الدين والعقل
هناك أموراً كثيرة يصعب على العقل البشري أن يدركها أو يصل إليها، ولكنها موجودة فعلاً. وهذا يوضح لنا أن هناك فرقاً بين ما هو فوق العقل وما هو ضد العقل. فقد يكون فوق العقل إدراك علة الكون الأولى ومبدع هذه الكائنات جميعها، ومع ذلك فهذه الحقيقة ليست ضد العقل. إننا بالعقل نفسه نستطيع أن نثبت وجود الله.
الكون ينطق بوجود الخالق
فالكون الذي نعيش فيه حافل بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي تعلن في جلاء ووضوح عن وجوب وجود خالق عظيم، أزلي، أبدي، موجود في كل مكان ولا يخلو منه مكان، أوجد هذا الكون بما فيه من مختلف الكائنات بهذا الترتيب العجيب والنظام البديع الذي يترجم عن حكمة هذا الإله الذي أوجدها.
فها هي الأفلاك في سيرها تخضع لقوانين غاية في الدقة والإحكام. وفي كل يوم يكشف الفلكيون عن حقائق جديدة تنطق باتساع هذا الفراغ الكوني واشتماله على نظام بديع جميل، الأمر الذي يدعو إلى الإيمان بوجود الله والشهادة بعظمته وجلال قدرته. ولذا يقول النبي في المزمور:
«السموات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه. يوم إلى يوم يبدي كلاماً، وليل إلى ليل يظهر علماً» (مز 19: 1-2).

وهذا معناه أن السموات بما فيها من شموس ونجوم وأفلاك، وما يستتبعه سير الأفلاك بنظام من حدوث الليل والنهار، يخبر أن لهذه الطبيعة خالقاً جباراً.
أدلة من عالمي النبات والحيوان
وكذلك التأمل في النبات والحيوان يقود إلى الإيمان بالخالق. فالنباتات الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، والتي تخرج مختلف الثمار والفواكه، وتركيب كل نبات منها بطريقة خاصة تناسب البيئة التي ينمو فيها وأنواع مناخها، كل هذا يرشد الإنسان إلى معرفة الخالق الحكيم الذي خلق كل شيء بحكمة عالية فائقة، الأمر الذي يستحيل أن تخلقه الصدفة المحضة، ويترجم عن وجود قوة كبرى عظيمة عنها نشأ هذا الكون العجيب!!
وما نقوله عن النبات نقوله أيضاً عن الحيوان بفصائله وأجناسه وأنواعه، وطبائعه، وتركيبه الحيوي، وغذائه، وكيف يتلائم مع طبيعته وبيئته والمناخ الذي يحيا فيه، وطريقة تناسله على نظام لا يعرف التخلف. فضلاً عن انقياده بغريزة دافعة تمكنه من تحقيق الغرض من وجوده. فالتأمل أيضاً في الحيوان وتشريح جسمه والوظائف التي تقوم بها أعضاؤه وأجهزته المختلفة يقودنا أيضاً إلى الدهشة والتعجب لسياسة الخالق في خليقته. وكيف أنه خلق كل شيء كاملاً وليس فيه نقص، كما أنه لم يخلق شيئاً بغير قصد أو غرض.
ولقد كان ولا يزال هذا التأمل في الطبيعة مصدراً من مصادر التقوى والتقرب إلى الله والاعتراف بجلاله الأقدس. ولذا يقول أيوب الصديق:
«اسأل البهائم فتعلمك، وطيور السماء فتخبرك، أو كلم الأرض فتعلمك، ويحدثك سمك البحر. من لا يعلم من كل هؤلاء أن يد الرب صنعت هذا؟» (أيوب 12: 7-9)(1).
(1) من مذكرات مصادر علم اللاهوت لنيافة الأنبا أغريغوريوس أسقف البحث العلمي.
برهان النظام والغاية
فمن أخص البراهين الدالة على وجود الله: نظام الكون وترتيبه، مما يثبت الغاية والقصد من تكوينه. وهذا يؤكد أن الله جل شأنه لم يهد الناس إلى معرفته عن طريق الوحي فحسب، ولم يعلن لهم عن ذاته الكريمة في قسر أو إجبار، ولكنه أراد أن يكون الإنسان حراً فيما يعتقده، ولذلك أعلن له عن وجوده بمشاهدة آيات حكمته وقوته في أعماله؛ لأن المصنوع لابد له من صانع، والأثر لابد له من مؤثر.
وإيضاحاً لما سبق نقول:
هب أنك شاهدت قصراً فخماً مشيداً تشييداً حسناً، منسقاً تنسيقاً بديعاً، أما تحكم لأول وهلة بأن وراء هذا القصر مهندساً بارعاً وبناءً حكيماً صنعه لغاية وقصد؟ ذلك لأنك وجدت فيه الصفات الاستدلالية التي عن طريقها اهتدى عقلك إلى القصد والغاية من تشييده.
وهب أنك نظرت آلة من الآلات عجيبة التركيب، دقيقة الصنع بكل دقة وإتقان، أما تجزم بأن عقلاً كبيراً أوجد هذه الآلة لغرض من الأغراض؟ وهل يمكن أن يسلم عقلك بأنها وجدت صدفة أو عرضاً؟ إن العقل الإنساني من شأنه أن يحكم بديهياً بوجود الصانع من تصوره للصنعة وللمصنوع.
وحيث أن أدلة الغاية والقصد من الصناعة واضحة في بناء القصر وفي تركيب الآلة تكشف عن أن صانعاً حكيماً صنعهما، فلم لا يستنتج من هذا المبدأ الثابت وجود الله؟
استحالة الصدفة
إن الصدفة كما نعلم لا ترتب مطلقاً، ولا تخلق كوناً منظماً كهذا. وإذا أردت أن تقتنع بذلك، فخذ مثلاً عشر ورقات، وأكتب على الورقة الأولى رقم (1)، وعلى الورقة الثانية رقم (2)، وهكذا إلى عشرة مثلاً. ثم انشر هذه الورقات على الأرض بشدة، فإذا ألفيتها على الترتيب الذي نعرفه جميعاً: (1، 2، 3… إلخ) يكون للصدفة عمل يذكر، وإلا فهي باطلة. وإذا كانت الصدفة تعجز عن أن ترتب أمراً بسيطاً كهذا، فهل ينتظر منها أن ترتب هذا الكون العجيب؟ إن ذلك لمحال!!
إعجاز الخلق في جسم الإنسان
أنظر إلى أعضاء جسم الإنسان مثلاً، والوظائف التي تقوم بها هذه الأعضاء، فإنها كافية وحدها للدلالة على وجود الله!!
وانك لتدهش عندما تقف على أقوال علماء التشريح عن القلب والرئتين والعينين، وبقية الأعضاء. ولا يسعك إلا أن تسلم بأنها عمل إله عظيم القدرة، جليل الشأن والعظمة!!
إليك عضو البصر مثلاً، فإنك لو تأملت في تراكيبه العميقة لألفيت كل منها يدل على غاية وقصد.
* فهو محفوظ داخل تجويف من العظم يقيه الضرر والعطب.
* ومغطى من الخارج بأستار لتدفع عنه التراب والهوام.
* وفي زواياه غدد تفرز سائلاً يغسل سطحه مما يعلق به من الأوساخ والأقذار.
* وجداره مركب من طبقات تحوي مواداً شفافة تسمح بنفاذ الضوء.
* وبداخله حاجز يسمى القزحية، به ثقب صغير لمرور صور المرئيات إلى داخل العين ويسمى إنسان العين، فينقبض وينبسط على قدر الحاجة.
* كما أن به طبقة عصبية حساسة معدة لتلقي صور المرئيات، فينتقل التأثير إلى مركز الإبصار في المخ بواسطة العصب البصري!!!
أما تدل هذه التراكيب العجيبة الدقيقة على غاية وقصد من إنشائها؟! هل يعقل أن هذا التركيب المحكم يوجد بطريق الصدفة؟ أليس كل ما فيه ينطق بوجود مبدع عظيم وخالق حكيم؟!
التأمل في الهواء والحرارة
تأمل أيضاً في الهواء الذي تستنشقه وتحيا بواسطته. فإنك ترى فيه أمراً يستحق الاعتبار يترجم أيضاً عن الحكمة والقصد الإلهيين في تكوينه. حيث تجد معظمه مركباً من عنصر الأوكسجين، وهو عنصر ملتهب لو وجد وحده لأحرق العالم جميعه في لحظة. ولدفع هذا الضرر الهائل، أوجد له الإله العظيم عنصراً آخر هو النيتروجين، الذي من شأنه أن يطفئ الأجسام المشتعلة. وباتحاد هذين العنصرين وجد الهواء الذي عليه قوام الحياة. فهل للصدفة سبيل في هذا التنظيم المتقن؟ وهل يمكن أن تكون تلك المقاصد السامية قد وجدت بغير قاصد؟
وإذا تركنا التأمل في الهواء ووجهنا النظر إلى الحرارة وما فيها من المنافع في خدمة العالم، فإننا نعاين فيها شتى الأدلة على وجود الإله الحكيم القادر.
* فهي السبب الوحيد لبقاء الحياة النامية.
* والفاعل الأول في إيجاد الأمطار بما فيها من قوة التبخير والتصعيد.
* كما أنها المساعد الأعظم لقوى النمو العام.
* ومما جاء فيها برهاناً أعظم على سمو حكمة مبدعها، هو أنه قد جعل نفوذها في السوائل بطيئاً جداً بالنسبة إليه في المعادن. ولولا هذا البطء لكانت الثلوج التي على الجبال سالت دفعة واحدة متى سخن الهواء، وأغرقت سكان المنخفضات والمنحدرات!!
النظام الكوني الشاهد لله
أطلق أيضاً عناق بصرك إلى الأجرام العلوية وما فيها من الضوابط والقوانين، التي تحفظها بدون خلل ولا تغيير على ممر الدهور وتوالي العصور. أنظر إلى الشمس مثلاً، وقد وضعت في كبد السماء لتكون كارزاً متنقلاً يخطب في الناس بصمته الفصيح، ويحضهم على اعتناق الإيمان والتصديق بهذه العقيدة الصحيحة. فهي كقاض جائل يقضي بالدينونة والعقاب على الذين يتجاهلون هذه الحقيقة وينكرون قوتها!!
فالليل والنهار يتعاقبان على نظام مطرد، والفصول تروح وتغدو على ترتيب لا يتغير، والأنهار من البحار تمتلء وإليها تعود.
وبالإجمال، فإن الطبيعة كلها من بحار وأنهار وجبال ووديان، ونجاد ووهاد، ونبات وحيوان، تعلن بآيات عجيبة وصريحة عن وجود كائن عظيم حكيم أوجدها ورتبها على هذه الحال، ومازال يقودها بحكمته ويسوقها بعنايته الشاملة التي تشمل أكبر وأعظم الأجسام السماوية وأصغر وأحقر النباتات الأرضية.
شهادة الكتاب المقدس
قال القديس بولس الرسول:
«لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر» (رو 1: 20).
وقال أيضاً:
«إذ هو يعطي الجميع حياة ونفساً وكل شيء. وصنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على وجه الأرض، وحتم بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم، لكي يطلبوا الله لعلهم يلتمسونه فيجدوه، مع أنه عن كل واحد منا ليس بعيداً. لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد» (أع 17: 25-28).
الطبيعة: كتاب مفتوح للجميع
وقال يوحنا فم الذهب:
“لو كان الله تعالى أعلمنا بوجوده بواسطة الكتب والحروف فقط، لكانت معرفته اختصت بأصحاب العلوم فقط الذين يعرفون قراءة الكتب. وأما الجهلة الذين لا يحسنون القراءة فلا تتيسر لهم معرفة الله، إلا إذا شرح لهم أحد مضمونها. وهكذا أيضاً كان الأغنياء فقط يختصون بذلك؛ لأنهم وحدهم يمكنهم أن يحصلوا على تلك الكتب المتضمنة معرفة الله. أما الفقراء فكانوا قد حرموا تلك الفائدة لقصورهم عن امتلاكها. وأيضاً لم يكن ليستفيد من تلك الكتب إلا من كان عالماً بلغتها. وأما عديمو معرفة تلك اللغة فلا يمكنهم أن يستفيدوا منها أصلاً. غير أن هذا النقص لا يوجد في كتب الطبيعة؛ لأنها تتكلم، ولكن ليس بألفاظ. بل بالمشاهدة الممكنة للجميع: للجاهل والحكيم، الغني والفقير. حيث يستطيع الكل أن يقرأوا في الكتاب العظيم ويطلعوا على عظمة ومجد خالقه”!!
حقاً إن الطبيعة لها صوت يخاطبنا، إلا أن منظرها يبدي صوتاً أشهر من صوت البوق، صوتاً يسمع بالعيون لا بالآذان!!
لذلك فإن من يتأمل الطبيعة يفكر بعيداً عن الهوى، وعندئذ يمكنه أن يقر بوجود الخالق العظيم. الذي جمل الطبيعة بكل بهاء وجلال، وطبع عليها عظمة فائقة تنطق بما له من حكمة عالية، وقدرة سامية.
خاتمة: شهادة الخليقة الجامعة
يقول القديس أغسطينوس:
سألت الأرض فأجابت: لست أنا هو.
فسألت البحر وأعماقه وما فيه من زواحف وأحياء، فأجابتني كلها: لست أنا الله.
وسألت النسيم العليل، والعاصفة العاتية، والهواء وما فيه من عناصر، فقيل لي: أنت مخطئ، أنا لست الله!
سألت السماء والشمس والقمر والكواكب، فأجابتني كلها: لست أنا مطلبك.
ناجيت جميع الخلائق التي تحيط بمنافذ حواسي الجسدية، فقالت لي: إن الله ليس ها هنا!
إذن نبئيني أين هو؟؟!!
فصرخت كلها بصوت واحد: «هو الذي صنعنا».
ولما كان صوت الطبيعة برهاناً كافياً يقودنا إلى الإيمان بالله ومعرفة لاهوته. فإننا نعد ملومين إذا ظلمت قلوبنا ولم نستطع أن نجد في الطبيعة الناطقة وغير الناطقة مصدراً لمعرفتنا عن الله. الذي «لم يترك نفسه بلا شاهد، إذ يفعل معنا خيراً ويعطينا من السماء أمطاراً وأزمنة مثمرة ويملأ قلوبنا طعاماً وسروراً» (أع 14: 17).