جماعة الغالبين
(1) جماعة الغالبين
«وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم، ولم يحبوا حياتهم حتى الموت»
(رؤ 12: 11).
عندما اختُطِف يوحنا الرائي كي يعاين أورشليم السمائية، انكشفت له بالروح الحرب التي في السماء: ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وملائكته. وسمع صوتاً عظيماً قائلاً: «في السماء الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه، لأنه قد طُرح المشتكي على إخوتنا، الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهاراً وليلاً» (رؤ 12: 10).
فمن هم الغالبون؟
إنهم جماعة الشهداء، الذين باعوا حياتهم من أجل الإيمان، واحتملوا صنوف العذابات لأجل تمسكهم بالرب يسوع.
إنهم جماعة المعترفين، الذين حفظوا لنا وديعة الإيمان نقية طاهرة بلا عيب أو انحراف، ولاقوا كثيراً من الأهوال لأجل ثباتهم على الإيمان الرسولي.
إنهم جماعة النساك والسواح ولباس الصليب، الذين دعاهم التاريخ «شهداء بلا سفك دم».
إنهم جماعة المؤمنين، الذين يعيشون الحياة العائلية، ويمارسون وظائفهم الزمنية، ولكنهم يتألمون يومياً من أجل شهادتهم للحق ورفضهم روح العالم.

ومن جيل إلى جيل، يضم الرب إلى قافلة الغالبين كل الذين ثابروا على حياة الجهاد، وانتظموا في العبادة وحياة التقوى، وأصروا على أن تكون على جباههم سمة الحمل، رافضين بكل عناد مقدس سمة الوحش.
وهذه الجماعة الغالبة هي الكنيسة المقدسة، التي تمتد جذورها الأولى إلى أزمنة العهد القديم: إلى هابيل الذي قدم بالإيمان ذبيحة أفضل، وإلى أخنوخ الذي أرضى الله ونقله الرب من أرض الشقاء، وإلى نوح البار الذي بنى فلكاً لخلاص بيته، فيه دان العالم وصار وارثاً للبر الذي حسب الإيمان، وإلى إبراهيم أب الآباء الذي لما دُعي أطاع أن يخرج إلى مكان لا يعلمه، وتغرب في أرض الموعد ساكناً في خيام مع إسحق ويعقوب، لأنه كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات.
في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد، إذ سبق الله فنظر لنا شيئاً أفضل لكي لا يكملوا بدوننا.
ثم جاء الرب يسوع، وانجذبت إليه جماعة بسيطة فقيرة محتقرة من العالم، ولكنها أحكم من فلاسفة العالم؛ لأنها أخذت روح الحكمة والقداسة، وعاشت بالإيمان وليس بالعيان. وظلت هذه الخميرة المقدسة، التي وُضعت في أكيال ثلاثة من الدقيق، تثمر وتعمل في هدوء وقوة، حتى فتنت المسكونة كلها، وأضحى للرب في كل جيل شهود أمناء.
غلبوا العالم وكل شهواته، لأنهم أيقنوا أن كل شهوة العالم تزول.
وغلبوا الشيطان وكل حيله، لأنهم أخذوا الغالب في قلوبهم، وحملوا سمته المقدسة ورايته المظفرة.
وغلبوا الذات لأنهم لما أرادوا أن يسيروا في الطريق الضيق، كان أول عهد وميثاق اتبعوه هو نكران الذات والكفر بها وجحدها وإهلاكها، وصلب أهوائها وميولها وشهواتها.
يقول أحد القديسين: «أتعلَمون لماذا غلب الشهداء الأسود التي تقدمت لافتراسهم ولم يخشوا بطشها؟! السر في أنهم غلبوا الضباع – أي الغرائز المنحرفة والشهوات الرديئة ونجاسات الجسد والروح».
غلبوه في أجسادهم
كانوا يعلمون أن الجسد هو مجال لقتال الشيطان، فغلبوه بالعفة والصوم، وحفظوا ثيابهم طاهرة بعد أن غسلوها في دم الحمل.
نذكر الشاب الذي قضم على لسانه بأسنانه وألقى به في وجه المرأة الفاسدة مع سيل من الدماء، صوناً لعفته وحفظاً لطهارته، وهو مربوط على شجرة، مقيد اليدين والرجلين.
نذكر بربتوا العفيفة، التي حرصت على أن تغطي جسدها بردائها الممزق، أثناء افتراس الثور الهائج لهيكلها المقدس.
نذكر ثيئودورة الطاهرة، التي خاطر ديديموس لإنقاذها، عندما علم بنية الحاكم أن يفسد طهارة جسمها، ونال أكليل الشهادة من أجل إنقاذها.
نذكر مئات وألوفاً من الشباب الطاهر الذي يحيا في كل عصر وجيل، متمسكاً بوصية العفة وقداسة الأعضاء، مهما كلَّفته الوصية من جهد وعناء.
وغلبوه في إغراءاته وتهديداته
لم ينتصروا في ميدان الجسد فحسب، بل غلبوا في المجال النفسي أيضاً. لم تستطع التهديدات والإهانات وكافة الضغوط العاطفية والنفسية، سواء بالتهديد أو الوعيد، أن تنال من آبائنا الشهداء القديسين شيئاً.
لنذكر القديس جاورجيوس، الذي حاول دقلديانوس أن يغريه بأعلى المناصب، ثم أن يثنيه بأقسى العذابات، ولكن هذه وتلك لم يكن لهما أدنى تأثير في جهاده.
لنذكر القديسة بربارة التي جُلدت بقسوة شديدة، وأُلقيت في سجن مظلم، ومُشطت بأمشاط حديدية فظيعة، وعُريت من ثيابها، فصلَّت إلى الله أن يغطي جسدها حتى لا يعثر أحداً، فسمع الله طلبتها، وسربلها بثوب نوراني، وأخيراً أمر الحاكم بقطع رأسها.
لنذكر القديس أغناطيوس أسقف أنطاكية، الذي كان مصمماً على تقديم حياته للاستشهاد، رافضاً كل فرصة للهروب. وكتب إلى أهل روما يقول لهم: «خير لي أن أموت من أجل يسوع المسيح، عن أن أملك كل ممالك الأرض. لا تعيقوني أيها الأخوة عن الحياة. لا تسلموني إلى العالم. محبتي للعالم قد صُلبت، فلا تضطرم فيّ نار محبة شيء ما، بل يحيا في داخلي حنين، يتحدث من الداخل قائلاً: تعال إلى الآب».
وغلبوه في عداوته
لقد كان أعظم مجال الانتصارات للشهداء هو غلبة العداوة. ففي الوقت الذي كانت الكنيسة تُنهش من الذئاب، كانت الحملان في السراديب المختفية تحت الأرض، يصلّون من أجل هذه الذئاب لكي الرب الإله يغيرها ويجددها ويعلن لها شخصه المحبوب المبارك.
فالقديس استفانوس كان يصلي من أجل راجميه لكي الرب لا يُقيم عليهم خطية.
والقديسة بربارة كانت تصلي من أجل أبيها القاسي، الذي اشترك مع الوالي في تعرية جسدها، وتعذيبها ثم قطع رأسها.
والقديس العظيم مارجرجس، وقف للصلاة من أجل المرأة الفاسدة.
والقديس فيلياس أسقف تمي، مدَّ ذراعيه على شكل صليب وصلى لأجل تلاميذه، ولأجل الأباطرة والحكام وهم يقطعون رأسه الطاهرة. وكان يقول لقاتليه: «أقدم لكم الشكر، لأنكم ستجعلوني وارثاً لملكوت السموات».
هؤلاء هم جماعة الغالبين. ليعطنا الرب أن يكون لنا نصيب معهم، لنغلب مثلهم ونرث معهم.
(2) كيف غلبوا؟
+ بدم الخروف
في القديم كان دم خروف الفصح هو واسطة النجاة والخلاص، إذ يقول الكتاب: «ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر عنكم» (خر 12: 13). ولقد كان دم الخروف الذي تلطخت به القائمتان والعتبة العليا، رمزاً لدم الحمل الكريم الذي بلا عيب، الذي عندما تتقدس به شفاهنا وأجوافنا، لا يستطيع المهلك أن يكون له نصيب في هياكلنا.
فقد قرأنا في سير الشهداء، أن شعب إسنا كله عندما علم بأوامر دقلديانوس، اجتمع مع أسقفه في دير الأنبا إسحاق بالجبل، وتناولوا من الأسرار الإلهية. وما ذُكر عن مذبحة إسنا، سُرد في أماكن كثيرة حدثت فيها اضطهادات جماعية وفردية.
فدم يسوع المسيح هو الذي أعطى للشهادة قوة وجسارة عجيبة، لا يزال العالم منذهلاً قوتها وفاعليتها. يقول الشهيد كبريانوس عن هذه الشجاعة التي بعمل النعمة: «لقد كان المعذبون أعظم شجاعة من الذين يعذبونهم؛ إذ غلبت الأعضاء المضروبة والممزقة الآلات التي ضربتها ومزقتها». لقد كانت السياط تكرر الجلدات بكل قوتها، ولكنها لم تقدر أن تهزم الإيمان غير المنظور. ولقد كان الدم يتدفق ليطفئ لهيب الاضطهاد، ويبطل نيران جهنم.
على أنه يلزم الإشارة إلى أن هذه القوة وهذه الجسارة لم تكن اندفاعاً هوجائياً أو تهوراً نزقاً، ولكنه كان ثباتاً عجيباً وثقة أكيدة في مواعيد الله الأمينة.
كان الدم المسفوك ليسوع المسيح يعطي للشهداء القدرة على سفك دمائهم.
وكان الخبز المكسور لأجل خلاص العالم، يهبهم نعمة وقوة وغلبة على كل تيارات العالم الشريرة.
يُذكر عن الكتيبة الطيبية المصرية، التي طلب الإمبراطور مكسيميانوس منها أن تبخر للأوثان قبل الذهاب لساحة الوغى، كانت صامدة راسخة أمامه مثل جبل صهيون لا يتزعزع. وأخذ يذبح عشر الكتيبة، ظناً منه أنه بذلك يخيف الباقين. لكن أمراً مباركاً سجله التاريخ: أن الكتيبة كلها استشهدت على يد الطاغية، ولم ترتد نفس واحدة لتنكر إيمانها بالمسيح.
ويحكي عن الأنبا بفنوتي أسقف طيبة، إن الوالي أمر بقلع عينه وبتر ساقه وأن يُرمى في السجن ليقطع الأحجار، بينما الجنود يلهبون ظهره وظهور المؤمنين معه بالسياط، أما هو فكان يقف بين المعترفين يشددهم ويعظهم ويحدثهم عن ملكوت السموات.
+ وبكلمة شهادتهم
لقد برهن الشهداء على أن إنجيل المسيح واقعٌ مُعاش، وليس نظريات ومبادئ وأخلاقيات. لقد أثبت الشهداء بوداعتهم، أن المسيح الوديع المتواضع القلب لا يزال يحيا في كنيسته. وأكدوا بمحبتهم لأعدائهم، أنهم يسيرون على نفس الدرب الذي سار عليه مخلصهم، عندما كان يصلي على الصليب لأجل صالبيه. وأثبتوا بعفتهم وطهارتهم أن القداسة فضيلة واقعية، طالما يحيا الإنسان في المسيح، ويكون له روح المسيح.
لقد كانت شهادتهم ذات تأثير وفاعلية جبارة في المحيط الذي يعيشون فيه، حتى أن العلامة ترتليانوس قال: «إن دماء الشهداء بذار الكنيسة». وتحقق القول الإلهي في العهد القديم: «بحسبما أذلوهم هكذا نموا وامتدوا» (خر 1: 12). وقد سبق أن أشار الرب إلى أهمية موت المؤمنين لأجل الإنجيل حتى ينتشر، عندما قال: «إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير» (يو 12: 24).
كانت شهادتهم جريئة حارة، وسر أعماق هذه الجرأة هو ذلك الاختبار الحي الذي كان لهم، وحياة الشركة المقدسة التي تمتعوا بها، من خلال مخدع الصلاة ودراسة كلمة الله والمثابرة على التناول من الأسرار المقدسة.
كانت الكنيسة تسند شهادة أبنائها بالمناخ الطاهر والجو المقدس والشركة الروحانية التي سادت حياة أعضائها. فلم يكن في الكنيسة متكبر أو سارق أو زان أو محب للفضة. لقد كانت الكنيسة «جميلة كالقمر، طاهرة كالشمس، مرهبة كجيش بألوية» (نش 6: 10).
كلمة الشهادة الحية هي سيرة كل مؤمن استطاع أن يقول مع بولس: «بل أني أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي…» (في 3: 8)، والذي يقول معه: «فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في» (غل 2: 20).
نحن لا نطلب اليوم، لكي نقدم شهادتنا عن المسيح، ثم تُلقى للأسود المفترسة. ولكننا نطلب لنقدم شهادتنا عن مدى تمسكنا بالحق والحب والوداعة والعفة والطاعة والتجرد، في وسط جيل ملتوٍ معوجٍ، يحترم العنف والتسلط، ويقدس المادة والترف، ويلهث وراء الدنس وشهوات الجسد.
(3) لم يحبوا حياتهم
ضحوا بحياتهم الزمنية من أجل الحياة الأبدية
يُفهم من قول الكتاب عن الشهداء «لم يحبوا حياتهم» أن الذين قدموا أنفسهم للاستشهاد، كانوا على أعلى مستوى من السعادة والسلام والفرح والنجاح.
فعلى المستوى المادي والاجتماعي، كان فيهم الأمراء والنبلاء وكبار الضباط، وكان فيهم الأساقفة والفلاسفة والعلماء.
وعلى المستوى النفسي، كان آباؤنا الشهداء يتقدمون بمحض رغبتهم للشهادة. فقد توفر للكثيرين فرص الهرب والابتعاد، ولكنهم كانوا يجدون متعة وشهوة في الإسراع نحو نيل الأكاليل المقدسة المعدة للمجاهدين.
وعلى الصعيد الروحي، كان هؤلاء الشهداء قديسين بالفعل؛ ماتوا في حياتهم عن كل شهوات العالم قبل أن يموتوا في ساحة الاستشهاد. والمؤمن الذي غلب الأهواء وصلب الشهوات، قد قضى بالنعمة على كل مصادر الانزعاج والقلق والحزن الرديء والخوف والتشاؤم.
لقد سجل لنا تاريخ الشهداء حالة الفرح والتهليل التي تمتع بها كل شهيد، قبل وأثناء شهادته. بل إن السماء نفسها شاركت الشهداء أفراحهم وسلامهم وهدوءهم واستقرارهم، فكشفت للكثيرين عن الأمجاد التي تنظرهم والأكاليل المعدة لهم.
والمسيحي الحقيقي يحب العالم، كما أحب الآب العالم وبذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له حياة أبدية. يحب الجميع، يحب الخليقة كلها، يحب الطبيعة ويتمتع بكل خيرات الأرض، ويشكر على كل نعم الحياة في قناعة ومسرة داخلية.
ولكن المؤمن الحقيقي لا يحب العالم، بمعنى أنه يرفض تيار الإثم السائد فيه، ويجحد روح العالم – أي روح التمرد والاستقلال عن الله، روح الأنانية والتملك والانحراف الشهواني الرديء.
أما آباؤنا الشهداء، فإن حياتهم ينطبق عليها قول الرسول بولس: «لكن كان لنا في أنفسنا حكم الموت، لكي لا نكون متكلين على أنفسنا، بل على الله الذي يقيم الأموات» (2 كو 1: 9). ولكي يتحقق فيهم هذا النوع من الحياة قطعوا كل أربطة مادية ونفسية، حتى يحق فيهم القول: «كمائتين وها نحن نحيا، كمؤدبين ونحن غير مقتولين، كحزانى ونحن دائماً فرحون، كفقراء ونحن نغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء» (2 كو 6: 9-10).
+ ضحوا بحياتهم الجسدية
ضحوا بالأموال والمقتنيات: «كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج» (أع 2: 45). «ولم يكن أحد يقول إن شيئاً من أمواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركاً… إذ لم يكن فيهم أحد محتاجاً؛ لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بأثمان المبيعات، ويضعونها عند أرجل الرسل» (أع 4: 32-35).
لقد كان آباؤنا الشهداء يتشبهون في حياتهم المادية بحياة الرب يسوع الذي لم يكن له أين يسند رأسه. وسيرتهم تشهد بسماع وصية الرب التي وجهها للشاب الغني: «اذهب وبع أملاكك، وأعط للفقراء فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني» (مت 19: 21). ولأجل هذا عاشوا فرحين، ففي قانون الحياة الروحانية: من يبيع الملكية يقتني الكينونة.
+ ضحوا بحياتهم العاطفية
قال الرب يسوع: «ليس أحد ترك بيتاً أو والدين أو أخوة أو امرأة أو أولاداً من أجل ملكوت الله، إلا ويأخذ في هذا الزمان أضعافاً كثيرة، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية» (لو 18: 29). ولقد نفذ الشهداء هذه الوصية أعظم تنفيذ، فلم يتأثروا بالعلاقات العائلية، ولا بالأربطة العاطفية، ولكنهم عاشوا مرتبطين بالحق. وحده هو الذي يغذيهم، وهو الذي يقدسهم، وهو الذي يحررهم.
وهذه أمثلة قليلة عن التضحيات البالغة:
القديسة دميانه تكتب لوالدها خطاباً شديد اللهجة تخبره فيها أنها كانت تود أن تسمع خبر وفاته عن أن تسمع أنه بخَّر للأوثان، وأخذت تعظه بحرارة، إلى أن عاد للإيمان.
والقديسة بربارة، لم يهمها اشتراك والدها مع الوالي في تعذيبها وتعرية جسدها الطاهر، بل وقفت في ساحة الاستشهاد، تصلي من أجلهما لكي يعلن الرب لهما نور الإيمان.
والقديسة دولاجي، لما سمعت أن أريانوس والي أنصنا قد وصل إلى مدينتها إسنا، وقبض على أطفالها الأربعة الصغار الأبطال الذين أصروا على الإيمان المسيحي، تجاوزت مشاعر أمومتها، ووقفت تشجعهم على نيل إكليل الاستشهاد، وقبلت في فرح أن يُذبح أولادها على ركبتيها الواحد تلو الآخر وهي تقدم تسبحة الشكر والحمد لله، ثم أخيراً تقدمت للاستشهاد بعد أن اطمأنت على حملانها الصغار أنهم صاروا في معية المسيح.
ويحكي لنا السنكسار سيرة بطولة الأم صوفية، التي كانت لها بنات ثلاث ودخلت معهن إلى رومية، بعد أن نالت نعمة العماد، وهناك شرعت تبشر الوثنيين. وما أن علم الإمبراطور، حتى استدعى الأم مع بناتها، وأمام الإمبراطور هدريان أظهرن جميعاً ثباتاً رائعاً، فأمر بقطع الفتيات الصغيرات أمام أمهن حتى تنهار، ولكنها رافقت أجساد بناتها إلى الدفن في ثبات عجيب، ثم ألقت بنفسها فوقهن، وأسلمت روحها في يد الرب.
ويذكر لنا السنكسار قصة بطولية فيها تجاوز لكل العواطف البشرية: فقد أمر والي طرسوس الأم يوليطه، أن تتجرد من ثيابها، وتُجلد بأعصاب البقر بلا شفقة. وكان طفلها الصغير قرياقص متمسكاً بأمه، لا يحول نظره عنها، فحاول الوالي استرضاءه وملاطفته. ولكنه صرخ بكلمات واضحة مسموعة من الجميع: «أنا مسيحي!» فامتلأ الوالي غيظاً، وأمسكه من قدميه وطرحه بشدة على الأرض من كرسيه المرتفع، فارتطم رأسه بالأرض وتهشم، وفاضت روحه. وإذ رأت الأم أن طفلها قد سبقها إلى المجد، شكرت الرب. أما الوالي فأعاد تعذيبها بأنواع مختلفة، وأخيراً قطعوا رأسها ونالت إكليل الشهادة.
لقد كانت تضحيات الشهداء المادية والنفسية والعاطفية، تضحيات غالية. ولكنها أيضاً كانت تضحيات مستمرة، إذ تقول الآية: «ولم يحبوا حياتهم حتى الموت». كانت لديهم مثابرة على احتمال الألم حتى الموت.
فالقديس جاورجيوس احتمل سلسلة طويلة من العذابات.
وفي محاكمة بقطر الجندي، نجد صورة رائعة للمثابرة على احتمال الألم حتى الموت: «إن الآلام التي سأتحملها لن تميتني، بل تهب لي الحياة الأبدية. شكراً لسيدي يسوع الذي أعطاني نعمة الاحتمال». قدموا له سماً فرسم عليه علامة الصليب، وتناوله في ثقة كاملة أن الرب لن يسمح له بأية أذية. ولما قلعوا عينيه، قال للوالي: «إنك باقتلاعك عيني الجسديتين، ضاعفت حدة بصري الروحي. إنك تستطيع أيها الوالي أن تنزع جلدي، ولكنك لا تستطيع أن تصل إلى انتزاع رداء روحي، إذ هو مصنوع من نسيج الإيمان والحب».
أيها الرب يسوع، يا من أعطيت للشهداء نعمة الصبر والاحتمال وقوة الشهادة لاسمك، هبنا في هذه الأيام أن نشهد لك بأمانة وطهارة وبر.