موكب التائبين وقيامة النفس

منهج التوبة:

لم تشهد ديانة أو عقيدة أخرى مثلما شاهدت المسيحية من مواكب التائبين والتائبات. ذلك أن الكثير من الناس لم يفهموا بعد، وربما لا يريدون أن يفهموا، المضمون العميق لسر التجسد، وأنه عظيم بل بالغ العظمة؛ لأنه سر التقوى ذاتها. وهل من وسيلة للتقوى أكثر من شعور الإنسان بأن الله صار إنساناً مثله «يأخذ أسقامه ويحمل أمراضه» و«يشفي كل المتسلط عليهم إبليس»؟

إن هذا معناه أن الإنسان يُقَوِّم نفسه ويرتفع إلى مستوى الحكمة الإلهية الشافية، فيتطهر قلباً وقالباً. فإذا عاد إلى الخطيئة مرة أخرى، فإنه – بإرشاد هذه الحكمة – ينظر من أين سقط ويتوب. من أجل هذا وضع لنا الرب منهج التوبة. وضعه لا بالكلام والتعليم فقط، وإنما في نماذج تائبة شكلت في النهاية موكباً روحياً رائعاً، أدعوك أن تتتبعه معي لنرى ما فيه من حب، وما احتواه من نصرَة في أكبر معارك النفس الإنسانية.

مع التائبات

ونبدأ بالمرأة. لقد كانت المرأة قبل المسيحية مغلوبة على أمرها. وكان الفريسي في صلاته يشكر الله أنه لم يخلقه امرأة. ذلك أن كل الجُرم كان عليها، بينما كان الغنم كله للرجل. فإذا أراد الرجل أن يطلقها فليعطها كتاب طلاق وكفى. وإذا ارتكبت خطيئة الزنا رجمها اليهود وحدها دون شريكها الرجل. وإذا بتعليم السيد المسيح يشرق في سماء حياتها كالشمس المضيئة، فيبدد هذه الظلمات كلها، ويعيد إليها كرامتها سواء كأنثى أو كأم، وسواء كانت في حالة الخطيئة أو في حالة البر.

ولقد أدى رفق المسيح بالمرأة إلى أن كثيرات من النساء تغيرت حياتهن بفضل تعليمه، فتبعنه وخدمنه بأموالهن عن حب وبذل. ولقد أدى هذا الموقف بالرب المحب أن يواجه قسوة المجتمع وظلمه في مسألة على أعظم جانب من الحساسية.

المرأة التي أمسكت في زنا

«قدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت في زنا» (يوحنا 8). لماذا أيها الناس تركتم الطرف الآخر حراً طليقاً؟ ألأنه رجل مثلكم؟ إذن أين عدالتكم، وأنتم تدعون أنكم سدنتها وحماتها؟ وإذ لا ننتظر منهم إجابة، فلنتابع رؤية المشهد: ماذا كان قصدهم من هذا العمل؟ لقد قالوا: «موسى أوصانا في الناموس أن مثل هذه ترجم، وأنت، ماذا تقول؟» كانوا يعرفون مسبقاً أن الإجابة لن تتجاوز واحداً من اثنين: إما أن يقول طبقوا ما قاله موسى فترجموا المرأة، وهذا عين القسوة؛ وإما أن يقول لا تطبقوا ما قاله موسى فيكون قد خالف الناموس!!

لكن ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء. لقد جلس إلى الأرض يكتب عليها، ويكشف بكتابته أعماق سرائر الجناة الحقيقيين الذين قصروا في التعليم، وابتلعوا الجمل ورضوا أن يصفوا البعوضة حتى يتظاهروا أمام الناس أنهم أتقياء. على الأرض كتب خطايا كل منهم، «لأن كل شيء مكشوف أمامه». وبينما هم في ذهول مما يرون، قال لهم في اشتياق: «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر». قالها وهم يلحون عليه في السؤال؛ لأنهم يريدون أن يمسكوا عليه أية كلمة. وفجأة استيقظت ضمائرهم، وتفتحت أعين قلوبهم الرمداء، فما استطاعت أن تتطلع إلى نور الكمال المركز في شخصه، فانصرفوا الواحد تلو الآخر في خجل، حتى لم يبق منهم أحد. فالتفت إلى المرأة قائلاً: «يا امرأة، أين هم؟ أما دانك أحد؟» فقالت: «لا أحد يا سيد». فقال لها يسوع: «ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضاً».

طويل الأناة

يا للرفق الإلهي، ويا للعطف ويا للطف الواضح في حب الرب له المجد، وجذبه النفس إليه بالحنان والشفقة التي بلا حدود. وما أعظم الفرق بين موقف المجتمع الشامت والمتربص والمتحفز للإدانة والعدوان والقتل، وبين الرب «الذي جاء ليخلص ما قد هلك» في وداعته واحتماله ورفقه. هاهنا روعة الحب كما أعلنتها المسيحية، وهاهنا منظر تجلي النفس حين ينعكس عليها نور الرب نفسه، فتتغير إلى الحياة الأفضل.

ترى ماذا كان شعور المرأة وهي تفلت من الموت رجماً؟ وما شعورها بالذات نحو من أنقذها ليعطيها فرصة أخرى لحياة جديدة؟ إنها تهدي هذا الشعور ولا شك إلى كل من يريد أن يتوب: عليه أن لا يتأخر أو يؤجل، بل يسارع. وقتها سيسمع كلمة الرب: «ولا أنا أدينك أيضاً. اذهبي ولا تخطئي».

حقاً، ما أحوجنا جميعاً لسماع هذه العبارة الحلوة!! إن فيها ملء الشفاء الروحي والنفسي، أما الروحي فلأن القلب يمتلئ سلاماً لأنه تخلص من أدرانه وأوزاره، وأما الشفاء النفسي فلأن الشعور بالذنب والندم قد زال. وفضلاً عن ذلك، فهي كلمة تدفع بالحياة إلى الأمام؛ لأنها تزيل الأغلفة السوداء التي حجبت نور الحقيقة عن النفس والضمير. وهل نور الحقيقة إلا نور الله نفسه، الذي يملأ النفس التائبة ويستوي على عرش الباطن بها، لتحيا فيما بقي لها من عمر بالكمال المسيحي الذي يليق بأولاد الله؟

السامرية الكارزة المحسنة

Franceschini, Giacomo - Gesù e la Samaritana al pozzo
Giacomo Franceschini, Public domain, via Wikimedia Commons

وإذا انتقلنا إلى السامرية، وجدنا قلباً آخر يتفتح أمام كلمات المسيح. لقد بدأ الحديث معها عن الماء المادي. وانتقل بها تدريجياً إلى الماء الروحي، ثم إلى حقيقة الله بفكر العهد الجديد ومفهوم العبادة الحقيقية. بل ومعنى الحق الذي يجب أن يسجد به وله. ونزلت مياه النعمة على هذه الأرض العطشى، فمن اعتراف صادق بأن لها خمسة أزواج، إلى تحديد دقيق بأن الذي معها ليس زوجها، إلى اعتراف علني بالمسيا الذي «يخبرنا بكل شيء»، إلى انطلاق لكل أهل بلدها: «هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت».

يا للعجب! كيف أمكن لهذه المرأة المغامرة أن تقول هذا وتكشف عن أفعالها أمام الملأ كله؟ لكنه الضمير الجديد الذي تتضح الرؤيا السماوية أمامه، فتصغر نفس صاحبه ولا يعود يهتم بـ«الأنا» أو «الذات». إن اهتمامه سرعان ما يتحول إلى «الملكوت»، فلا يجد بأساً في إفناء ذاته لتوصيل رسالة الملكوت إلى الآخرين. هذا هو فعل التوبة الحقيقية، التي تصل إلى أعماق القلب فتطهره، لتشع منه بعد ذلك أنوار الملكوت، لأن «ها ملكوت الله داخلكم».

لغة الدموع

ولا يمكن أن نصل إلى خاتمة موكب التائبات دون أن نقف لحظة عند المرأة الخاطئة التي ذكر القديس لوقا قصتها في الإصحاح السابع من إنجيله… لقد كانت لها لغتها الخاصة. هذه المرأة العظيمة لم تقل للرب «لا أحد يا سيد» كما قالت المرأة الأولى، ولا دخلت في حوار مع الرب كما فعلت السامرية. لكنها جاءت في صمت، وهي تعلم أن الجميع يدينونها، وخاصة سمعان الفريسي. وما تجرأت أن تقف في مواجهة الرب؛ لأنها شعرت بملء نجاستها، فجلست عند قدميه باكية، تبل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعر رأسها، ثم تقبلهما وتدهنهما بالطيب. والدموع – كما يقول ذهبي الفم – معمودية ثانية للنفس، بها تغتسل لتعود إلى صورتها النقية مرة أخرى.

ورأى مجتمع الفريسيين، كما يرى مجتمع المرائين في كل زمان ومكان، الفرصة سانحة للتشفي من المرأة الضعيفة وللسخرية من الضيف الوديع. لكن الرب الذي جاء ليرفع الإنسانية الضعيفة، والمتمثلة أكمل تمثيل في هذه المرأة الساقطة، قرأ أفكار هذا المجتمع الظالم، فدخل في حوار مفتوح وصريح معه عن اثنين عليهما دين، ولكن على الواحد أكثر من الآخر. فإذا سامحهما صاحب هذا الدين، فأيهما يكون أكثر حباً له؟ وكان الرب يعني أن المرأة هي المديونة أكثر، ففرحها بالتسامح وترك الدين يكون أعظم. والخاتمة كلمة الاشتياق والرأفة بالنفس الإنسانية المتعبة: «إيمانك قد خلصك. اذهبي بسلام مغفورة لك خطاياك».

ألا ليتك يا رب الحب وإله الخلاص تسمعني هذه العبارة، لتنزل على نفسي المسكينة عزاء وسلاماً وغفراناً. حقاً، ما أروع أن أشعر أن ما زرعته بالدموع قد حصدته بالابتهاج، ابتهاج الغفران والسلام.

أسرع وانزل

فإذا تركنا موكب التائبات إلى موكب التائبين، التقينا بزكا رئيس العشارين… هذا الذي اشتاق أن يرى يسوع. أتراها حركة النفس الداخلية حين تنجذب إلى خالقها لتنال نعمة التطهير والسلام؟ نعم إنها كذلك. وصعد زكا فوق الجميزة، هي خطوة واحدة قام بها زكا، أما الرب فقد أكمل الثلاثة والعشرين… تحت الشجر وقف، وإلى زكا وجه الدعوة: «أسرع وانزل لأنه ينبغي أن أكون في بيتك». وكانت فرصة لأن يجلس الرب مع العشارين والخطاة الذين من أجلهم أتى خصيصاً: «فابن الإنسان إنما جاء ليخلص ما قد هلك».

وفي حضرة الله تنحل الخطيئة، وتذوب قوة الشر، لينطق زكا بكلمته الحلوة: «ها أنا أعطي نصف أموالي للمساكين، وإن كنت قد وشيت بأحد أرد له أربعة أضعاف». وإذا بالحب الإلهي يفيض فيضاً بعبارة حلوة: «اليوم حصل خلاص لهذا البيت»… وهل البيت سوى القلب؟

حقاً، ما أروع أن يتحقق خلاص القلب من الأرواح الشريرة التي تملأه من الحسد، والبطر، والحقد، والنجاسة، والطمع، والتسلط، والأنانية، والقسوة، والتحزب. إنما يتطلب هذا أولاً أن نصعد إلى الشجرة. أي نتسامى على أنفسنا ونواجهها دون اعتبار لاستهزاء الناس بنا، أو سخريتهم منا أو معايرتهم لنا. ثم نترك للرب باقي العمل: إنه يأخذنا إلى البيت، ويتعشى معنا بل ويبيت في منزلنا، ولا يزال بنا حتى يستخلص منا الثمار الصالحة.

ها أنت قد برئت

وعند بركة بيت حسدا يتوقف بنا الموكب عند مريض الثمانية والثلاثين سنة، «فلم يكن له إنسان يلقيه في البركة متى تحرك الماء»… وكان البلاء الذي أصاب الرجل نتيجة تعامله مع الخطيئة؟ أمر لا يعرفه سوى اثنان: الرب نفسه، والمريض. وكانت نصيحة الرب له: «ها قد برئت، فلا تعد تخطئ أيضاً».

كم من مرة يبرئنا الرب المحب بلمسته وبكلمته، برفقه وحنانه، بصبره علينا واحتماله لنا، حتى ليخجلنا المرة تلو الأخرى، لنعيش معه ونرجع إليه… إن المرض كثيراً ما كان أداة تطهير أو صوت نذير يدوي في آذاننا حتى نسمع. وطوبى إن كانت له الأذن الروحية المنصتة، التي يستجيب صاحبها لصوت المسيح وتنبيه روحه القدوس.

خاتمة: الموكب المفتوح

… إنه موكب التائبات والتائبين، موكب مفتوح حتى الآن لتنضم إليه كل نفس. لا يهم التوقيت، ولا النوعية، ولا الأسلوب، فالكل مقبول. والكنيسة مستعدة بعمل الاعتراف وسر التناول أن تصحب النفس في رحلتها إلى الملكوت، إلى الفرح الروحي، إلى الكمال والسلام والعزاء. فهلا أتيت معي في هذه الرحلة التي تنتهي بنا إلى قيامة النفس منتصرة مع قيامة المسيح الغالبة؟

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى