورة محددة لكل سر، ورسم طريقة تتميمها، ويشترط لهذه العلامة أن تكون شيئاً محسوساً، وأن تؤدي إلى معرفة شيء آخر. فلا توضع للدلالة على نفسها بل لا بد من قوة غير مرئية تحولها من حال إلى حال أسمى، وبها تتغير حالة الممارس لهذه الأسرار. وهذه القوة هي الروح القدس الذي يعطينا بر المسيح وثمرة موته وقيامته والحياة معه في الملكوت.
وتبعاً لذلك يمكن تعريف “السر الكنسي” بأنه:
هو عمل مقدس يمنحنا نعمة الله غير المنظورة، موضوعة تحت مظاهر محسوسة.
أسماء سر الأفخارستيا المتنوعة
يسمى سر الأفخارستيا بعدة أسماء: سر الشكر، العشاء الإلهي، المائدة المقدسة، جسد ودم المسيح، سر الاستحالة، سر الكنيسة.
بهذا السر يغتذي المؤمن روحياً بجسد ودم المسيح الأقدسين تحت أعراض مادة منظورة هي الخبز والخمر.
ثمار سر الأفخارستيا
ويعتبر سر الأفخارستيا أعظم عطية مُنحت من الإله الكلمة المتأنس للبشر. لأنه ليس شيء أعظم من تقديم السيد المسيح جسده ودمه الأقدسين ليغتذي بهما أحبائه لينالوا:
غفراناً لخطاياهم: بهذا السر يغفر الله خطايانا، إذ نقدم جسد ودم المسيح، الذبيحة الأقدس التي تبررنا أمامه (متى 26: 26-28).
وثباتاً في شخصه الحبيب: من يتناول جسد ودم المسيح يثبت في الله ويتحد بالابن الحي(يوحنا 6: 56).
وقيامة وحياة أبدية: من يأخذ سر الأفخارستيا ينال حياة أبدية (يوحنا 6: 54).
لذلك يعتبر لهذا السر المقام الأسمى بين الأسرار السبعة لغزارة نعمه وسموه عن الإدراك. لأن النعمة بواسطة باقي الأسرار تفعل بحالة غير منظورة تحت أعراض مادة منظورة، وتلبث تلك المادة غير متغيرة ولا مستحيلة. أما في سر الأفخارستيا فيتحول الجوهر: الخبز يصبح جسد المسيح والخمر دمه، بينما تبقى المظاهر على حاله. وذلك بصلوات الكاهن المرتبة بالقداس الإلهي على الخبز والخمر وحلول الروح القدس عليهما.
ملاحظة لاهوتية:
نعمة السر لا تعتمد على استحقاق الكاهن أو المؤمن، بل على إرادة المسيح، لأن النعمة المعطاة تتعلق بإرادة السيد المسيح، الذي يمنح النعمة بواسطة رجال الإكليروس الذين هم آلات منظورة بها يوزع المخلص النعمة للمتقدمين إلى وسائط الخلاص.
وإن كان السر يعمل فاعليته بدون أدنى تعلق باستحقاق رجال الإكليروس، إلا أنه يجب عليهم أن يكونوا بلا لوم طاهرين باعتبارهم وكلاء سرائر الله. كما أن إيمان قابل السر أو نقصه لا يؤثران على صحة السر، لأن السيد المسيح الذي رتب الأسرار وجعل كل موهبة من مواهب الروح القدس مرتبطة ارتباطاً جوهرياً بعلامة معينة منظورة، يفعل بالضرورة في البشر متى تم ممارسة السر طبقاً لتأسيسه.
لهذا درج آباء الكنيسة منذ القرون الأولى للمسيحية على منح بعض هذه الأسرار للأطفال وهم لم يدركوا معنى الإيمان، موقنين كل اليقين بأنها تفعل فاعليتها فيهم لأنها واسطة لأنالة نفوس المتقدمين لممارستها النعمة الإلهية.
وإن كانت الأسرار تمنح فاعليتها للمتقدمين لممارستها على أي حال، إلا أن الكنيسة تطلب من المتقدمين لممارسة هذه الأسرار وخاصة من كانوا من غير الأطفال أن يكون إيمانهم كاملاً بقوة هذه الأسرار وفاعليتها، وأن يكون استعدادهم لائقاً لممارستها.
الإفخارستيا والعهد القديم
عندما سقط الإنسان في الخطيئة وأصبح مطروداً من الفردوس، محكوماً عليه بالموت بعد أن فسدت طبيعته الأولى التي خُلق عليها، أظهر ندامة وعبر عن هذه الندامة بالاعتراف والصلوات لاستمطار مراحم الله. ولم يشأ الله أن يترك الإنسان هكذا، بل عندما رآه عرياناً ألبسه جلداً يكتسي به، وأعلمه كيفية تقديم الذبائح. وقد قدم هابيل ذبيحة من أبكار غنمه، وقدم نوح ذبيحة عندما خرج من الفلك وبنى مذبحاً للرب.
وكان هناك رمز لتطور الذبيحة الحيوانية إلى ذبيحة الفداء في شخص إسحق. وهكذا سارت الذبائح إلى أن وضع لها الرب الإله نظاماً سلمه لموسى النبي على الجبل، وكانت كلها في مجموعها تشير إلى السيد المسيح الفادي والمخلص.
كما نجد أيضاً في العهد القديم علاقة بين سر الأفخارستيا وكل من تقدمة ملكي صادق، ونزول المن من السماء، وخروف الفصح كما يتضح فيما يلي:
تقدمة ملكي صادق والأفخارستيا:
يعقد بولس الرسول مقارنة بين ملكي صادق والسيد المسيح وتقدمة كل منهما في الأصحاح السابع من رسالته إلى العبرانيين مع ما ورد في الأصحاح الرابع عشر من سفر التكوين.
لقد وصف الكتاب المقدس ملكي صادق أنه بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة. أي أنه أزلي أبدي وهو ما لا يوصف به إلا الله. وأن ملكي صادق كان كاهناً وكانت تقدمته خبزاً وخمراً (تكوين 14: 18). والسيد المسيح جاء رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق مؤسساً الأفخارستيا سراً للعهد الجديد من خبز وخمر.
وفي هذا يقول إكلمندس الإسكندري:
«إن الخبز والخمر المقدسين اللذين قدمهما ملكي صادق هما صورة نموذجية للأفخارستيا»1.
ويقول القديس كبريانوس:
«إن ملكي صادق هو قبل كل شيء صورة نموذجية للمسيح»2.
وقد أوضح الكتاب المقدس أن إبراهيم وفي صلبه الكهنوت اللاوي خضع لملكي صادق، وباركه ملكي صادق («الأصغر يبارك من الأكبر» عبرانيين 7: 7). ولما كان إبراهيم هو الأصغر، وكان ملكي صادق هو الأكبر، وأن إبراهيم خضع لملكي صادق، وقدم العشور له، ونال البركة منه. فإنه يتضح أن ملكي صادق لا يمكن أن يكون إنساناً عادياً إنما هو أحد تجليات السيد المسيح قبل التجسد. وتكون تقدمة ملكي صادق من الخبز والخمر في العهد القديم هي ذات مادة الأفخارستيا التي قدمها السيد المسيح في العهد الجديد اللذين هما جسده ودمه الأقدسين.
المن السماوي والأفخارستيا:
يعقد هنا أيضاً بولس الرسول مقارنة بين المن السماوي الذي أمطره الرب الإله من السماء لغذاء بني إسرائيل (خروج 16: 35) والماء الذي خرج من الصخرة ليشرب منه الشعب (خروج 17: 6)، وبين الخبز والخمر في سر الأفخارستيا. ويوضح في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس أنه كما أن المن من السماء كان غذاءً روحياً لإسرائيل، كذلك خبز ودم المسيح يغذي روح المؤمن للحياة الأبدية (1 كورنثوس 10: 3-4). ويقارن بولس الرسول ذلك بجسد المسيح ودمه الأقدسين (1 كورنثوس 10: 16).
ويقول القديس أغسطينوس:
«إن المن قديماً يشير إلى خبز الأفخارستيا»3.
كما أشار بولس الرسول إلى العقاب الذي لحق ببني إسرائيل بسبب تذمرهم بعد أن أكلوا المن وشربوا الماء. ويطابق ذلك بين مَن يأكل ويشرب من جسد ودم المسيح بدون استحقاق (1 كورنثوس 11: 27).
وإن كان سر التناول هو المن العقلي النازل من السماء الذي من يأكل منه يحيا إلى الأبد، تمييزاً له عن المن الأرضي الذي أكله الإسرائيليون وماتوا (يوحنا 6: 49-58). فإن المن الذي أكله بنو إسرائيل والماء الذي شربوه إنما هو إشارة لسر الأفخارستيا.
خروف الفصح والأفخارستيا:
هناك أيضاً مشابهة بين دم خروف الفصح، والدم في سر الأفخارستيا. فنجد أنه كما أن دم خروف الفصح الذي وضع على القائمتين والعتبة العليا في بيوت المصريين جعل الملاك المهلك يعبر عن هذه البيوت ويخلص من فيها (خروج 12: 13). هكذا فإن دم المسيح في سر الأفخارستيا يخلص جميع الخطاة الذين يتقدمون للتناول منه (مرقس 14: 24).
ولما كان إيماننا أن جسد ودم المسيح في سر الأفخارستيا هو ذات الذبيحة التي قدمت مرة على الصليب كفارة عن خطايانا، فإن ذبيحة خروف الفصح إنما تكون رمزاً وإشارة إلى الذبيحة غير الدموية المستعلنة في سر الأفخارستيا الذي هو فصحنا للعهد الجديد (1 كورنثوس 5: 7).
![]()
- إكليمندس الإسكندري، Stromata, الكتاب الرابع، الفصل 25.
- القديس كبريانوس، رسالة 63 إلى سيسيليوس, الفقرة 4.
- القديس أغسطينوس، عظات على إنجيل يوحنا, العظة 26، الفقرة 11.
المراجع:
- الأنبا غريغوريوس، الأسرار السبعة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
- القديس يوحنا الدمشقي، عن الإيمان الأرثوذكسي, الكتاب الرابع، الفصل 13.