العطاء في جوهره وفي مظهره
« يَا ابْنِي، أَعْطِنِي قَلْبَكَ » (أمثال ٢٣: ٢٦)
« الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ » (٢ كورنثوس ٩: ٧)
العطاء هو أحد ركائز العبادة الكاملة، فهو مع الصلاة والصوم يشكل مثلث العبادة. وهذا ما أوضحه لنا الرب في الإصحاح السادس من الإنجيل المقدس بحسب ما كتب معلمنا متى البشير؛ لدرجة أن الرب ذكر الصدقة (العطاء) قبل الصلاة والصوم. فإذا كنا بالصلاة نعبد الله بأرواحنا، وبالصوم نعبد الله بأجسادنا، فبالعطاء نعبد الله بقلوبنا.
وحينما نتحدث عن العطاء، قد يتبادر للذهن لأول وهلة الأمور المادية. والحقيقة أن هذا ليس هو الهدف الأساسي من مفهوم العطاء كتابيًّا. فالعطاء في الكتاب المقدس، وكما قصده الرب، جوهر قبل أن يكون مظهرًا. فإذا كان العطاء في مظهره هو التخلي عن الماديات وتقديمها للرب يسوع المسيح في شخص إخوته المحتاجين، فإن العطاء الحقيقي في جوهره هو تقديم القلب أولًا للمسيح؛ أي تقديم الداخل، وهو أسمى أنواع العطاء. ولذلك لا قيمة للعطاء في مظهره إذا أُخلي من جوهره. وهذا ما دفع الرب أن يمتدح المرأة التي دفعت الفلسين، لأن جوهر العطاء كان يسبق مظهر العطاء (راجع مرقس ١٢).
ونتناول في هذا الموضوع نقطتين هما: العطاء في جوهره، والعطاء في مظهره.
أولًا – العطاء في جوهره
أول شيء في موضوع العطاء هو تقديم القلب للمسيح الذي قال: « يَا ابْنِي، أَعْطِنِي قَلْبَكَ » (أمثال ٢٣: ٢٦). والمؤمن إذا سلَّم قلبه للرب وأحب الرب من كل قلبه (متى ٢٢: ٣٧)، كان موضوع العطاء في مظهره أمرًا سهلًا.
مهما أعطيت من أموال، ومهما قدَّمت من مواقف إنسانية، وأن سلَّمت جسدك حتى يحترق من أجل الآخرين، دون أن تعطي القلب للمسيح، فلن تنتفع شيئًا، ولن يُسمى ذلك عطاء في نظر الرب؛ لأنه قد يكون الدافع وراء ذلك السعي وراء المديح أو الشهرة أو الخوف أو المجاملة. وبالتالي، فلن يكون لك أجر في السماء، وكما يقول الكتاب: « فَقَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ » (أي على الأرض) (متى ٦: ٢، ٥، ١٦).
تقديم القلب: دليل الحب وتفريغ الذات
تقديم القلب للمسيح دليل الحب الداخلي؛ لأنه يحمل تفريغًا داخليًّا من محبة العالم، وامتلاءً بمحبة ربنا يسوع المسيح. وهو نتيجة عملية لمحبة المسيح لنا على الصليب. فالآب، حينما أحبنا، أعطانا ابنه الوحيد وبذله فداءً عنا. وإذا كان المسيح قد أعطانا حياته على الصليب، فمازال الرب في عطاء مستمر لنا، يعطينا جسده ودمه الأقدسين كل يوم.
المسيح: النموذج الأسمى للعطاء الجوهري
لا يمكن أن نفهم العطاء الحقيقي إلا من خلال الرب يسوع. بهذا نستطيع أن نعطي من خلال المسيح، ومن خلال دائرة الحب، وليس من خارجها، سواء أعطينا مالًا أو كلمة نافعة أو موقفًا إنسانيًّا.
حياة الرب يسوع تعلمنا العطاء الحقيقي؛ إذ كان يجول يصنع ليس فقط للذين أحبوه خيرًا ويشفي كل مرض في الشعب، ولكن أيضًا للذين رفضوه:
السامرة التي رفضته، لم يبخل عليها؛ بل عن طريق المرأة السامرية التي لم تعطه ماءً ليشرب، أعطاها هو ماء الحياة مجانًا. وكان ثمر هذا العطاء إيمان السامرة كلها (يوحنا ٤).
الذين صلبوه وتنكروا له، أعطاهم الغفران: « يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ » (لوقا ٢٣: ٣٤).
زكا الذي كانت حياته سلبًا مستمرًا، وليس فيها عطاء حقيقي، حينما تقابل مع الرب وأعطى قلبه وحياته للمسيح، صارت حياته عطاءً مستمرًا؛ حتى أنه أعطى معظم أمواله للفقراء والمحتاجين وللذين وشى بهم (قارن هذا بموقف الشاب الغني في متى ١٩).
المرأة الخاطئة: كانت حياتها كلها عطاءً لمملكة إبليس، ولما تقابلت مع المسيح المعطي الحقيقي، سلَّمت قلبها في الحال (أي سلكت جوهر العطاء)، وعبرت عن ذلك بقارورة الطيب. في الوقت الذي تمسك سمعان الفريسي بالعطاء في مظهره في شكل دعوة إلى وليمة، بينما هو في الحقيقة أبعد ما يكون عن العطاء في جوهره.
العطاء الحقيقي: القلب والنفوس
العطاء الحقيقي ليس فقط أن نعطي القلب للمسيح، بل وأن نأتي بنفوس للمسيح. كثيرًا ما نرى أنه مع حلول الأصوام نتسابق في العطاء المادي للفقراء والمساكين قبل أن نعطيهم المسيح في الداخل. فليتنا نفعل هذه ولا نترك تلك.
ففي سفر الأعمال والإصحاح الثالث، كان الرجل الأعرج عند باب الهيكل الجميل يستعطي مالًا. لكن الرسولين بطرس ويوحنا رأيا أنه محتاج لنوع آخر من العطاء، لذلك قالا له: « بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ ». فمشى وأخذ يطفر ويسبح الله (أعمال ٣: ٨). إن معظم المحتاجين الذين نراهم على أبواب الكنائس، ليسوا في حاجة إلى إعطاء مادي بقدر احتياجهم للعطاء الروحي. محتاج أن يتعرف أولًا على المسيح فيتجدد من الداخل، ثم العطاء المادي ثانيًا لسد احتياج الجسد.
ولن أبالغ إن قلت إن معظم الأغنياء أيضًا وميسوري الحال، في أشد الحاجة للعطاء الروحي والتعرف على شخص المسيح. إنهم وإن كانوا ليسوا في احتياج مادي، فهم في احتياج روحي؛ لكي لا يستكبروا، ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى، بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتع (١ تيموثاوس ٦: ١٧-١٨).
أيها القارئ العزيز، ليتك تعطي قلبك للمسيح خلال الصوم قبل أن تعطي أموالك ومادياتك. فالرب يهمه العطاء في جوهره قبل أن يكون في مظهره… ها هو مازال يناديك: « يَا ابْنِي، أَعْطِنِي قَلْبَكَ ».
ثانيًا – العطاء في مظهره
هو التخلي عن الماديات وتقديمها للرب يسوع المسيح في شخص إخوته المحتاجين، كما أوصانا الكتاب المقدس: « أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ بَيْتَكَ. إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ » (إشعياء ٥٨: ٧-٩).
عزيزي القارئ، لا تتعلل بأننا نعيش أيامًا صعبة، وأننا نرزح تحت كاهل الإرهاق المادي الذي ينوء بوطأته متوسطو الدخل. لكن لتثق أن بركة الرب تغني ولا يزيد معها تعبًا (أمثال ١٠: ٢٢). فإذا أسلمت حياتك للمسيح، فلن تفكر أبدًا أن العطاء في مظهره خاص بالأغنياء دون سواهم. فالرسول بولس يقول لنا: « فَحَسْبَمَا لَنَا فُرْصَةٌ، فَلْنَعْمَلِ الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ » (غلاطية ٦: ١٠). ويشهد لبسطاء مكدونية قائلًا: « ثُمَّ نُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ نِعْمَةَ اللهِ الْمُعْطَاةَ فِي كَنَائِسِ مَكْدُونِيَّةَ: أَنَّهُ فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ فَاضَ وَفُورُ فَرَحِهِمْ، وَفَقْرِهِمُ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ. لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ » (٢ كورنثوس ٨: ١-٣).
الكنيسة الأولى عاشت وصية العطاء في جوهره وفي مظهره. فالمؤمنون سلَّموا حياتهم الداخلية للرب، فيشهد الكتاب لهم: « وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ. إِذْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا بَيْنَهُمْ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ. فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ » (أعمال ٤: ٣٣-٣٥).
شروط العطاء المقبول لدى الله
وتحدثنا كلمة الله الحية أن العطاء في مظهره، لكي يكون مقبولًا لدى الله، يجب أن يقدَّم:
بفرح وسرور: لأن « الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ » (٢ كورنثوس ٩: ٧).
بسخاء: « الْمُعْطِي بِسَخَاءٍ » (رومية ١٢: ٨). فمن يزرع بالشح فبالشح أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد (٢ كورنثوس ٩: ٦).
في الخفاء: « مَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً » (متى ٦: ٣-٤).
باختيار: ليس عن حزن أو اضطرار (٢ كورنثوس ٩: ٧).
من ربح حلال: يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: «العطاء يكون من ربح حلال وأتعاب حقيقية، خالٍ من الطمع والاغتصاب والعنف».
بالمحبة: لأنه « إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ، يُحْتَقَرُ احْتِقَارًا » (نشيد الأنشاد ٨: ٧). و« وَإِنْ أَطْعَمْتُ أَمْوَالِي… وَلَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا » (١ كورنثوس ١٣: ٣).
دون إهانة: لأنك تقدمها للمسيح شخصيًّا. لذلك يقول معلمنا يعقوب لمن يهينون الفقير بعد إعطائه الصدقة: « أَمَّا أَنْتُمْ فَأَهَنْتُمُ الْفَقِيرَ » (يعقوب ٢: ٦).
بركات العطاء
(أ) بركات أرضية:
النجاة من الشرور والأمراض: « طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمِسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ وَيُغَبِّطُهُ فِي الأَرْضِ، وَلاَ يُسَلِّمُهُ إِلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِ. الرَّبُّ يَعِينُهُ عَلَى سَرِيرِ وَجَعِهِ » (مزمور ٤١: ١-٣).
الزيادة والوفرة: فكوار الدقيق لا يفرغ، وكوز الزيت لا ينقص (١ ملوك ١٧: ١٤).
النجاة من الخطية والموت: لأن « الصَّدَقَاتِ تُنْجِي مِنَ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ » (طوبيت ٤: ٧-١١). والصدقة تُخمد الذنوب (سيراخ ٣: ٣٠).
عدم الاحتياج: قال الحكيم: « مَنْ يُعْطِي الْفَقِيرَ لاَ يُحْتَاجُ » (أمثال ٢٨: ٢٧). ويقول المرنم داود: « كُنْتُ فَتًى وَالآنَ شِخْتُ وَلَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عَنْهُ وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزًا » (مزمور ٣٧: ٢٥).
بركة الغنى المادي: قال الحكيم: « أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ، وَمِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ، فَتَمْتَلِئَ خَزَائِنُكَ شِبَعًا، وَتَفِيضَ مَعَاصِرُكَ مُسْتَطِرًا » (أمثال ٣: ٩-١٠).
السعادة والغبطة: « مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ » (أعمال ٢٠: ٣٥).
الكمال المنشود: « إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً، فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْوَالَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ » (متى ١٩: ٢١).
(ب) بركات سماوية:
الميراث السماوي: سأل الشاب الغني السيد المسيح: ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟ قال له: « اذْهَبْ وَبِعْ أَمْوَالَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ » (متى ١٩: ٢١). ولأمثال هؤلاء سيقول لهم الرب: « تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ » (متى ٢٥: ٣٤).
العتق من الدينونة: فيذهب الذين لم يعطوا إلى عذاب أبدي، والأبرار إلى حياة أبدية (راجع متى ٢٥: ٣١-٤٦).