القديس كبريانوس وسر الوحدة في الكنيسة

 

 

يوضح القديس كبريانوس أن تكميل تحقيق الكنيسة كجسد المسيح السري يمكن البلوغ إليها من خلال خدمة الأسقفية.

إن تلك الوحدة السرية غير المنظورة لها وجه منظور خارجي، يكمن في اتحاد الشعب مع راعيه. والقديس كبريانوس من أشهر المدافعين عن مركز الأسقفية داخل الكنيسة، وأننا يلزم أن ننصت له في كل جوانب تعليمه، ليتضح لنا أن السلطان الأسقفي هو شيء يختلف تماماً عن أي سلطان بشري بحت.


أولاً: طبيعة خدمة الأسقفية في التقليد الكنسي كما يعبر عنه القديس كبريانوس

إن القديس كبريانوس يقدم تعليمه عن «خدمة الأسقفية» مؤسساً على كلمات الوحي الإلهي نفسه، وعلى التدبير الإلهي لخلاص العالم.

فهو يعتبر الأسقفية «موهبة». وهي ممنوحة لحاملها بنفس السلطان الممنوح للقديس بطرس الرسول في قيصرية فيلبس. فكل إيبارشية أصبح لها «بطرس» متمثلاً في شخص أسقفها. فالقديس بطرس الرسول والأحد عشر يكونون نواة أو نموذجاً مصغراً للكنيسة، ونفس هذا البنيان يتكرر كلما ينمو جسد المؤمنين. كل أسقف يشغل مكان القديس بطرس داخل كنيسته، وله نفس السلطان المعطى للقديس بطرس ثم للتلاميذ الأحد عشر من بعده؛ يتوارثه الأساقفة جيلاً من بعد جيل: «ارْعَ غَنَمِي، ارْعَ خِرَافِي، ارْعَ نِعَاجِي» (يو 21: 15-17) (رسالة 26:1).

والأسقفية – بهذا المعنى وعلى هذا الأساس الإنجيلي – هي أداة الكنيسة التي تعبر عن وحدتها، فهي تمثل الكنيسة، وهي توجد من أجل الكنيسة، وهي تصير ذات معنى فقط في مضمون وجود الجماعة الحية للكنيسة.

والقديس كبريانوس – مَثَله في هذا مَثَل آباء الكنيسة الأولى – فإن أفكاره عن الموضوع ليست مصوغة في تعبيرات مجردة أو كامتيازات قائمة بذاتها تُسبغ على مقتني درجة الكهنوت بسبب منصبه أو باعتباره، هذا، ولكن كل شيء يختص بهذه الدرجة الكهنوتية مرتبط ارتباطاً مباشراً، لا لبس فيه، بقداسة حياة الجماعة المسيحية والوفاء بكل احتياجاتها الروحية.

هنا في وسط الكنيسة وجد القديس كبريانوس راحته. فالكنيسة هي المجال الروحي الذي من أجله يعيش ويعمل ويجاهد، وهي بدورها تسنده وتحوطه بتعاليمها ومواهبها.


ثانياً: الأسقف والإنسان الروحي

إن القديس كبريانوس بهذه الرؤية، يكون قد جعل الأساقفة على قدم المساواة مع «رجال الروح» الذين دعا إلى وجودهم العلامة ترتليانوس (مدفوعاً بنزعاته المونتانية ضد رجال الكهنوت). وحتى يمكن أن تكون هذه المساواة متحققة، فإن الأسقف في نظر القديس كبريانوس لا بد أن يكون متوشحاً بالروح – حتى أنه إذا سقط فلا يعود أسقفاً بعد.

والقديس كبريانوس هو أول لاهوتي يعالج موضوع «الكنيسة» كموضوع رئيسي في تعليمه، باعتبارها عروس المسيح، وأم المؤمنين، «أمنا الكنيسة» (رسالة 9: 3-4).

ونحن لا نعترف إلا بالكنيسة الواحدة الجامعة غير المنقسمة. وبالاتحاد معها يمكن للمسيحيين أن ينالوا الحياة الواحدة؛ وصاياها تؤدي إلى الطريق القويم، وخارج شركتها لا شيء سوى الخطأ والظلمة والخداع. حتى الأسرار والرسامة الأسقفية والاعتراف بالإيمان والإنجيل نفسه، لا معنى له طالما هو خارج الكنيسة.

هي جسد عضوي مترابط ذو بنيان منظور ودستور واضح وبرئاسة كنسية منظمة: الإخوة والأخوات، ثم العذارى والنساك، ثم الشهداء والمعترفون، وأولاً الإكليروس بدرجاته المختلفة، يرأسهم في كل إيبارشية الأسقف.


ثالثاً: «الكنيسة بالأسقف، والأسقف بالكنيسة»

هذا المبدأ الذي يربط تماماً بين الأسقف والرعية. إن اهتمام القديس كبريانوس أن يرى وظيفة الأسقف في وحدة جذرية مع الكنيسة – شعب الله المؤمن.

الأسقف حينما يعترف بالإيمان، إنما ينطق بفم الشعب، بإلهام الله (رسالة 82).

لم يجعل القديس كبريانوس خدمة الأسقفية أعلى من الكنيسة، لذلك أصر على الانتخاب الشعبي للأسقف، وعلى حق الشعب في رفض الراعي إذا اعتنق الهرطقة أو صار غير مستحق.

بينما يصف الرعية بأنهم «الشعب المسيحي»، و «الجنس الإلهي» الذي نال الميلاد الثاني بالمعمودية التي بها يصير الكل أولاداً لله وإخوة، ويبقون هكذا حتى الممات.

وهو يؤمن بأن السلطان المعطى للراعي ليس كسلطان البشر الذي مارسه هو من قبل (أي قبل تنصره). إن مشيئة الله أن الكاهن (يقصد الأسقف بالذات) يجب أن يُختار في حضرة كل الشعب، كما علم الله موسى أن يقيم هرون واليعازر أمام المجمع كله. حتى يُتاح للذين يعرفون المرشحين شخصياً أن يعلنوا فضائل أو أخطاء كل منهم. أما الكهنة الذين ارتدوا فيجب أن يُجرَّدوا من كهنوتهم؛ لأن الكهنة في العهد القديم كان يجب أن يكونوا بلا لوم.

والقديس كبريانوس – بعكس ترتليانوس (المعتنق بدعة المونتانية) – كان يؤمن بوجود رتبة الكهنوت المعطاة للكهنة، لكن هذا لم يمنعه أبداً أن يُشرك الشعب معه في كل قراراته العظمى؛ وكان يصف الكنيسة بأنها تتكون من الأسقف والإكليروس والمؤمنين.

وهكذا نرى أن «المنصب» لا يعامله القديس كبريانوس في ذاته بمعزل عن الكنيسة، بل في إطار مفهوم طبيعة الكنيسة وعملها.

لذلك فإن القديس كبريانوس يسعى لأن يرى كل صفات الإنسان الروحي مجتمعة في شخصية واحدة هي شخصية «الأسقف»، والإنسان الروحي الذي تتوفر فيه كل هذه المتطلبات الروحية يكون هو وحده المستحق أن يدخل ضمن عضوية مجمع الأساقفة.

«الأسقف يجب أن يكون النموذج الحي لأعضاء كنيسته».

لذلك فإن القديس كبريانوس يحزن جداً من أجل كل إخفاق يأتي من جانب الأسقف، وهو في مواجهة أعباء وظيفته، إذا كان يستغل وظيفته من أجل المنفعة الذاتية أو ينغمس في الأعمال العالمية، أو يتراجع عن إيمانه أثناء الاضطهاد.


رابعاً: ضوابط السلطان الأسقفي

إن سلطان الأسقف – بسبب الضعف البشري – ليس مطلقاً، بل هناك عوامل ثابتة تضبط هذا السلطان:

١ – أن يكون على اتصال بشركائه الأساقفة، لأنه مرتبط بأسقفية واحدة معهم:

«منذ اللحظة الأولى التي قُبلت فيها الأسقفية، جعلت مبدئي الأساسي أن لا أفعل شيئاً ما بمحض مشيئتي الخاصة، دون مشورتكم، ودون موافقة الشعب» .

إن روح القديس كبريانوس هذه تتضح أيضاً في لهجة مخاطبته حتى للقسوس:

  • «رفقائي (أو شركائي) القسوس»

  • «إخوتي المحبوبون القسوس والشمامسة»

  • «شريكي القس»

٢ – وهو لا يتصرف إلا على مستوى ناموس الله، في اتفاق مع تقليد الكنيسة المقدس، وعلى هدى المبادئ التي اتبعها سلفاؤه.

٣ – مبدآن أساسيان في القانون الكنسي، يعبر عنهما القديس كبريانوس:

أ) القديس كبريانوس يحرص ألا يستحدث «اعتباطاً» قانوناً جديداً في الكنيسة.

ب) المخالفات لا يجب أن تُرتكب تحت ادعاء أنها سبق وارتُكبت في الماضي. ليس معنى أن خطأ حدث في وقت ما أن يُسمح بأن يتكرر هذا الخطأ دائماً. لقد كان هذا المبدأ هو الذي يحرك ضمير الكنيسة الحي على مدى الأجيال. فإذا حدث أن المعنى الحقيقي لقرارات الكنيسة القديمة نُسي أو تشوَّه، أو استُبدلت التقاليد الصحيحة بتقاليد أخرى، فهذا لم يكن يعني البتة أن يصير الخطأ المتكرر قانوناً.


خامساً: الاتحاد بين الأساقفة

وحدة الكنيسة بأجمعها تنبع من العهد الراسخ بين الأساقفة المترابطين معاً باتحاد متبادل، كمثل وحدة كل إيبارشية التي تتحقق في عهد خضوعها المشترك مع أسقف واحد.


سادساً: ولاء القديس كبريانوس للكتاب المقدس

إن القديس كبريانوس وهو يعترف بولايتي للتقليد، يعترف ضمناً وصراحة أيضاً بالولاء المطلق لحق المسيح غير المتغير الذي عاشت به الكنيسة دائماً. والقديس كبريانوس لاهوتي يعتمد على الكتاب المقدس، وهو يحس في نفسه أنه أولاً محكوم بالكتاب. والكتاب يحمل سلطاناً مطلقاً على كل أحد، وعلى الأخص لمن يحملون أية وظيفة في الكنيسة.

«الكتاب المقدس يُوضع كحكم بين الآراء المتعارضة في أي مجمع» (رسالة 51: 6).


سابعاً: «التعليم» في خدمة الأسقفية

والقديس كبريانوس ينظر إلى الأسقف أنه مُعلِّم أولاً، وهذا أمر يأخذه مأخذ الجد. فوظيفة «التعليم» ليست امتيازاً، لكنها واجب ومسؤولية جديران بالاعتبار. ففهم حق الإنجيل وأساسيات العقيدة، وفوق الكل واجبات السلوك المسيحي، هي أساسيات لا غنى عنها. فالأسقف لا بد أن يحفظ الحق التقليدي للكنيسة، والأمر في هذا لا يحتاج إلى مهارة شخصية أو مواهب فائقة، بل إلى دراسة واجتهاد شخصي دائم.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى