روح الإنسان.. وروح الملاك..!
أولاً: طبيعة الملائكة – أرواح من نار ملتهبة
للملاك أيضاً روح، بل هو نفسه روح: يقول الكتاب المقدس عن الملائكة: «أَلَيْسُوا جَمِيعاً أَرْوَاحاً خَادِمَةً، تُرْسَلُ لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ؟» (عب 1: 14). ويصف الله في خلقه للملائكة بأنه «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ أَرْوَاحاً، وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ» (مز 104: 4؛ عب 1: 7). فالملائكة إذن أرواح من نار ملتهبة.
وقد زعم بعض الناس أن أرواح البشر وأرواح الملائكة شيء واحد. ولكن يبدو من الكتاب المقدس أن روح الملاك من نوع خاص، أسمى من روح الإنسان. فروح الملاك أشد حرارة، وأبهى لمعاناً وضياء، وأعظم قوة واقتداراً، وأسرع نشاطاً، من روح الإنسان.
ودليلنا على أن الملائكة أرواح من نار ملتهبة قول النبي في المزمور والذي ردده مار بولس في رسالته إلى العبرانيين: «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ أَرْوَاحاً وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ» (مز 104: 4؛ عب 1: 7). وقد ظهرت هذه الحقيقة في بعض مواقف خاصة. من ذلك وصف سفر التكوين للكروبيم أو الكروبين الذي أقيم على حراسة شجرة الحياة حتى لا يقترب منها الإنسان الذي سقط في الخطيئة، فطُرد من جنة الله، بأن بمعيته «لَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ» (تك 3: 24).
ووصف حزقيال النبي في رؤياه منظر الكروبيم وهم حملة العرش الإلهي، أنه رأى: «إِذَا بِرِيحٍ عَاصِفَةٍ جَاءَتْ مِنَ الشِّمَالِ، وَسَحَابَةٌ عَظِيمَةٌ وَنَارٌ مُتَوَاصِلَةٌ، وَلَهَا ضِيَاءٌ حَوْلَهَا، وَمِنْ وَسَطِهَا كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ اللاَّمِعِ مِنْ وَسَطِ النَّارِ. وَمِنْ وَسَطِهَا شِبْهُ أَرْبَعَةِ حَيَوَانَاتٍ. وَهَذَا مَنْظَرُهَا: لَهَا شِبْهُ الإِنْسَانِ… وَهِيَ تَبْرُقُ كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ الصَّقِيلِ… أَمَّا شِبْهُ الْحَيَوَانَاتِ فَمَنْظَرُهَا كَجَمْرَاتِ نَارٍ مُتَّقِدَةٍ، كَمَنْظَرِ مَصَابِيحَ، وَهِيَ سَالِكَةٌ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَلِلنَّارِ ضِيَاءٌ، وَمِنَ النَّارِ كَانَ يَخْرُجُ بَرْقٌ. وَالْحَيَوَانَاتُ تَنْطَلِقُ وَتَرْجِعُ كَمَنْظَرِ الْبَرْقِ… وَكَانَ عَلَى رُؤُوسِ الْحَيَوَانَاتِ شِبْهُ جَلَدٍ، كَمَنْظَرِ الْبِلَّوْرِ الْمُخِيفِ، مَبْسُوطاً عَلَى رُؤُوسِهَا مِنْ فَوْقُ… وَسَمِعْتُ صَوْتَ أَجْنِحَتِهَا كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، كَصَوْتِ الْقَدِيرِ، عِنْدَ سَيْرِهَا صَوْتُ جَلَبَةٍ، كَصَوْتِ جَيْشٍ. وَعِنْدَ وُقُوفِهَا كَانَتْ تُرْخِي أَجْنِحَتَهَا» (حز 1: 4-24). ويعود النبي حزقيال مرة أخرى فيكرر أنه رأى «النَّارَ الَّتِي بَيْنَ الْكَرُوبِيمِ» (حز 10: 7).
ثانياً: صور كتابية مؤكدة
ومما يؤكد نفس الحقيقة – أن الملائكة أرواح من نار ملتهبة – ما يرويه سفر الملوك الثاني وهو يصف المركبة الروحانية التي صعد بها إيليا النبي إلى السماء أمام تلميذه أليشع الذي صار نبياً بعده: «وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَحَادَثَانِ، إِذَا مَرْكَبَةٌ نَارِيَّةٌ وَخَيْلٌ نَارِيَّةٌ قَدْ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ نَحْوَ السَّمَاءِ. وَكَانَ أَلِيشَعُ يَنْظُرُ وَهُوَ يَصْرُخُ: يَا أَبِي، يَا أَبِي، يَا مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا!» (2 مل 2: 11-12).
وتتكرر ذات الصورة في موضع آخر عندما يصف الكتاب المقدس حماية الملائكة وحراستهم لأليشع النبي وهو يتعبد راهباً فوق الجبل. وكان ملك أرام أرسل جيشاً وخيلاً ومركبات للقبض على أليشع، فانزعج جيحزي تلميذ أليشع لمنظرهم. «فَقَالَ (أَلِيشَعُ لِتِلْمِيذِهِ): لاَ تَخَفْ، فَإِنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ. وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيْهِ لِيَرَى. فَكَشَفَ الرَّبُّ عَنْ عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَرَأَى، وَإِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلاً وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ» (2 مل 6: 16-17).
وهكذا يصف الوحي الملاك الذي بشَّر الرعاة وهم في ظلمة الليل بأنه عندما ظهر لهم أشرق حولهم نور: «وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفاً عَظِيماً» (لو 2: 9).
وكذلك يصف الإنجيل ملاك القيامة الذي دحرج الحجر عن باب القبر بعد قيامة المسيح ليعلن حقيقة القيامة: «وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. فَمِنْ رَوْعَتِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَالأَمْوَاتِ» (مت 28: 2-4). وبلغ من روعة المنظر وبهاء الملاك أن النسوة اللاتي ذهبن إلى القبر صرن خائفات، ونكسن وجوههن إلى الأرض (لو 24: 5) عندما كان الملاك يكلمهن قائلاً لهن: «لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟» (لو 24: 5).
ويقدم لنا مار يوحنا الرسول في سفر الرؤيا صورة البهاء التي ظهر بها له أحد الملائكة الأقوياء حتى «اسْتَنَارَتِ الأَرْضُ مِنْ بَهَائِهِ» (رؤ 18: 1).
ويقول مار بولس الرسول عن إبليس: «لاَ عَجَبَ! فَإِنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ هَيْئَتَهُ إِلَى هَيْئَةِ مَلاَكِ نُورٍ» (2 كو 11: 14). وهذا يؤكد مرة أخرى أن طبيعة الملاك من نور، وأن الشيطان نفسه كان ملاكاً خُلق من نور. ومع أنه صار مظلماً، لكنه يمكنه أن يظهر في هيئة ملاك نور ليخدع أتباعه السالكين في الظلمة (إش 9: 2؛ مت 4: 16).
ثالثاً: هل للملاك جسم؟
إذا كان للملاك روح، أو هو نفسه روح من نور براق، ومن نار ملتهبة، فهل للملاك جسم؟ يبدو فعلاً أن للملاك جسماً، لكنه أيضاً من طبيعة ممتازة، ومن مادة لطيفة – ليست على الأقل – من مادة أجسادنا الكثيفة.
فأجسادنا نحن من تراب الأرض، أما أجساد الملائكة فليست من تراب، وهي من نوع ما يسميه الكتاب المقدس بالأجساد السماوية. يقول مار بولس الرسول: «وَمِنَ الأَجْسَادِ: أَجْسَادٌ سَمَاوِيَّةٌ، وَأَجْسَادٌ أَرْضِيَّةٌ. وَلكِنَّ مَجْدَ السَّمَاوِيَّاتِ نَوْعٌ، وَمَجْدَ الأَرْضِيَّاتِ نَوْعٌ آخَرُ… مَا دَامَ يُوجَدُ جَسَدٌ حَيَوَانِيٌّ، فَإِنَّهُ يُوجَدُ جَسَدٌ رُوحَانِيٌّ أَيْضاً» (1 كو 15: 40-44).
ويقول فادينا وربنا يسوع المسيح وهو يشرح حقيقة القيامة العامة بالنسبة للبشر: «أَمَّا الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا الْفَوْزَ بِذلِكَ الدَّهْرِ وَبِالْقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، فَلاَ يَتَزَوَّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجْنَ، وَلاَ يَمُوتُونَ أَيْضاً؛ لأَنَّهُمْ يَكُونُونَ مَسَاوِينَ لِلْمَلاَئِكَةِ» (لو 20: 35-36). ولما كان للبشر في القيامة العامة أجساد روحانية، فلا بد إذن أن يكون للملائكة أجساد روحانية.
وإذا كان الهواء جسماً ومع ذلك لا نراه بعيوننا التي لنا الآن، فللملائكة أيضاً أجساد لكنها سماوية روحانية، غير مرئية الآن للمرئيين. ولكي يكون الملاك مرئياً، لا بد له من أن يستعير هيئة من مادة كثيفة يصير بها للناس منظوراً. كما ظهرت الملائكة لزكريا الكاهن، وللسيدة العذراء، وللمريمات في يوم أحد القيامة، ولكورنيليوس، وليوحنا الرائي. وفي العهد القديم ظهرت الملائكة بهذه الأجساد المستعارة لإبراهيم ولوط ويعقوب، ويشوع بن نون، وجدعون، وأم شمشون الجبار وغيرهم. هذه الأجساد المستعارة يُكوِّنها الملاك بصورة مؤقتة ربما من الأثير أو من مادة أخرى، ثم يُحلها بعد أن يتمم رسالته المنظورة، فتعود إلى أصلها، ويعود الملاك إلى طبيعته الحقيقية بجسده الروحاني غير المنظور من المرئيين.
رابعاً: دليل طبيعة الجسد الحقيقي للملاك
ودليلك على طبيعة الجسد الحقيقي للملاك ما ظهر من تصرف الملاك الذي ظهر لـ منوح وامرأته والدي شمشون. يقول الوحي المقدس: «فَأَخَذَ مَنُوحُ جَدْيَ الْمَعْزِ وَالتَّقْدِمَةَ وَأَصْعَدَهُمَا لِلرَّبِّ عَلَى الصَّخْرَةِ، فَعَمِلَ الْمَلاكُ عَمَلاً عَجِيباً وَمَنُوحُ وَامْرَأَتُهُ يَنْظُرَانِ. فَكَانَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ اللَّهِيبِ عَنِ الْمَذْبَحِ نَحْوَ السَّمَاءِ أَنَّ مَلاكَ الرَّبِّ صَعِدَ فِي لَهِيبِ الْمَذْبَحِ، وَمَنُوحُ وَامْرَأَتُهُ يَنْظُرَانِ، فَخَرَّا عَلَى وَجْهَيْهِمَا إِلَى الأَرْضِ» (قض 13: 19-20). فلو كان للملاك جسد كثيف كأجسادنا لاحترق في اللهيب.
ودليلنا على هذه الحقيقة أيضاً أن نفس هذا الملاك الذي ظهر لوالدي شمشون، عرض عليه منوح قبل ذلك بقليل أن يأكل من الطعام الذي يعده له. «فَقَالَ مَنُوحُ لِمَلاَكِ الرَّبِّ: دَعْنَا نَعُوقُكَ وَنَعْمَلُ قُدَّامَكَ جَدْيَ مَعْزٍ. فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ: وَلَوْ عُقْتَنِي لاَ آكُلُ مِنْ خُبْزِكَ. وَإِنْ صَنَعْتَ مُحْرَقَةً فَلِلرَّبِّ أَصْعِدْهَا. لأَنَّ مَنُوحَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَلاَكُ الرَّبِّ» (قض 13: 15-16). وهذا دليل كتابي واضح على أن الملائكة تصعد القرابين والتقدمات والصلوات التي يقدمها الناس إلى السماء، ويؤيد ما قاله الملاك رافائيل لطوبيا: «إِنَّكَ حِينَ كُنْتَ تُصَلِّي بِدُمُوعٍ… كُنْتُ أَنَا أَرْفَعُ صَلاَتَكَ إِلَى الرَّبِّ» (طوبيا 12: 12).
وحدث مثل ذلك عندما ظهر ملاك الرب لـ جدعون في صورة رجل وأبلغه برسالة الرب إليه أن يكون زعيماً وقاضياً لشعبه. قال جدعون للملاك: «لاَ تَبْرَحْ مِنْ ههُنَا حَتَّى آتِيَكَ وَأُخْرِجَ تَقْدِمَتِي وَأَضَعَهَا أَمَامَكَ». فَدَخَلَ جِدْعُونُ وَأَصْلَحَ جَدْياً مِنَ الْمَعْزَى وَإِيفَةَ دَقِيقٍ فَطِيراً، وَجَعَلَ اللَّحْمَ فِي سَلٍّ، وَالْمَرَقَ فِي قِدْرٍ، وَخَرَجَ بِذلِكَ إِلَيْهِ تَحْتَ الْبُطْمَةِ وَقَدَّمَهُ. فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ اللهِ: «خُذِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ وَضَعْهُمَا عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ، وَصُبَّ الْمَرَقَ». فَفَعَلَ. فَمَدَّ مَلاَكُ الرَّبِّ طَرَفَ الْعَصَا الَّتِي بِيَدِهِ وَمَسَّ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ، فَصَعِدَتْ نَارٌ مِنَ الصَّخْرَةِ وَأَكَلَتِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ، وَغَابَ مَلاَكُ الرَّبِّ عَنْ عَيْنَيْهِ. فَعَلِمَ جِدْعُونُ أَنَّهُ مَلاَكُ الرَّبِّ» (قض 6: 18-22).
فالملائكة إذن لا تأكل من طعامنا؛ لأنها ليست لها أجساد هيولية مادية كأجسادنا. وحتى لو أكلت كما فعلت الملائكة مع إبراهيم الخليل (تك 18: 8؛ 19: 3)، فإنها في الحقيقة لا تأكل، ولكن تظهر كما لو كانت تأكل؛ لأن الجسد الذي تظهر به للناس جسد مستعار، يُكوِّنه الملاك تكويناً سريعاً ثم يُحلّه بعد قليل. ولذلك فالملاك الذي ظهر لمنوح وامرأته صعد في لهيب النار المرتفع على المذبح نحو السماء. وأما الملاك الذي ظهر لجدعون فاختفى في الحال بعد أن مس بطرف عصاه تقدمة جدعون، فصعدت النار من الصخرة وأكلت التقدمة، وغاب الملاك عن عيني جدعون فلم يستطع أن يراه. وبذلك أدرك أنه ملاك الرب، لما تحقق له أن الجسد الذي ظهر به جسد مؤقت يظهر ثم يغيب عن عيون البشر.
خامساً: درجات الملائكة ومكانتهم
ومع أن الملائكة أرواح، ليست على درجة واحدة من البهاء والضياء والقوة والتوهج والجلال، بل هي على درجات متفاوتة للقيام بأعمال واختصاصات مختلفة:
فمنها: «الْقُوَّاتُ» و «الْمَلاَئِكَةُ» و «رُؤَسَاءُ الْمَلاَئِكَةِ» (رو 8: 38؛ 1 تس 4: 16؛ 1 بط 3: 22؛ عب 1: 6؛ 1 مل 22: 19).
ومنها: «الرِّيَاسَاتُ» و «السِّيَادَاتُ» (أو الربوبيات) و «السَّلاَطِينُ» (كو 1: 16؛ رو 8: 38؛ 1 بط 3: 22).
ومنها: «الْعُرُوشُ» (أو الكراسي) و «الْكَرُوبِيمُ» (أو الشاروبيم) و «السَّرَافِيمُ» (كو 1: 16؛ تك 3: 24؛ حز 1: 5-14، 10: 1-20؛ إش 6: 2-6؛ رؤ 4: 4-10، 7: 11، 4: 19).
مثلها في ذلك مثل نجوم السماء في اختلاف لمعانها، أو اللمبات الكهربائية في اختلاف قوة إضاءتها. إلا أن أقل طغمة من طغمات الملائكة في بهائها أعظم من بهاء الروح الإنسانية. وقد ذكر سفر الرؤيا أن بهاء ملاك واحد كان كافياً لأن يُنير الأرض كلها (رؤ 18: 1).
وأما قوتها فأعظم من قوة أرواح البشر. فقد قتل ملاك واحد، وفي ليلة واحدة، مائة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل من جيش سنحاريب ملك أشور (2 مل 19: 35؛ 2 أي 32: 21). وكذلك فعل ملاك واحد في نصف الليل: «ضَرَبَ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى عَرْشِهِ إِلَى بِكْرِ الأَسِيرِ الَّذِي فِي السِّجْنِ، وَكُلَّ بِكْرِ الْبَهَائِمِ. فَقَامَ فِرْعَوْنُ لَيْلاً هُوَ وَجَمِيعُ عَبِيدِهِ وَسَائِرُ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي مِصْرَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْتٌ إِلاَّ وَفِيهِ مَيْتٌ» (خر 12: 29-30). ولهذا شهد صاحب المزامير باقتدار الملائكة وقوتهم الفائقة، فقال: «بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْعَامِلِينَ بِكَلِمَتِهِ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ» (مز 103: 20).
ولابد أن يكون روح الملاك أكثر معرفة وعلماً من روح الإنسان؛ لأنه إذا كانت روح الملاك أكثر بهاءً ولمعاناً، فهي بالتالي أكثر صفاءً، وأقدر نفاذاً إلى طبيعة الأشياء في ذاتها. ولا يعوق معرفتها اضطراب أو ظلمة أو مرض أو ضعف أو انفعال من أي نوع، كما يحدث لروح الإنسان بسبب ارتباطها بالجسم الترابي الكثيف. ثم أن قرب الملائكة من الحضرة السمائية يتيح لها معرفة التدابير الإلهية التي تخفى على البشر. فضلاً عن أن صحو الملائكة الدائم ويقظتها المتصلة، ثم انتقالها السريع والمستمر بين السماوات والأرض وما بينها من عوالم، كل هذا من شأنه أن يجعل علم الملائكة أعظم من علم الإنسان، ومعرفتها أوسع وأشمل وأسلم وأدق من معرفة الإنسان.
غير أن روح الملاك حُرَّة كروح الإنسان، فهي لا تفعل الصلاح مقهورة أو مجبرة أو مسيّرة، ولكنها تفعله بمحض إرادتها الخيرة، مختارة غير ملزمة. والدليل على ذلك أن بين الملائكة أخياراً وأشراراً، وصالحين وطالحين.
أما الأخيار والصالحون، فهم الذين ثبتوا على محبة الله وطاعته، ويعملون بكلمته عند سماع صوت كلامه (مز 103: 20)، يتعبدون لله، ويخضعون لعظمته، ويتممون مشيئته في السماوات وعلى الأرض، ويرشدون البشر إلى الحق والبر والخير.
وأما الأشرار الطالحون، فهم الذين سقطوا بكبريائهم وحماقتهم (أي 4: 18)، وتعدوا على حدود اختصاصاتهم. «وَحَدَثَتْ حَرْبٌ فِي السَّمَاءِ: مِيخَائِيلُ وَمَلاَئِكَتُهُ حَارَبُوا التِّنِّينَ، وَحَارَبَ التِّنِّينُ وَمَلاَئِكَتُهُ، فَلَمْ يَقْوُوا، وَلاَ وُجِدَ لَهُمْ مَوْضِعٌ بَعْدُ فِي السَّمَاءِ. فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ، الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْمَسْكُونَةَ كُلَّهَا، طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، وَطُرِحَتْ مَلاَئِكَتُهُ مَعَهُ» (رؤ 12: 7-9). وقال مخلصنا: «إِنِّي رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطاً مِنَ السَّمَاءِ كَالْبَرْقِ» (لو 10: 18).
ولما كان الملائكة أحراراً، فهم كالبشر يُكافأون أو يُعاقبون:
أما مكافأة الأخيار منهم، فبالتَّمتُّع الدائم إلى الأبد بحضرة رب الجنود، والاستمتاع بالسعادة الكاملة التي لا يُعبر عنها ولا يحدها كيف أو كم أو زمان.
وأما الملائكة الأشرار – وهم الشياطين – فيُدانون بالعذاب الأبدي في جهنم النار الأبدية. فقال مخلصنا عن هذه النار الأبدية بأنها «مُعَدَّةٌ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ» (مت 25: 41) وللأشرار من بني الناس. وقال مار بطرس الرسول: «إِنَّ اللهَ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ أَخْطَأُوا، بَلْ أَهْبَطَهُمْ بِسَلاَسِلِ الظُّلْمَةِ إِلَى أَسْفَلِ الْجَحِيمِ، وَأَسْلَمَهُمْ لِيُحْفَظُوا لِلدَّيْنُونَةِ مُعَذَّبِينَ» (2 بط 2: 4). ويقول مار يهوذا الرسول: «وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ، حَفِظَهُمْ لِدَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ فِي قُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظُّلْمَةِ» (يه 6).