البهجة في حياتنا العائلية
تفتقر بعض بيوتنا القبطية إلى طابع البهجة والفرح الحقيقي، فكثيراً ما نجد الجو العائلي يسوده الهم وروح الكآبة والحزن، مع أن هذا النمط من الحياة يتضارب مع الروح المسيحية الحقيقية.
لهذا يلزمنا أن نعالج هذه القضية جذرياً، آملين أن تتسم حياتنا العائلية بروح الغبطة والبهجة والفرح المسيحي.
1. الأسرة مدعوة إلى البهجة
منذ البدء، والعائلة كانت النموذج الذي في قصد الله. فقد خلق الله حواء لتكون شريكة ومعينة لآدم. وكان الهدف من نشأة الأسرة تكوين وحدة روحية، وشركة محبة وألفة، تتمتع بحياة الفرح الذي يعيش فيه الثالوث القدوس.
لكن الخطيئة التي دخلت إلى العالم بحسد إبليس، مزقت الوحدة التي كانت بين آدم وحواء، وأدخلت أموراً غريبة كنتائج للعصيان والسقوط:
الفرح الذي كان يعيش فيه آدم وحواء، من خلال شركتهما مع الله، تحوّل إلى خوف ورعب: «سمعت صوتك فخشيت».
الوحدة التي كانت بين آدم وحواء تمزقت، وأصبح آدم يدين حواء ويعزلها عن نفسه.
وجاءت اللعنة كاشفة عن تسلط آدم على امرأته، وسعي المرأة وراء الرجل لتشتهيه.
لقد فقد آدم بالعصيان حياة البهجة التي عاشها في الفردوس، ولُعنت الأرض بسببه وصارت تنتج له شوكاً وحسكاً، وأصبحت لقمة العيش بالعرق والتعب، وأصبح الإنسان على الأرض شقياً ذا طابع مأساوي. هذه الأمور كلها لم تكن في النموذج المبارك الذي وُضع في الجنة.
2. ما صنعه الرب يسوع للأسرة
على أن الرب بتجسده المبارك وفدائه على الصليب، أعطى للبشرية الحياة الجديدة، وغرس في المؤمنين طبيعة جديدة تتسم بالحياة الفردوسية. ومن خلال هذه الطبيعة الجديدة، المولودة من فوق من الماء والروح، أصبح لسر الزيجة مفهوم جديد. فلم يعد مجرد ارتباط وعون ومجال لإيجاد الذرية والنسل، وإنما أصبح بالأكثر اتحاداً على مثال اتحاد المسيح بالكنيسة. «هذا السر عظيم»، كما عبّر المغبوط بولس في رسالته إلى أهل أفسس.
فالوحي الإلهي يقدم لنا الزواج على أنه سر اتحاد بين رجل مؤمن وامرأة مؤمنة، يتعهدان بأن يعيشا دون أن يفصلها الموت، في علاقة حب متبادل، واضعين نصب أعينهما التقديس الذاتي الشخصي، وتقديس أطفالهما أيضاً معهما. إن الحب الزوجي علامة للملكوت وشاهد له، ويرتبط به كيانياً الفرح الحقيقي.
في قانا الجليل يبارك الرب يسوع العرس حيث يشربون الخمر الجديدة العجيبة التي تملأ النفس فرحاً سماوياً. إنه «المسكر العاقل» الذي تحدث عنه القديس أغريغوريوس، والذي اتُّهم به الرسل يوم الخمسين.
الكنيسة في ليتورجية الزواج تصلي لأجل البهجة والفرح العائلي: «أنت الآن أيضاً يا ملكنا نسألك، أن تصل عبديك (فلان وفلانة) لكي يتصلا ببعضها بجسد واحد، وليدخلا إلى ناموس الفرح، وليكونا في تعاليم صادقة. هب لهما ثمرة محيية من البطن، ليبتهجا بولادة البنين الحسنة، والأزمنة الهادئة السالمة».
وعندما تصلي على الزيت قبل الرشم، تطلب أن يكون مسحة طهارة وعدم فساد، نوراً وجمالاً لا يذبل، فرحاً وزينة وعزاءً حقيقياً.
وعند الصلاة على الأكاليل، تدعو قائلة: «لتكون لهما أكاليل مجد وكرامة، أكاليل فرح ومسرة، أكاليل تهليل وبهجة، أكاليل عزاء وثبات».
وفي المديحة: «استضئ أيها العريس مع عروسك، اقبل الفرح وموهبة الله التي أعطاها لك المسيح إلهنا، امض بفرح إلى خدرك المزين بكل نوع».
3. ما الذي يدعم حياة البهجة العائلية؟
إن أهم ما يثبت ويدعم حياة البهجة هو حرص الوالدين على اختبار الخلاص والشركة مع الله. وفي هذا ينشد النبي قائلاً: «تبتهج نفسي بإلهي، لأنه ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء البر، مثل عريس يتزين بعمامة، ومثل عروس تتزين بحليها». حقاً يارب، نبتهج ونفرح بك، ونذكر حبك أكثر من الخمر.
ويعمق حياة الفرح والبهجة ارتباط القلوب بالرجاء المبارك. إن انتظار مجيء الرب يسوع يعطي للنفس عزاءً وفرحاً (فرحين في الرجاء). لقد وعد الرب قائلاً: «ولكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم». فالأسرة التي تتوقع في صبر المجيء الثاني، تفك أوتاد خيمتها من تربة هموم الحياة الأرضية، لتحيا في السموات، مستعدة للانطلاق ولقاء الرب على السحاب. الرجاء يهوّن المعاناة، ويفرح القلب، ويعزي النفس، ويرفع الجميع فوق الضيقة، ويحمي الأسرة من تسرب القلق والملل والسأم والتذمر. والأسرة المسيحية إذ تحيا تحت قيادة الراعي الأمين، تطمئن أنه عن اليمين فلا تتزعزع، لذلك يفرح القلب، وتبتهج الروح، والجسد أيضاً يسكن مطمئناً.
إن الجو العائلي المسيحي يتسم بالترنم والترتيل والتسبيح، كما أوصى معلمنا بولس: «مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب، شاكرين كل حين على كل شيء، في اسم ربنا يسوع المسيح» (أف 5: 19-20).
حقاً.. «هوذا ما أحسن وما أحلى أن يجتمع الإخوة معاً» في الجو العائلي. إنهم يكونون كالطيب الكائن على الرأس، الذي ينزل على اللحية، لحية هارون النازلة على جيب قميصه. ومثل ندى حرمون المنحدر على جبل صهيون، لأن هناك أمر الرب بالبركة والحياة إلى الأبد (مز 133).
لقد عاش آباؤنا الرسل هذا الاختبار، وكانت الكنيسة كلها أسرة واحدة فرحة، يقول عنها معلمنا لوقا: «وكانوا يواظبون في الهيكل بنفس واحدة، وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت، كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب، مسبحين الله، ولهم نعمة لدى جميع الشعب» (أع 2: 46-47).
وتُعيّد الأسرة أعياد القديسين، وتقيم تماجيد وتقرأ سيرتهم العطرة، وتضفي على الزمن بهجة الأبدية، وتسحب تخومها السعيدة إلى رحابها. بل وتقيم أيضاً مناسبات عائلية مبهجة، كحفلات أغابي، ورحلات وزيارات الأديرة والكنائس القديمة، وخلوات ونزهات في أماكن بعيدة هادئة للاستجمام والترويح والتنشيط الروحي والهدوء الجسدي.
وهذه الفترات التي تتلاحم فيها العبادات والتعزيات، مع راحة الجسد وتغير الأجواء، تكون بمثابة فرص هادئة لتفريغ كل شحنات التوتر والتعب في الأجساد المنهكة من العمل والتفكير.
4. لنحذر أعداء البهجة
ويلزمنا أن نشير إلى أن هناك تحديات شديدة أمام البهجة العائلية، وبخاصة في جيلنا هذا الذي يتسم بالتوتر العصبي، وصعوبة الحياة الاقتصادية، وكثرة الضغوط الاجتماعية والنفسية، أمثال الامتحانات، وطلب الوظائف، والبحث عن سكن، وصعوبة تأثيث بيت للحياة الزوجية… الخ.
لهذا يلزم أن نطرد من قلوبنا كل هم وقلق، مرددين مع الرسول: «مُلقين كل همكم عليه؛ لأنه يعتني بكم». ولنذكر كلام الرب يسوع: «لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون… انظروا إلى طيور السماء أنها لا تزرع ولا تحصد… وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها… تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو، لا تتعب ولا تغزل… فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويُطرح غداً في التنور يلبسه الله هكذا، أفليس بالحري… أنتم يا قليلي الإيمان. فلا تهتموا قائلين: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟» (مت 6: 25-31).
والرب في هذا الصدد يطلب منا أن نكون مُجدّين عاملين، ولكن غير مهمومين.
ومما يعطل البهجة في حياتنا العائلية: العناد وصلابة الرأي، وحدة الطباع، وسرعة النرفزة. فالرجل إذا اشتد، على المرأة أن ترخي. والمرأة إذا فقدت هدوءها، على الرجل أن يحتمل حتى يعود للجو العائلي اتزانه. وهكذا على الأولاد أن يحرصوا على هدوء البيت وسلامته وفرحه. وهذه هي طلبة بولس إلينا من خلال رسالته إلى أفسس: «وأطلب إليكم، أنا الأسير في الرب، أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دُعيتم بها، بكل تواضع ووداعة وبطول أناة، محتملين بعضكم بعضاً في المحبة، مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام» (أف 4: 1-4)، أي أن نكون قلباً واحداً، فكراً واحداً، روحاً واحدة. هذه هي الوحدة التي تمنع الانقسامات، وتضفي على الكنيسة روح البهجة والفرح والسلام الإلهي.
إن الذين يعيشون في الجو العائلي لا يطلبون لأنفسهم شيئاً، وإنما يبذلون حياتهم لأجل الآخرين. إنما هم كالشموع التي على المذبح، وكالبخور الذي في المجمرة، وكالذبائح والقرابين التي تقدم. والذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج.