السعادة للودعاء

«طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ» (متى 5: 5)

البحث عن السعادة في المكان الخطأ

تبحث الغالبية العظمى من الناس عن أقصر الطرق التي تؤدي إلى السعادة، لذلك فهم يفتشون عنها على السطح دون أن يدخلوا إلى العمق حيث توجد. وفي العادة، يطرق الإنسان الطريق السهل، مع أن النور وفرص النجاح لا توجد إلا في الطريق الصعب. وفي الواقع، أنك لن تجد الذهب الروحي إلا في المنجم الحقيقي، الذي هو التطويبات.

العظة على الجبل
Carl Bloch, Public domain, via Wikimedia Commons

أن نزول المسيح إلى العالم يؤكد لنا أن الله لم يسر بأن يرى الإنسان غير سعيد. لقد أرسل الله ابنه لا ليعطينا الحياة الأبدية فحسب، بل لتكون لنا هنا حياة أفضل أيضاً.

قوة تعاليم المسيح الفريدة

إذا كانت تعاليم المخلص فريدة ومختلفة تماماً عن أي تعاليم أخرى. لقد خرج بالدين من النظريات إلى العمل. لم يستعمل عبارات لفظية منمقة لإيضاح طريق الحياة. أنه لم يستعمل جملاً كهذه: “ربما ذلك هو الطريق”، “أن ذلك رأيي”، “أنا أقصد أن أقول”… لقد كان يتكلم كمن له سلطان. كان يتكلم بصفة قاطعة. كان يتكلم كمن يعلم يقيناً، وكان يفعل ما يقول. لم يكن يتكلم كالفلاسفة الذين يقولون أنهم لا يزالون يبحثون عن الحقيقة ولم يجدوها بعد.

مفارقة الوداعة

وفي التطويب الثالث، يقرر السيد المسيح أن الودعاء هم الذين يرثون الأرض. هل خطر ببالك مرة أن في الوداعة سعادة؟! أن القاموس يعطي كلمة الوداعة هذه المعاني: «الألفة، الخضوع، المسالمة». والحقيقة أن أغلبنا لا يعرف إلا قلة من الناس الخاضعين المسالمين المتآلفين.

  • هل معنى ذلك أن المسيح يطلب منا الطاعة العمياء؟ هل السعادة نتيجة لضغط أو لقوة؟
    بالتأكيد لا. أن المسيح لا يحب أن ننظر إلى الله كقوة دكتاتورية. وليس هناك سعادة في أن تدفع لفعل شيء لا ترغبه بالقوة؛ إن ذلك يكون ضد طبيعة الله، كما أنه ضد الحرية الشخصية التي منحها الله الإنسان. إن الله لن يقيد حريتنا لنختار بين الحياة الأبدية والموت الروحي، بين الصلاح والفساد، بين الصواب والخطأ. إن الله ليس هدفه النهائي أن يجد فحسب، بل أن يصنع علاقة سارة بينه وبين مخلوقه المتوج: الإنسان.

  • أو هل معنى الوداعة الضعف؟ فهل التطويب يكون الإنسان الذليل الخائف؟
    بالتأكيد لا. لقد كان التلاميذ ودعاء ولم يكونوا ضعفاء.

  • أو هل يعني المسيح بالودعاء أولئك أصحاب المزاج الطبيعي الهادئ؟
    حقاً، يولد بعض الناس بأخلاق أطيب من الآخرين. ولكن مثل هذه الصفة ليست نتيجة صلاة أو جهاد روحي؛ إنها وليدة الوراثة، فقد يكون أحد الآباء أو الأمهات أو الأجداد قد اكتسب تلك الصفة سابقاً. ولكن لم يقصد المسيح هؤلاء القلائل المحظوظين بالطبيعة؛ لأن ذلك يعني أن كثيرين جداً لن يعرفوا طريق السعادة.

الوداعة: نعمة إلهية وليست طبيعة بشرية

إن قول السيد الرب: «طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ» يخالف كلية مفاهيم المجتمع الحديث. إننا نقول: “طوبى للمتفوقين لأنهم يحظون بتقدير زملائهم”، أو “طوبى لذوي اللياقة لأنهم يحظون بالاحترام”، أو “طوبى لأصحاب المناصب العالية لأنهم يحظون بالذكرى”، أو “طوبى للأغنياء لأنهم يحظون بالأصدقاء والأطايب”.

كما أن السيد الرب لم يقل: “كن وديعاً لترث الأرض”. إنه يعلم جيداً أكثر من ذلك؛ أن الوداعة هبة ونعمة من الله، ونتيجة للميلاد الجديد.

  • موسى النبي: لقد كان موسى وديعاً، ولكن وداعته لم تكن من طبيعته الأولى. لقد قتل مصرياً في البداية، وأكثر من مرة اغتاظ من بني إسرائيل، وذات مرة رمى بلوحَي الشريعة على الأرض. حقاً إن وداعته كانت ضد طبيعته، لكن وداعته كانت معجزة من عند الله.

  • بطرس الرسول: كذلك لم يكن بطرس الرسول وديعاً بطبيعته. فقد قطع أذن أحد الحراس في لحظة غضبه عندما جاء ليقبض على السيد المسيح، وأنكر السيد المسيح مرات ثلاث. لكنه صار فيما بعد من أودع الرجال وأقواهم، حينما عرف المسيح معرفة حقة. من أين له تلك الوداعة؟

  • بولس الرسول: كذا كان بولس الرسول قبل أن يتحول. لم يكن وديعاً. وفي كبرياء وعجرفة أراد أن يقضي على جميع المسيحيين. لقد كان أنانياً ومغروراً. ولكنه حينما كتب رسالته الروحية إلى أهل غلاطية قال: «أَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ» (غل 5: 22). وهنا حسب الوداعة إحدى عطايا الله، ولم يحسبها من صنع الإنسان.

الميلاد الجديد: بوابة الوداعة

إنه ليس لطبيعتنا أن ترضي بالوداعة؛ إنها تحب الكبرياء والترفع. لذا كان الميلاد الثاني هاماً جداً بالنسبة لجميعنا. لذا قال المسيح لنيقوديموس فقط بل للجميع: «لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ» (يو 3: 7).

وتبدأ من هنا الوداعة. فيجب أن تتغير طبيعتك. إن كنت تريد هذه السعادة، يجب أن تولد من جديد. إنها الخطوة الأولى. إن كنت متفاخراً بذاتك ولا تريد أن تبدأ هذه الخطوة، فلست مؤهلاً أن ترث الأرض. وحينها ترفض هذه الوصية، فإننا نفقد حقنا في وعوده التالية. إننا لا نستطيع أن ننتهي إلى جواب ما دمنا قد بدأنا خطأ. إن لم يكن هناك ميلاد جديد، فليس هناك وداعة، ومن ثم فليس لنا نصيب في السعادة.

والإنسان المتكبر يحصد لنفسه الضيق، وهو إذ يزعج الآخرين فإنه يقتل نفسه، كالنحلة التي إذا لدغت أحداً فإنها تموت.

كنوز الوداعة

والمسيح أيضاً لم يقل: “يجب أن تكون وديعاً لأن ذلك هو الطريق لتحيا”. إنه يقول إننا إن أردنا أن نجد السعادة وأن نتمتع بحياة أفضل، فإن الوداعة هي المفتاح الرئيسي.

الوداعة لؤلؤة ثمينة، فدعنا نضعها تحت الأضواء لنعرف قيمتها:

أولاً: الوداعة تعني اللطف

لم تعرف كلمة “اللطف” قبل المسيحية، ولم يسمع الناس عن “اللطفاء” من قبل المسيحيين. إن هذه الصفة الأخلاقية كانت نتيجة للإيمانانية المسيحية.

والعالم في الآونة الأخيرة قبل المسيح كان تحت حكم بربري، انتشر وتوسع وشمل كل المجتمعات. لكن كل هذه القساوة وغلاظة القلوب والحروب الدموية لم يبق سوى آثارها على أناس قلائل في بعض المجتمعات بعد المسيحية.

المجتمع الحديث مشحون بعلامات القسوة والعنف بالأفلام السينمائية والإعلانات، وكذا نجد مجلاتنا وجرائدنا تفرد صفحات تمثل فيها العنف والجريمة، حتى الكتب التي في أيدينا اتسمت بهذا الطابع. لذا فأبناؤنا قد امتلأت عقولهم بالعنف. كما أننا نرى بين بعضنا البعض التصرفات البربرية ظاهرة وواضحة. فالجيران يتشاجرون، وما بين المراهقين من صراع يتزايد يوماً بعد يوم، والمشاجرات اليومية بين الأب والأم تحتل وقتاً كبيراً.

لماذا وكيف زحف هذا كله إلى حياتنا الاجتماعية؟؟ ذلك لأننا نسينا قول يسوع: «طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ»!

لقد أبرزنا الرذيلة وأخفينا الفضيلة. لقد تلاشت الوداعة واللطف والمسامحة، ليحل محلها القانون البربري وقانون العين بالعين والبقاء للأقوى. إننا أغنياء في المعرفة، فقراء في الحكمة. أغنياء في معرفة فنون الحرب والقوة، فقراء في الوداعة واللطف والحق. إننا آلات الغضب والعصبية والشقاء والهزيمة.

وكما يقول الكتاب: «وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ مُتَرَفِّقَةٌ مُذْعِنَةٌ مَمْلُوءَةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَاراً صَالِحَةً عَدِيمَةٌ الرِّيَبِ وَالرِّيَاءِ» (يع 3: 17).

لقد عرفنا كثيرين خشنين قاسيين غير مترفقين، إلا أنه بعد أن دخل الإيمان قلوبهم وعرفوا المسيح مخلصاً، صاروا لطفاء صبورين شاكرين. إن كثيرين تغيرت حياتهم وصاروا ودعاء لأنهم عرفوا المسيح وتطويباته. حقاً أن ثمار الروح: صلاح، إيمان، وداعة، تعفف.

ثانياً: الوداعة تقودنا إلى تسليم ذواتنا

أن تسليم حياتنا له معنيان متلازمان هما: «يترك ويعطي». وهو يشير إلى كلمات المسيح: «وَمَنْ أضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا» (مت 10: 39).

ويعرف الودعاء التعبير الشائع: «لا تحاربه فإنه أقوى من كلانا»، قائلين: «وأنت تحارب». والكتاب يقول: «لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيداً لِلنَّجَاسَةِ وَالْإِثْمِ… هَكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيداً لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ» (رو 6: 19).

وبدلاً من أن تعمل عقلك بالغضب، وجسدك تسلمه للخطية، وتميت روحك… قدم ذاتك كلها للرب. ستُمحى أحاسيس الشر وتختفي الاضطرابات من حياتك في غلاف الهواء الرقيق. وبعد ذلك ستبدأ في حياتك أمور جديدة، ستعرف كيف تسلمها الله… لتثمر أثمارها. ستشعر بانتمائك للحياة الجديدة ويذوب الإنسان القديم… ويملأك الأمل. ذلك لأنك سلمت حياتك في وداعة. أنك بدأت ترث الأرض التي أعدها الله للذين يحبونه ويثقون فيه كلية.

طوبى لمن سلموا حياتهم كلها لله.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى