الحياة الرسولية

 

 

يلذُّ لنا أن نتأمل في حياة آبائنا الرسل الأطهار؛ لأن دراسة حياتهم ينبوع إلهام لا ينضب، وطاقة روحية نارية لا تهدأ. كلما تعرفنا على أسلوب حياتهم، كلما بكينا الروح على أحوالنا ومعيشتنا. وكلما تعمقنا في نمط خدمتهم، كلما حزنا على مستوى الكرازة والعبادة التي نمارسها.

تلاميذ المسيح
AnonymousUnknown author, Public domain, via Wikimedia Commons
  • الحياة الرسولية جذوة نار مشتعلة، وكل من يقترب منها روحياً يلتهب: الحياة الرسولية حب إلهي منسكب، وكل من يعشقها تكوى قلبه لواعج الحب والهيام بالمحبوب.

  • الحياة الرسولية هي الكنيسة في أصالتها، وكل من يريد أن يكون أميناً في عضويته، فمعاييره تُقَام على نمط هذه الحياة الإلهية النقية.

نود في هذا المقال أن نلمس ثلاثة معالم لطريقة الرب التي اختبرها وعاشها آباؤنا الرسل القديسون الكرام.

1. حب شديد للمسيح

لعل أول ما يحسه قارئ سفر أعمال الرسل، أن الذين عاشوا القرن الأول الميلادي كانوا ممتلئين حباً لشخص الرب يسوع. كان فرحهم، كان حبهم، كان غذاؤهم وطعامهم اليومي، عزاؤهم وموضوع صبرهم ورجائهم. كان الشاغل الوحيد لقلوبهم ومشاعرهم. كان موضوع كرازتهم وخدمتهم وعبادتهم. كان كل شيء لهم، بل لم يكن لهم في الحياة غيره.

  • منهم من باع الحقول ووضع الأموال عند أقدام الرسل، وطفق فرحاً مع زوجته في انطلاق حرية مجد أولاد الله، لا يطلب سوى أن يرضى شخص الحبيب.

  • منهم من ترك الأب والأم والإخوة والأهل، وجال مبشراً بالكلمة، مشتتاً ليس له أين يسند رأسه، ولكن حب الرب يسوع كان له دفئاً في الشتاء القارس، ونسمةً عذبة في الصيف اللافح.

  • منهم من قُدِّمَ للوحوش الكاسرة، فكان تواقاً لهذا اللقاء الذي سينهي أيام الغربة، ويدخله أفراح عُرس الزفاف.

كانوا يُجلدون ويهانون ويسجنون ويضربون، «وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع؛ لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه» (أع 5: 41). في هذا أنشد المغبوط بولس كلماته الخالدة قائلاً: «مَنْ سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عُري أم خطر أم سيف؟! كما هو مكتوب: إننا من أجلك نمات كل النهار. قد حُسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا» (رو 8: 35-37).

  • لم يكن حب المسيح فيهم عواطفَ ومشاعرَ فقط، وإنما كان سلوكاً وحياة: «يا أولادي، لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق» (1 يو 3: 18).

  • ولم يكن حب المسيح خليطاً بمحبة غريبة تفسده، وإنما كان عندهم غاية الوصية، ومن قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء.

  • لم يكن حب المسيح عندهم طاقةً محبوسة في حياتهم، وإنما كانت طاقة بذل وخدمة واحتمال لجميع الذين يحبونهم، والذين يضطهدونهم أيضاً.

محبة المسيح وحدت الكنيسة في ألفة ووحدانية لم يعرف التاريخ لها مثيلاً. كانوا يصلون معاً، كانوا يتناولون الطعام ببساطة وابتهاج معاً، كانوا يواظبون على سر الشركة معاً، كانوا يقرأون تعليم الرسل ووصاياهم بروح الخضوع والطاعة العملية معاً. كانوا حباً، وكل من يقترب منهم يصير محباً ومحبوباً. فقدوا الملكية ليكونوا كياناً.

وكل من يريد أن يكون ابناً للرسل، فهذا هو الطريق وليس سواه: قلب مفتوح لحب الرب يسوع، تنازل عن كل غِنى داخلي، وافتقار قلبي أصيل، وانفتاح وعطاء وبذل كامل للجميع. هذه هي النار التي ألقاها الآب من السماء، وطلب الابن أن تضطرم.


2. طاعة مخلصة للروح

كما كان يسوع حبيبهم، كان الروح قائدهم ومرشدهم، يأخذ مما للمسيح ويخبرهم. لم يكونوا ملكاً لأنفسهم، ولكنهم كانوا آلات طيعة في يد الله، يحركها الروح كيفما يشاء. لم يكونوا معاندين، ولم يكونوا متباطئين. علمتهم النعمة رهافة الحس الروحي، ودربتهم طريقة الرب على التمييز بين صوت الروح وصوت الجسد والذات.

كانت طاعتهم في الحق؛ لأنه «ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس». وكانت طاعتهم واعية مستنيرة؛ لأن البصيرة الداخلية والمسحة التي من القدوس فيهم، كانت تعلمهم كل شيء وتُبصِّرهم بكل شيء. كانت طاعتهم فرحة، فلم يكن فيهم القهر والاضطرار، وإنما كان فيها السرور لتنفيذ مقاصد الله وتتميم مشيئته المباركة.

  • يحكي لنا سفر أعمال الرسل كيف أن نبياً اسمه أغابوس أخذ منطقة بولس، وربط يدي نفسه ورجليه، وقال: «هذا يقوله الروح القدس: الرجل الذي له هذه المنطقة، هكذا سيربطه اليهود في أورشليم… لأني مستعد ليس أن أربط فقط، بل أن أموت أيضاً في أورشليم، لأجل اسم الرب يسوع» (أع 21: 10-14).

  • وفي وضوح تام يبين هذا السفر كيف كان الروح يقود الخدمة، فيقول: «وبعدما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية، منعهم الروح القدس أن يتكلموا بالكلمة في آسيا. فلما أتوا إلى ميسيا، حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينية، فلم يدعهم الروح» (أع 16: 6-7).

  • وفي موضع آخر يقول: «وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه» (أع 13: 2).

وعندما كانت تظهر في الحياة الرسولية شوائب تهدد نقاوة عمل الروح، لم يكن الرسل متهاونين في بتر كل عضو غريب، وكل عمل يتنافى مع طهارة الروح وقداسة فاعليته.

  • إماتة حنانيا وسفيرة نموذج جبار لحرص كنيسة الرسل على طاعة الروح: «ما بالكما اتفقتما على تجربة روح الرب؟!» (أع 5: 1-11).

  • وتوبيخ بطرس الرسول لسيمون، مثال عملي آخر على الأمانة الحقيقية في السلوك بالروح لا بالجسد: «لتكن فضتك معك للهلاك؛ لأنك ظننت أن تقتنى موهبة الله بدراهم. ليس لك نصيب ولا قرعة في هذا الأمر» (أع 8: 18-21).

  • وإليماس الساحر الذي حاول مقاومة الروح طالباً أن يفسد الوالي عن الإيمان، شخص إليه بولس ممتلئاً من الروح وقال له: «أيها الممتلئ كل غش وكل خبث، يا ابن إبليس، يا عدو كل بر… الآن هوذا يد الرب عليك، فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين. ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة، فجعل يدور ملتمساً من يقوده بيده» (أع 13: 8-11).

وعندما اختلف الرسل في قضية التهوّد، لم يتحيزوا ولم ينقسموا أحزاباً وشيعاً. فعندهم الروح الذي يخضعون له، يرشدهم ويوجههم، ويقودهم ويبصرهم، يعلِّمهم كل الحق، فلا يكونوا في عوز إلى مشورة، كما لا يدعهم يسلكون في ضباب. اجتمعوا في مجمع أورشليم الأول وخرجوا يقولون: «رأى الروح القدس ونحن، أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة» (أع 15: 28).


3. خدمة وكرازة نارية

لقد وعد الرب يسوع تلاميذه الأطهار قائلاً: «متى حلَّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة، وإلى أقصى الأرض» (أع 1: 8). ولقد حقق الرسل وعد الرب، وطفقوا يبشرون بإنجيل ربنا يسوع، ويشهدون لموته وقيامته.

وكانت شهادتهم بسيرتهم قبل أن تكون بكلامهم، وبحياتهم قبل أن تكون بوعظهم. كانوا صادقين في خدمتهم، وكان الروح يؤازر الكرازة، ويشهد لصدقها وأصالتها، فكان يصنع المعجزات التي تبرهن على رضا السماء عن الخدمة، وقبول الأقداس الإلهية لذبائح الخدمة المرضية.

ولم تكن الخدمة أيام آبائنا كرامةً ومركزاً وصيتاً وسمعةً، بل كانت صليباً واضطهاداً وتعباً وتعييراً وضيقاً. ولكن يقول الكتاب: «أما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس، فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكية، وهم لا يكلمون أحد بالكلمة إلا اليهود فقط… وكانت يد الرب معهم، فآمن عدد كثير، ورجعوا إلى الرب» (أع 11: 19-21).

وكما كانت الكرازة الرسولية مبهجة في سرعة انتشارها، إلا أنها مذهلة أيضاً في عمق أصالتها. فقد حرص الرسل على أن تكون «ببساطة الإنجيل» أو «بجهالة الكرازة»، على حد تعبير الرسول بولس. لم تدخلها تعقيدات فلسفية ولاهوتية وأيديولوجية، وإنما كانت بسيطة وعميقة، سهلة وقوية وجبَّارة. في هذا يقول رسول الجهاد: «وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة؛ لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله» (1 كو 2: 4-5).

كان منهج الكرازة تسليماً روحياً شخصياً مباركاً: «وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري واضطهادي وآلامي، مثلما أصابني في أنطاكية…» (2 تي 3: 10-11). ويقول بولس لنفس تلميذه: «تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني، في الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع. احفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا» (2 تي 1: 13-14).

لأجل هذا كانت كرازة نارية وخدمة نقية، وإنجيلاً معاشاً ومقروءاً من جميع الناس.


ختامٌ وصلاة

  • يا روح الله القدوس، يا من سكبت نار الحب في قلوب الرسل، اسكب هذا اللهيب المبارك في قلوب أولادك، لتذيب الثلوج، وتوقظ الغافلين، وتؤرِّق المتهاونين.

  • يا روح الله القدوس، يا من كنت تقود الخدمة في صغيرها وكبيرها في ذاك الزمان، الآن أيضاً أمسك القلوب والعقول.

  • يا روح الله القدوس، يا من حفظت الكرازة الرسولية نقية في عمقها وطولها وعرضها وعلوها، الآن أيضاً احفظنا جميعاً تحت مظلتك.

لك المجد مع الآب والابن، إلى الأبد. آمين.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى