الأسرة وحياة الشركة
في يوم الخمسين، تغير كيان جماعة التلاميذ تغيراً كلياً. ولم يكن ممكناً أن يتم هذا التحول في حياتهم دون أن يهتز كيان كل شخص منهم، بل دون أن يتزلزل المكان الذي يحتويهم. وإذا كان الحضور الإلهي قد وصف بأنه شبيه بسنة نار نازلة على كل واحد فيهم، فإن فعل الروح القدس قد أكسبهم قوة يعجز التعبير عن وصفها. وتحقق سر شركة الروح القدس في الوحدة الكاملة بين جماعة المؤمنين، فقدم كل واحد ذاته بالكلية لجماعة المؤمنين، ولم يعد لاي واحد منهم كيان مستقل عن كيان الجماعة. وسارع كل واحد بتقديم كل ما له من مقتنيات تحت أقدام الرسل تعبيراً عن هذه الشركة الكاملة بين الجميع. وكان كسر الخبز والعشاء الربي والصلوات كلها تعبيرات حية عن هذه الوحدة الكاملة بين جماعة المؤمنين (Koinonia).
الرسول بولس ومفهوم جسد المسيح
وقد أوضح الرسول بولس مفهوم حياة الشركة في الكنيسة وتناول أبعادها ووسائل تنميتها في العديد من رسائله، وعلى الخصوص في رسالته إلى كنيسة أفسس. وقد عبر عن «سر الشركة» أو الكونيونيا في صورة الجسد الواحد الذي رأسه المسيح: «إياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل…». ويتابع: «ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط… لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب…».
ويخلص الرسول بولس إلى وصف الوحدة الناتجة: «فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله، مبنيين على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب، الذي فيه أنتم أيضاً مبنيين معاً مسكناً لله في الروح».
ويؤكد على أساس هذه الوحدة قائلاً: «جسد واحد وروح واحد، كما دعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة. إله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم». (أفسس 1: 22-23؛ 2: 13-22؛ 4: 4-6).
هدف الشركة ونمو الجسد
والروح القدس هو مصدر الوحدة والتواصل في حياة الكنيسة. وتحقق حياة الشركة في الكنيسة – الإكليزيا – على قدر اهتمام أعضاء هذه الشركة كل واحد بالآخر. فما يقدمه كل عضو في جماعة المؤمنين من ذاته ومما له، ما هو إلا تعبير عن هذه الوحدة والتكامل بين أعضاء الجسد الواحد.
وتهدف حياة الشركة إلى بلوغ اكتمال الذات التي هي ثمرة لوحدة الإيمان ومعرفة ابن الله (أفسس 4: 13). وتكتمل إنسانية الإنسان من خلال العلاقات المتبادلة بين الأعضاء، ومن خلال تعامد الأعضاء على بعضهم البعض. ويبلغ كل عضو تمام نضوجه بالحفاظ على ذاتيته وفي قيامه بوظيفته الخاصة بحسب المواهب التي أعطيت له كعضو في الجسد الواحد: «إلى أن نصل كلنا إلى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى الإنسان الكامل، إلى ملء قامة المسيح. فننمو في كل شيء نحو المسيح الذي هو الرأس: ففيه يتماسك الجسد كله ويلتحم بفضل جميع المفاصل التي تقوم بحاجته، حتى إذا قام كل جزء بعمله الخاص به، نما الجسد كله وتكامل بنيانه بالمحبة». (أفسس 4: 13-16 – الترجمة الجديدة).
الأسرة المسيحية: الركيزة الأولى
الأسرة المسيحية هي الركيزة الأولى لتجديد التربية المسيحية، فالأسرة هي نواة الرعية. وكل عضو في جماعة المؤمنين هو فرد من أفراد عائلة من عائلات الرعية. وإذ نتأمل الكتاب المقدس من التكوين إلى العائلة المقدسة، فإنه لا يخفى علينا الدور الهام الذي يعطيه الوحي الإلهي للأسرة طوال عهود البشرية. فأول أسرة في حياة البشرية قام الله بتكوينها، وتعهدها برعايته، وتعهد الله إبراهيم وأسرته ومن بعده ذريته، ثم بعد ذلك عائلات بني إسرائيل الاثني عشر (الأسباط).
ويهتم الإنجيل في العهد الجديد بأن يقدم لنا أسرة يسوع، مبتدئاً بسلسلة أجداد السيد المسيح، ثم ميلاد الطفل يسوع وحياته مع أسرته. وأهتم السيد المسيح بالمشاركة في عرس قانا الجليل ومباركة هذا الزواج بحضوره. وقد نالت عائلة لعازر برعاية خاصة من رب المجد. وفي حواره مع المرأة السامرية، أولى الرب يسوع اهتماماً خاصاً بالحياة الأسرية لهذه المرأة. كما وضع رب المجد مبادئ جوهرية لتدعيم الحياة وعنى بولس الرسول في رسائله بتقديم إرشادات أسرية للعائلة لمختلف أفراد العائلة.
ويستخدم الكتاب المقدس تعبيرات مشتقة من الحياة الأسرية، وعلى الخصوص في العهد الجديد. فالمسيح «ابن» الله، والله «أبانا الذي في السموات» ونحن جميعاً «أبناء الله بالتبني» والبشر جميعاً «إخوة» في المسيح. وكرس الرسول بولس العلاقة المقدسة بين الزوجين إذ شابه بينها وبين علاقة المسيح بالكنيسة.
الأسرة كنموذج ومسؤولية
وتقدم خبرة الحياة الأسرية نماذج للفضائل المسيحية مثل المحبة والتضحية والمغفرة والإخلاص، كما أن حياة الشركة التي سعت الكنيسة منذ الكنيسة الأولى لبنيانها تتمثل بصورة كاملة في حياة الأسرة المسيحية. فجميع أعضاء الأسرة المسيحية يعيشون حياة الشركة في الممتلكات ووحدة الأهداف والحياة المشتركة، ومثل هذه الحياة الأسرية تعبر عن الحب الذي يتأسس على محبة الله في المسيح يسوع.
ولسنا بحاجة إلى تحليل كثير لإبراز الدور الذي يمكن أن يلعبه البيت المسيحي في سبيل تدعيم الإيمان المسيحي في حياة أبنائه، بل وفي حياة الكنيسة ككل. ولقد أكد قداسة البطريرك أغناطيوس الرابع في كلمته الافتتاحية لاجتماع لجنة دائرة التربية المسيحية عام 1978 (المطران أغناطيوس هزيم في ذلك الوقت) على أساسين جوهريين للتربية المسيحية: الأول: الاتصال المباشر بحياة الرعية، والثاني: نقل الكنيسة إلى البيت.
حاجة الكنيسة إلى نهج أسري متجدد
لقد حان الوقت لأن تهتم كنائسنا في عملها التربوي بحياة الأسرة ككل. فالأسرة هي المعلم الأول للطفل، الآباء والأمهات هم المثل الحي لأبنائهم في سائر نواحي الحياة. وإذا أردنا أن نأخذ الأسرة مأخذ الجد في عملنا التربوي، فإنه يتعين علينا مراجعة برامج التربية المسيحية ومناهجها وتطبيقاتها التي تنمو في الأغلب نحو الاهتمام بالإنسان كفرد، بحيث يكون للأبوين دور أساسي فيها، وأن تعد برامج للتربية المسيحية للأسرة ككل. وتهدف مثل هذه البرامج إلى تنمية الحياة الروحية للأسرة، وإحياء حياة العبادة المشتركة في البيت، والانتظام في قراءة الكتاب المقدس وحياة الكنيسة، وتعد لذلك الوسائل التربوية التي تعين البيت على أن تكون له هذه الشركة الروحية والعقلية إلى جانب الشركة في الاهتمامات اليومية.
ومن جهة أخرى تحتاج كنائسنا إلى توجيه عناية فائقة للحياة الأسرية ذاتها في ضوء ما نراه من تزايد في المشاكل العائلية بين الأزواج والزوجات وبين الآباء والأبناء. فتعد برامج خاصة تهدف إلى تقديم الحياة العائلية، تشتمل على دراسات خاصة بالحياة الزوجية، وإعداد الشباب لحياة الأسرة، وفترة الخطبة والاستعداد للزواج والتوافق الزوجي بالنسبة لحديثي الزواج وبالنسبة لقدامى المتزوجين، والعلاقات بين الآباء والأبناء، والعبادة العائلية، والترفيه في الأسرة.
مواجهة التحديات المعاصرة
وتواجه الأسرة المسيحية في مجتمع الشرق الأوسط السريع التغير ظروفاً جديدة تتطلب مواجهة من نوع جديد، فنحتاج أن ندرس ما هو حاصل في حياة الأسرة المسيحية اليوم، وكيف تبنى العلاقة بينها وبين الكنيسة بحيث تدعم كل منهما الآخر وتكمله. كما نحتاج إلى دراسة التغير الحاصل في العلاقات الأسرية نفسها، بين الأزواج والزوجات وبين الآباء والأمهات وأبنائهم. ونحتاج كذلك إلى معالجة المسائل المعاصرة في حياة الأسرة مثل الزواج المختلط والهجرة وتنظيم الأسرة.
وبعد، ففي حياة الشركة تنمو شخصيات جميع الأعضاء في صيرورة نحو الإنسان الكامل، ويعيش الجميع في التزام تام نحو المجتمع، مساهمين في بنائه والنهوض به والتصدي لما يواجهه من مشكلات على كافة المستويات.
وفي كل موقف تتعلم الكنيسة المحلية أن تلتزم بإعلان الحق، حتى ضد ذاتها، متمسكة بالشركة الكاملة مع الجميع. وتلتزم في برامجها التربوية أن تقدم رعاية خاصة للأطفال والأميين والمعاقين والمتروكين في مناطق نائية وكل من له احتياج رعوي خاص. وتعني في ذلك كله بتنمية القيادات الواعية والمدربة تدريباً حسناً تتولى مسئولية العمل في مجال التربية المسيحية، بحيث تكون قادرة على تجديد التربية المسيحية في كنائسنا، والانتقال بها إلى مستويات أعمق تكون أكثر فعالية، وتبعد بها عن العمل الروتيني مع الأطفال والشباب بمعزل عن باقي الرعية. وتنتقل بالتربية المسيحية من وضعها كقطاع شبه منعزل في خدمة الكنيسة إلى أن تصبح اهتماماً عاماً للكنيسة ككل، وتعمل مع الأسرة وفي حياة الأسرة.
ويتطلب الإعداد لمثل هذه القيادات المشاركة بين الكنائس في إعداد الدراسات والبرامج التدريبية والدورات الدراسية والاستشارية، تعمل على تعميق معنى جديد للقيادة الواعية يبعد بالقيادة عن أسلوب التلقين وينقلهم إلى الأسلوب الأصيل الذي يحقق للكنيسة من جديد أن تعاين بين قادة التربية المسيحية تلاميذ جددا يقدمون إسهامات خالدة في حياة الكنيسة، على غرار ما قدمه الرسل والتلاميذ.