معنى اختيار الله لشعبه في العهد القديم ومبدأ الرفض

 

نقطة الانطلاق لفهم هذا الموضوع من كل جوانبه، ولفهم طبيعة الاختيار الذي اختار به الله إبراهيم ونسله، تظهر لنا ليس في التسلسل الطبيعي من إبراهيم… ذلك أن هناك حقيقة أخرى معاكسة لهذا التسلسل الطبيعي من إبراهيم هي: «الرفض».

المثل الأول: اختيار إسحاق ورفض إسماعيل

فمنذ البداية كان الله نفسه يصنع تفرقة بين أبناء إبراهيم. فهو – تبارك اسمه وتعالى – لم يكن يعترف أو يعتبر أن كل نسل إبراهيم هم أبناء لإبراهيم الذين فيهم سيُبارك كل الأمم. ففي أول معاملة مع نسل إبراهيم، يستبعد الله إسماعيل من هذا النسل ويختار إسحاق. ويوضح القديس بولس هذه الحقيقة باعتبارها مقياس عمل الله في التفريق بين أبناء إبراهيم بحسب الجسد بقوله: «… ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جميعًا أولاد… أي ليس أولاد الجسد هم أولاد الله بل أولاد الموعد يُحسبون نسلًا» (رو 9: 7، 8). وهذا ينطبق طبعًا على التدبير الإلهي لخلاص العالم في المسيح.

إن الموضوع الذي يثيره القديس بولس هو الطريقة التي ولد بها كل من إسماعيل وإسحاق: فإسماعيل كان «ابن الجسد»، أي أنه ولد وصار ابنًا لإبراهيم بالطريقة الطبيعية. أما إسحاق فهو «ابن الموعد»، ذلك لأنه ولد بطريقة مغايرة للتناسل الطبيعي، لأن إبراهيم وسارة كانا في سن يعجزان فيه عن التناسل. لذلك فقد اعتُبر إسحاق أنه ابن وعد الله لإبراهيم، وليس ابن التناسل الطبيعي لأنه أتى تحقيقًا لوعد الله لإبراهيم. وبهاتين الكلمتين «ابن الموعد» أظهر القديس بولس مصدر مجيء إسحاق: إنه «الوعد». فهو ليس فقط حاملاً لوعد الله، بل هو بالحري ثمرة هذا الوعد: «لأن كلمة الموعد هي هذه: أنا آتي نحو هذا الوقت ويكون لسارة ابن» (رو 9: 9).

ونفس هذا الشرح نجده في رسالة غلاطية 4: 28، حيث يتكلم الرسول بولس عن إسحاق وعن المؤمنين بأنهم «أولاد الموعد»، أي الذين هم أولاد وأبناء قوة الوعد، وليس أولاد وأبناء التناسل الطبيعي الجسدي «حسب الجسد». وعلى هذا، فالتعبير «حسب الروح» أصبح هو المرادف للتعبير «أبناء الموعد» (غلاطية 4: 29). فالذي «وُلِد حسب الجسد» صار مقابلاً للذي «وُلِد حسب الروح».

إذن، فالتفريق الذي مارسه الله منذ البدء في اختيار وتكوين شعب الله أصبح واضحًا أنه قائم على أساس رفض. ففي ولادة واختيار إسحاق ورفض إسماعيل أوضح دليل على أن أساس اختيار إسرائيل ليس قائمًا بأي حال على أي تسلسل جسدي، لا في قوة التناسل الجسدي ولا في التسلسل الطبيعي من إبراهيم، بل في عمل الله الخاص في تزكية وعده، وبقوة روحه القدوس. وهذا المبدأ هو الذي تمخض في النهاية إلى فتح باب الخلاص الأبدي لجميع الشعوب والأجناس بالإيمان بالمسيح.


المثل الثاني: اختيار يعقوب ورفض عيسو

ثم يشير القديس بولس إلى نفس المبدأ في ولادة يعقوب وعيسو، حيث تم اختيار «يعقوب» ورفض «عيسو»، مع أن الولادة في كلتا الحالتين واحدة، فهما مولودان من بطن واحدة. ولكن الله يتدخل باختياره لا الابن الأكبر عيسو (المرشح الطبيعي لحمل وعد الله) بل الأصغر يعقوب، عكسًا لكل عادة وتقليد وعرف، ليكون هو استمرارًا لتسلسل نسب شعب الله.

ليس هنا أي مجافاة للعدل من جانب الله – كما قد يظن بعض الذين يفحصون الأمور بمعزل عن استعلان مشيئة الله – بل إن الله – جل اسمه وتعالى – يعمل وفقًا لنفس الدافع وبنفس النمط الذي عمل به مع إسماعيل وإسحاق. وهذا الدافع يسميه القديس بولس هكذا: «قصد الله»: «لكي يثبت قصد الله في الاختيار، ليس من الأعمال بل من الذي يدعو» (رو 9: 11). وهو يقصد من الجملة الأخيرة أن اختيار يعقوب لكي يواصل تسلسل ذرية إبراهيم وليس عيسو البكر، لم يكن بسبب تفوق يعقوب على عيسو من جهة عمل الخير، ولا بسبب تخلف عيسو وعمله الشر، لأنهما لم يولدا بعد، ولم يصنعا خيرًا ولا شرًا بعد. بل اختار الله يعقوب دون عيسو وأعلن ذلك لرفقة (تكوين 25: 23). وبتغليب اختيار يعقوب على عيسو، تجدد الإعلان عن «قصد الله حسب الاختيار»، كما يدعوه القديس بولس، وتكوين الله لشعبه: أن يسود «قصد الله» على مشيئات وأفعال الناس الطبيعية. كل هذا لكي يمهد الله للحقيقة التي ستعلن فيما بعد: أن الله سيهب الخلاص لجميع العالم.

ومن الأهمية بمكان أن نعرف معنى هذه الجملة: «قصد الله حسب الاختيار». فكلمة «الاختيار» هنا مستخدمة لتصف الطريقة التي بها اختير إسرائيل ليكون شعب الله، ذلك أن الله هو الذي دعاه لنفسه من وسط كل الشعوب. وأن اختيار الله لإسرائيل دون كل الشعوب قد تم ليس بناءً على أي امتياز أو تفوق عنصري على باقي الشعوب، بل بناءً على مسرة الله الصالحة فحسب. وإذا قرأنا سفر التثنية 7: 6 وما بعده، سنجد أن فكرة «الاختيار» هنا تعلن عن سلطان الله وسيادة دعوة الله على أي ادعاء أو افتخار بشري. وحتى بعد الإيمان بالمسيح، فإن الافتخار لن يكون افتخارًا بأعمالنا الصالحة، بل باختيار الله لنا للخلاص الأبدي.


حرية الله في الاختيار والرفض

إن الرسول بولس يظهر بعد ذلك في العدد 14 وما يليه من الأصحاح 9 من رسالة رومية حرية النعمة الإلهية وسيادتها وعدل هذه الحرية الإلهية. فإن الله – عز وجل اسمه – حر أن يرحم من يشاء، ومن الجهة الأخرى فهو حر أيضًا أن تتجاوز رحمته البعض الآخر. إلى حد أن يستخدم الكتاب المقدس كلمة «يقسّي الرب قلب فرعون»، أي يتركهم لقساوة قلوبهم، ولكنه يستخدم هذه القساوة أيضًا في تنفيذ مقاصده. ولكن القديس بولس ليس منساقًا هنا – وهو يتحدث عن حرية الله في الاختيار – بأي مفهوم مجرد عن الحرية الإلهية، بل هو يتحدث عن حرية نعمة الله في الاختيار كما ظهرت في تاريخ إسرائيل.

إن القديس بولس يلاحظ اتجاهًا واضحًا في التحرك الإلهي: كان الله قد «رحم من يشاء وغضب على من يشاء». فالقديس بولس يترجم هذه الملاحظة بما يلي: «ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم». وهذا يعني أن حرية التأييد الإلهي في اختيار شعب إسرائيل قديمًا لم تكن قائمة على جهد البشر أو قوتهم أو فخرهم، بل على قصد النعمة. إلى درجة أن الله استطاع أن يستخدم قساوة قلب الآخرين (كما في حالة فرعون) ليكمل مقاصد نعمته ويستعلن مجد اسمه، كما أرادها هو من قبل، خلافًا لما كان متوقعًا من مجريات الأمور حينما منع فرعون شعب إسرائيل من الخروج من أرض مصر…

ويستخدم القديس بولس مثل «الفخاري» (صانع الأوعية الفخارية)، هذا المثل الذي شاع استخدامه في العهد القديم، لكي يلقي الضوء على قصد هذه القوة الإلهية في السيادة على الجبلة التي خلقتها يداه. فإن كان للفخاري السلطان في أن يعطي الأشياء التي صنعها من الطين الشكل الأخير الذي أراده لها كفخاري، ألا يكون الله حرًا أيضًا في أن يظهر قوة عمله وغنى مجده من خلال قساوة قلب فرعون، كما من خلال طاعة بني إسرائيل؟ أي أن قوة الله ونعمته في الاختيار تتفوق على مساعي البشر سواء كانت خيرًا أم شرًا، دون أن يكون ذلك بالطبع منعكسًا على دينونة الله النهائية للأبرار حيث سيتمتعون بالنعيم الأبدي، وللأشرار حيث سينالون العذاب الأبدي، كما هو مكتوب.

إن كل ما يعمله الله في التاريخ من أجل خلاص البشر قد سبق أن أعده مسبقًا منذ الأزل. ولذلك، فرحمته لا يحركها قوة الإنسان كما لا يمنعها قساوة الإنسان. بل بالحري هي مشيئته كإله ضابط للكل (كل إنسان وكل شيء). فإن كل شيء يؤدى في النهاية إلى تحقيق مقاصد نعمة الله، ليس بفضل إنسان، بل وبالرغم مما قد يبدو أمام ناظرينا أن قساوة قلب الإنسان ومعاندته لمشيئة الله قد تمنع تحقيق المقاصد الإلهية في زمن من الأزمنة. وفي النهاية أدى تدبير الله هذا إلى انفتاح الخلاص أمام العالم أجمع، دون أن يكون قاصرًا على جنس معين، كما تهيأ لليهود قديمًا.

كل هذا يعرضه القديس بولس، لا كعقائد مجردة ولا كفلسفة لاهوتية مطلقة، بل لكي يرد على اليهود الذين يحتجون على اختيار الله لشعبه الجديد، الكنيسة الجديدة، والتي جمعها لا من نسل إبراهيم بحسب الجسد فقط، بل ومن الأمم أيضًا، الذين كانوا معتبرين غرباء عن العهد وعن الجسد (نسل إبراهيم) وعن المواعيد.


توضيح هام: حدود مبدأ الاختيار والرفض في العهد القديم

ينبغي أن يُفهم جيدًا من هذا التدبير الخاص بالاختيار والرفض، أنه يختص بخطة الله الأزلية التي رسمها هو بذاته لخلاص العالم أجمع. وقد ظهرت في بدايتها أنها تقوم على اختيار البعض ورفض البعض الآخر (مثل اختيار إبراهيم دون كل الأمم، ثم اختيار إسحاق دون إسماعيل، ثم اختيار يعقوب دون عيسو). فهذا الاختيار والرفض لا يسري على الدينونة الأبدية لهؤلاء، ولكنه اختيار ورفض في مجال التسلسل الجسدي الذي سيأتي منه في النهاية المسيح له المجد.

وحينما أتى المسيح من هذا التسلسل الذي قام في القديم على اختيار ورفض، فإن قانون الخلاص قد أصبح قائمًا على الاختيار فقط، حيث أصبح باب الخلاص الأبدي مفتوحًا للجميع، أي لكل الأجناس والأمم والألسنة والشعوب، دون أن يكون قاصرًا على جنس معين أو على نسب جسدي معين.

فقانون الخلاص هو في العهد الجديد: أن الله يريد أن «الجميع» يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، وأننا قد أصبحنا جميعًا – نحن الذين أصبحنا نتبع النسب الروحي للمسيح بالإيمان – أصبحنا «مختارين» في المسيح دون استثناء.

وقد أخطأ أتباع المذهب الكالفيني البروتستانتي (نسبة إلى يوحنا كالفن المحتج البروتستانتي الفرنسي الذي عاش وأنشأ مذهبه بين عام 1509 و 1564، ويتبع آراءه معظم الكنائس البروتستانتية ما عدا اللوثريين والإنجليكان) حينما قالوا بعقيدة الجبر والاختيار، التي تدعي بأن الله يختار الآن أناسًا دون أناس لتعيينهم للخلاص الأبدي مهما كانت أعمالهم شريرة. أخطأوا في تطبيق الآيات المختصة بالاختيار والرفض في تدبير الله الأزلي لخلاص العالم. لكن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية تؤمن بأن اختيار الله الآن هو للجميع في المسيح، وأن الدينونة الأبدية للمؤمنين بالمسيح ستكون على أساس ما صنع كل واحد منهم من أعمال، إن خيرًا أو شرًا. 

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى