الأفخارستيا والحب

مقدمة: عشاء المحبة 

اصطبغت وليمة الرب بالحب العميق الذي ظل قلب يوحنا الحبيب يخفق به خمسين سنة. حتى إنه عندما جاء ليكتب عن هذا العشاء في الأصحاح الثالث عشر من إنجيله، بدأه بالقول: «أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى» (يوحنا 13: 1).

لقد كان هذا السر تعبيرًا عن أقصى دقات الحب الإلهي الذي كان يملأ قلب السيد المسيح طوال أيام خدمته. وكأنه قد حان الوقت لكي يكشف قلبه لعروسه الكنيسة، فيقدم ذاته ذبيحة يأكل منها العالم كله إلى مدى الدهور.

الحب: سر العطاء

لا يوجد سر مذهل يدفع الإنسان لأداء أعمال صعبة وجريئة بلذة فائقة، سوى سر الحب. إنه يسير الإنسان ويأسره ويحركه، بل يتملك الشعور واللاشعور. وإن خضعت له الإرادة، يفعل عجبًا!

هذا الحب الإنساني ما هو إلا صورة باهتة من حب الله. إنه الأشعة اللطيفة التي تداعب الحواس، أما الله فهو قرص الشمس ذاته الذي يتأجج نار حب ملتهب نحو الإنسان بسر لا يمكن إدراك حدوده. لقد وضع لذته في بني آدم!

ليلة العشاء الأخير: شهوة البذل الكامل

أيمكننا أن نتصور مشاعر قلبه الجياشة نحو أحبائه الذين عرفهم واختارهم منذ الأزل، الذين من أجلهم هو ذاهب ليقدم ذاته في الغد فدية عنهم؟ أيقدر أن يكتم عواطف البذل التي تمتلكه حتى يقبض عليه اليهود ويقتلونه؟! أينتظر حتى يصلبه الآخرون؟!

كلا! إنه يعطي نفسه بنفسه، ويهب ذاته طوعًا لمختاريه. إنها لذة البذل التي لا يفهمها إلا المحبون. وكأن كل أعمال الرحمة وكلمات التعزية التي عملها وقالها كل أيام حياته، لم يجدها كافية أو معبرة في نظره عن فيضان حبه الذي تملك أعماقه نحو الكنيسة.

فالحب دائمًا معطاء، والمحب دائمًا ظمآن يود أن يعطي. وكلما زاد بذله من أجل المحبوب، كلما ارتوى عطشه نوعًا. ولأن الأشياء مهما تكاثرت فهي مادية ومحدودة، فهي لا تروي العطش الكياني العميق. إنه يريد أن يعطي أكثر، ولا يوجد أكثر من النفس، أثمن ما يملك الشخص.

لذلك، فقمة العطاء في الحب هي عطاء النفس. يَشْبَع الشخص عندما يستودع ذاته في قلب محبوبه قائلاً: «هأنذا خذني تمامًا، فكلي لك». هذا ما فعله الحب الأبدي والأزلي عندما أمسك الرب يسوع جسده في يده وقال لمحبوبه: «خذوا كلوا… خذوا اشربوا». لقد أعطى نفسه بنفسه.

وحدة الهدف: الحب يشتهي الاتحاد

وغاية عطاء النفس في الحب هو الدخول في شركة بين كيانين. فالمحب لا يكتفي بكلمات أو أعمال اتضاع وخدمة، فهذه كلها وسائل، ولكن تبقى الغاية وهي الدخول في أحشاء الآخر. شهوة المحب أن يصل إلى أعماق محبوبه، وراحته المستقرة أن يسكن في سويداء قلبه. اتحاد الكيانين وصيرورتهما جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا هو طريق الحب وغايته في آن واحد.

وحب السيد المسيح لنا لم يكن إلا على هذا المستوى. يريد أن يدخل فينا، أن يستقر بداخلنا، يثبت فينا ونثبت فيه، يتحد بنا ونتحد به.

ولا توجد عملية تحقق متطلبات الحب الذي يشتهي أن يتفتت حتى يتخلل محبوبه بكامله ويتحد به، حتى يصير فيه، سوى عملية الأكل. لذلك أراد السيد المسيح أن يدخل فينا على صورة خبز وخمر. صار خبزًا مكسورًا وخمرًا ممزوجًا ليحقق شهوة بذله عنا. يدخل فينا حتى يمس عمق الكيان، كجسد يتحد بخلايا أجسادنا، ودم يسري حتى في أصغر عروقنا.

«قد دخلت جنتي يا أختي العروس، قطفت مُرّي مع طيبي، أكلت شهدي مع عسلي، شربت خمري مع لبني. كلوا أيها الأصحاب، اشربوا واسكروا أيها الأحباء» (نشيد الأناشيد 5: 1).

سر الافخارستيا: البذل إلى المنتهى

ومشاعر عطاء النفس بغية الاتحاد لا بد أن تلازمها مشاعر اتضاع رقيق وباذل. فلكي يتم اتحادي بمحبوبي، لا بد أن أذوب أنا، لا لأَذْرَب فيه، بل لتختفي ذاتي لتظهر فيه. وفعل الاتضاع هذا هو ما مارسه السيد المسيح قبل أن يدخل إلى أحشائنا، وهو واضع ذاته حتى الموت، عندما قام عن العشاء وابتدأ يغسل أرجل تلاميذه. إذ بيديه انحنى لينظف أوساخ أقدامنا، هاتين اليدين اللتين كان عارفًا أن الآب قد دفع كل شيء إليهما.

هذا هو فعل الإخلاء العجيب الملازم تمامًا لسر الأفخارستيا: «لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب» (فيلبي 2: 7-8).

هذا ما ينظره كل مؤمن على المذبح، عندما يرى الجسد الإلهي مكسورًا ومقسومًا، حتى يتخلل أحشاء البشر، مسلمًا نفسه بإرادته لكل من يطلب، الرجل الناضج والطفل الساذج. ولا نعود نبصره في الصينية، لكي يعيش في قلوب محبوبيه، كحبة الحنطة التي تموت لتأتي بثمر كثير.

نحن والحب الأفخارستي

والدخول إلى مجال الحب الإلهي هذا يتطلب قلبًا منفتحًا من جانب الإنسان نحو الله. فتتقدم النفس كعروس يخفق قلبها بذكرى لعريس، نظراتها إليه على المذبح وهو يكشف جنبه النازف ليظهر قلبه المتدفق حبًا، تذيب أشواقها تجاهه. منتظرة لحظات اللقاء اللذيذ عندما يلامس بجسده شفتيها، فتضمه بحب في أحشائها يملأها دفئًا. بل ويثير فيها مشاعر لا توصف بالكلام، تخرج بها من الكنيسة ملتهبة بنار حب لا تَسْكُن أبدًا، مستعدة أن تذبح هي أيضًا من أجله.

كما يتطلب منها مشاركة لمشاعر عريسها في حبه المتضع نحو الجميع. فقبولها لسر غسل الأرجل شرط لنصيبها منه. «قال له بطرس: لن تغسل رجليّ أبدًا. أجابه يسوع: إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب» (يوحنا 13: 8).

خاتمة: الكنيسة ملونة بالحب المذبوح

والطقس الكنسي يؤكد ذلك في لمحاته الجميلة التي تعبر عن روح الحب الذي يربط الجماعة معًا: القبلة المقدسة، العبارات المتبادلة بين الكاهن والشعب، الإغابي. كأن كل مؤمن يحس أن الخبز المكسور صار إرادته المتضعة للكل، وكأس الخمر المسكوب صارت إمكانياته الموزعة للجميع.

وهكذا، بعد التناول، لم تعد ذبيحة الحب على مائدة حجرية، بل في قلوب لحمية ذابت معًا بالجسد المقسم. «وعَرَّفْتهم اسمك، وسأعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم» (يوحنا 17: 26).

لقد صبغت الأفخارستيا الكنيسة كلها بالحب المذبوح. ولَفَّ حب السيد واتضاعه الجماعة كلها تلقائيًا بلا مقاومة، فصارت تعرف حبيبها وتجده أغلى ما في الوجود، بل هو سر وجودها وغايتها.

«ما حبيبك من حبيب أيتها الجميلة بين النساء؟ ما حبيبك من حبيب حتى تحلفينا هكذا؟ حبيبي أبيض وأحمر، معلم بين ربوة. عيناه كالحمام على مجارى المياه، مغسولتان باللبن. خداه كخميلة الطيب. شفتاه سوسن تقطران مرًا فائحًا… طلعته كلبنان، فتى كالأرز. حلقه حلاوة، وكله مشتهيات. هذا حبيبي وهذا خليلي يا بنات أورشليم» (نشيد الأناشيد 5: 9-16).

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى