الاضطهادات العشرة وشهداؤها
شهداء الأساقفة
وقد تفنن القياصرة وعمالهم في جميع أنحاء الولايات الرومانية في التنكيل بالمسيحيين والقضاء عليهم بطرق شتى، فكانوا يعذبونهم بوخز الحراب، ونزع الأظافر، ودهن أجسادهم بالعسل وتركها للسع الزنابير، وكيها بالحديد المحمي، وتمشيطها بأمشاط من فولاذ حاد. كما كانوا يقتلونهم بالسيف، أو يطرحونهم للوحوش الضارية، أو في النيران المتقدة، ناهيك عن الهنبازين ومراجل الزيت المغلي، ووضع الضحايا في غرائر وهم مكتوفو الأيدي وطرحهم في أعماق البحار. وأحياناً كانوا يبتكرون بعض الأساليب الجهنمية فيربطون رجلي الشهيد في غصني شجرتين متضادتين حتى إذا ما تحرك الريح العاصف مزقه بصورة وحشية عنيفة.

وأول دم مسيحي أريق على أديم بلادنا المصرية كان دم القديس مرقس الإنجيلي، رسولنا العظيم وكاروزنا الجليل المبارك، الذي استشهد على يد الوثنيين بمدينة الإسكندرية في 30 برمودة الموافق 26 أبريل سنة 68م، ودفنت رفاته الطاهرة في الكنيسة التي أنشأها، ثم نقلت فيما بعد إلى مدينة البندقية.
ومن ثم انفتح باب الشهادة على مصراعيه في مدينة الكرازة. وحاول العصاة في بادئ الأمر استئصال قادة الشعب من رجال الإكليروس حتى تضطرب الصفوف في الكنيسة الناشئة. فاستشهد سنة 104م في الاضطهاد الثالث الذي أثاره تراجان، القديس كردونوس البطريرك الرابع من باباوات الكرسي الإسكندري، وذلك بعد أن برهن للوالي على ألوهية المسيح وأفهمه أن أتباعه لا يرضون بغيره بديلاً مهما كلفهم الأمر من مشقة.
ولما شرع مكسيميانوس في ملاشاة المسيحيين ومطاردة أحبارهم في الاضطهاد العاشر، قبض على البابا بطرس الأول البطريرك السابع عشر بينما كان يطوف بين شعبه واعظاً ومشجعاً، وحكم عليه بالموت. ولكنه إذ كان يخشى هياج الشعب المسيحي وخاصة في مدينة الإسكندرية، أودعه السجن ريثما يتمكن من تنفيذ العقوبة. أما البابا، فعندما علم بنية القيصر ورأى أبناءه يرابطون حول أسوار السجن ويحدقون به من كل جانب، خاف أن تفلت من يده فرصة الشهادة التي كان يستعذب مذاقها. فاتفق مع حارسه أن يخرجه من ثقب معين في أحد الأسوار على أن يمكنه قبل موته من زيارة قبر مرقس الرسول.
ولما كان الحارس يريد أن يقدم خدمة لحكومة القيصر بتنفيذ العقوبة في رئيس الكهنة المعتقل، أجاب مطلب البابا وخرج به بعيداً عن رؤية مناصريه حتى وصل به إلى ضريح الكاروز. وهناك أمام مثواه المكرم أخذ يناجيه قائلاً: «أيها الشهيد الكريم صاحب إنجيل ابن الله الراقد في هذا المكان المقدس، أتراني أهلاً أن أستريح بجانبك؟». ثم رفع وجهه نحو السماء وقال بصوت تختنقه العبرات: «أيشاء الله أن يجعل دمي حداً لعبادة الأصنام واضطهاد المسيحيين؟». فسمع صوتاً من العلاء يقول: «آمين». ومن ثم انطلق فرحاً نحو المكان المعين، وهناك قدَّم عنقه للجلاد بكل ثبات وعزيمة، فهوى عليه بسيفه الغاشم وأطار هامته المقدسة، فانطلقت روحه الطاهرة نحو مقر الراحة بين هتاف الملائكة وتهليل الصديقين. وتعيد الكنيسة لذكراه في التاسع والعشرين من شهر هاتور.
ومن الأساقفة الأجلاء الذين قدموا نفوسهم على مذبح التضحية في القرون الثلاثة الأولى الأنبا بسوره أسقف مدينة «مصيل» التي لا تزال أطلالها قائمة إلى الآن قرب قرية «بستتاوي» من أعمال أبو حمص. فهذا الراعي الطوباوي جمع شعبه قبل خروجه للشهادة وعرفهم بنواياه الحميدة وأوصاهم أمام المذبح بحفظ وصايا الرب. وبعد أن ودعهم ذهب إلى مدينة الوالي ومعه ثلاثة من الأساقفة لم يفصح كاتب السنكسار عن أسمائهم الكريمة. فلما عرف الحاكم أنهم من قادة النصارى أمر بضرب أعناقهم، فاستشهدوا معاً في التاسع من شهر توت.
نماذج من الشهداء الأساقفة
وقدمت أيضاً مدينة «تومايس» المعروفة حالياً بتمي الأمديد، عدداً وافراً من الشهداء الأفاضل يتقدمهم القديس ميلياس أسقف المدينة التي كانت وقتئذ من أشهر إيبارشيات الكرازة المرقسية وأقدمها عهداً.
ومات مستشهداً في عهد دقلديانوس القديس سرابيون أسقف نقيوس وهي الآن «زاوية رزين» من أعمال المنوفية. وقد كان هذا الأسقف يهودياً فقبل المعمودية من البابا ثاؤنا السادس عشر ونال رتبة الأسقفية من البابا بطرس البطريرك السابع عشر. وتعيد الكنيسة لذكراه المباركة في الثامن والعشرين من شهر هاتور.
وانتقل في عهد دقلديانوس بعد ضرب عنقه الأنبا أبسادي أسقف «ابصاي» المعروفة الآن بالمنشاة في السابع والعشرين من شهر كيهك. ولحق به في الثاني من شهر طوبه الأنبا غلينيكوس أسقف أوسيم، الذي بعد أن تزود مع شعبه من السرائر المقدسة أقبل نحو الوالي يتقبل عذاباته بصبر وشجاعة إلى أن أسلم روحه الطاهرة بيد المسيح الذي أحبه.
ويعوزنا الوقت لو تحدثنا عن أنواع التضحية المجيدة التي أناها الآباء الكهنة الذين اقتدوا بمعلميهم من الأساقفة، فكانوا يسبقون رعاياهم نحو ميدان الشهادة، وهناك يقدمون ذواتهم قرباناً للرب الذي قهر الموت من أجلهم وأنار أمامهم طريق الخلود.
شهداؤنا من العلمانيين
لما رأى الشعب أحباره يقدمون أنفسهم للموت دون خوف أو وجل، اندفع هو أيضاً نحو الشهادة متشبهاً بهم، فمات منه مئات الآلاف بكل أنواع الوسائل الجهنمية الفتاكة التي جادت بها قرائح السفاحين. وكان أكثر الشهداء عدداً هم الذين قضوا نحبهم في الاضطهاد العاشر الذي أثاره ديوكلتيان واشترك معه في إضرام نيرانه زميلاه الشريران غاليريوس ومكسيميان، حتى قدَّرهم بعض المؤرخين بثمانمئة وأربعين ألفاً («تاريخ الكنيسة القبطية» ص232). ولو أحاط التاريخ علماً بجميع هؤلاء البررة لاحتجنا إلى مئات المجلدات لتسجيل أسمائهم فقط. لهذا رأينا أن نكتفي بذكر بعض الشخصيات الشهيرة التي خلد التاريخ أسماءها وذكراها.
أعلام شهداء العلمانيين
فممن قضوا في الاضطهاد السادس، الخطيب ليونيدس والد العلامة أوريجانوس، الذي استشهد في الإسكندرية سنة 203 على عهد الإمبراطور سبتيموس سافير. ولقد كان لمقتل هذا القديس أثر بالغ في حياة ابنه الجهبذ العظيم، الذي كان دائماً يتوق لنوال الشهادة ولكن لأسباب خارجة عن إرادته لم يتشرف بها.
ومن النجوم المصرية اللامعة التي تلالأت في فلك الشهادة القديس مينا، الذي ولد بمربوط في منتصف القرن الثالث وتجند لخدمة البلاد في عهد الاحتلال الروماني. ولما رأى أن الوالي يريد أن يفرض عليه عقيدة معينة تتنافى مع دينه المجيد ثار لكرامته ولم يتجاوب مع المستعمر الغاشم، فأماته ظلماً وعدواناً. وتعيد الكنيسة لذكراه العاطرة في الخامس عشر من شهر هاتور.
وتتحدث المخطوطات القديمة ومن بينها السنكسار عن القديس إسحق الدفراوي، الرجل المصري العظيم الذي عُذِّب ولم يقبل النجاة لينال قيامة أفضل، وكيف كان يتكلم مع جلاديه بروائع الأدب المسيحي. وقد أكرمته الكنيسة بعد أن مات مغتبطاً بجهاده، وجعلت اليوم السادس من شهر بشنس عيداً لذكرى انتقاله. كما استشهد من رؤساء مدرسة الإسكندرية في اضطهاد فاليريان سنة 282م العلامة بيروس الملقب بأوريجانس الصغير. وهكذا قدَّم نفسه على مذبح التضحية كثيرون من أبطال الإيمان برز من بينهم أبانوب النهيسي المولود في نهيس من أعمال طلخا، وتادرس الشطبي، وأدريانوس والي أنصنا الذي بعد أن جرَّع كثيرين كؤوس العذاب أقبل على الموت بمحض إرادته بعد أن تأكد من دعوة السماء، وأبسخيرون القليني صاحب السيرة النقية، وشنوده البهنساوي، وأباهور السرياقوسي، وباسيليوس، وتادرس، وتيموثاوس شهداء الإسكندرية، وغيرهم ممن يضيق بهم المقام.
يوليوس الأقفهصي: كاتب سير الشهداء
أما أبرز الشهداء المدنيين وأكثرهم عملاً وإنتاجاً وتضحية – بلا منازع – فهو القديس يوليوس الأقفهصي، الذي أقامه الرب حتى لا تذهب دماء شهدائه هدراً أو تترك فتدرج في عالم النسيان. فقد جاء عن هذا الرجل الكامل الغيور أنه كان يرافق الشهداء إلى الميدان المعد لتنفيذ العقوبة معزياً ومشجعاً بكلماته الإيمانية وعباراته الحارة القوية. وبعد أن تنتقم الحكومة من ضحاياها، كان يقوم بحمل الجسد أو جمع الأشلاء المتناثرة ويعمل على تكفينها بالكتان النقي والأقمشة الجديدة التي كان يأتي بها خصيصاً لأغراض كهذه.
وعندما يفرغ من دفن الجسد أو نقله إلى المكان الذي أوصى به الشهيد قبل موته، أخذ في تدوين سيرته الشهية، وذلك بمساعدة غلمانه الثلاثمائة الذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة باللغتين اليونانية والقبطية. وفي معظم الأحيان كان الأقفهصي يقوم بعمل السامري الصالح، فيأخذ إلى بيته الجرحى الذين عذبوا ولم تكمل شهادتهم، فيضمد جراحهم ويطعمهم ويعمل على تخفيف ويلاتهم ولا يطلقهم إلا إذا تعافوا. ونحن مدينون لهذا القديس بكل الأخبار الشهية التي وصلت إلينا عن شهداء الحق الأفاضل، والذي لولاه لصاروا نسياً منسياً. وأخيراً، وبعد حياة مرضية حافلة بالخدمات الرسولية الجليلة، توجَّه الرب بإكليل الشهادة فصار كواحد منهم، وسفك دماءه الطاهرة في اليوم الثاني والعشرين من شهر توت الذي صار عيداً كنسياً لذكرى انتقاله.
شهداؤنا في الخارج
هذا ولم يكتف قياصرة الوثنية بما فعلوه بالمصريين في داخل بلادهم، بل عندما نشبت الثورة في فرنسا بعث مكسيميانوس بالفرقة الطيبية إلى هناك. ولكن قبل أن يشترك رجالها في أي عمل حربي، استدعاهم الطاغية وطلب منهم السجود في بيت الأوثان، فلما رفضوا أوامره شك في إخلاصهم وأوجس خيفة منهم فذبحهم داخل معسكراتهم، وفي مقدمتهم موريس الذي أعدم في مدينة آجون فسميت فيما بعد باسمه، «سان موريتز»، وذلك كما أفاد الأب بول دورليان في الجزء الثاني من كتابه «قديسو مصر»، المطبوع بأورشليم سنة 1923.
المرأة والشهادة
عندما اشتدت قسوة القياصرة وتأججت نيران الشر في قلوب ولاتهم، فساقوا الأبرياء من رعاياهم إلى ميادين القتل والعذاب، لم تجزع المرأة القبطية عند رؤيتها لهذه المجازر الرهيبة أو تتراجع إلى الوراء، بل تقدمت محتجة على أعمال العنف معلنة إيمانها بالسيد المسيح.
شهيدات بارزات
فاستشهدت في منف على عهد البابا أوما نيوس البطريرك السابع القديسة صوفيا، التي نقل الملك قسطنطين رفاتها إلى عاصمته الجديدة وبنى عليها كنيسة أجيا صوفيا، التي أكمل بنيانها وزخرفتها فيما بعد الإمبراطور يوستنيانوس (527-565م)، وظلت مفخرة الكنائس في كل بلاد الشرق حتى حولها السلطان محمد الفاتح إلى مسجد سنة 1453م.
كما تحدثت الإسكندرية في خشوع وإجلال عن الجارية الحسناء بوتامينا العفيفة، تلميذة أوريجانوس العظيم، التي سيقت إلى مراجل الزيت المغلي سنة 203م لأنها رفضت التفريط في عرضها لمخدومها الجبان، واعتزت بالمسيح الفادي الذي أعانها وقت الشدة وأراها كيف تكون الديانة المقبولة وقيمة الحياة الطاهرة النقية. وقد لحقت بها أمها الشهيدة مارسلا في الوقت نفسه حرقاً بالنار، وذلك في الاضطهاد السادس.
ويذكر البابا ديونسيوس الرابع عشر في مذكراته التي بعث بها إلى فابيان البطريرك الأنطاكي، أنه في الاضطهاد الثامن الذي أثاره ديسيوس أو داكيوس (245-251م)، قبض رعاع الوثنيين على عذراء عفيفة كانت قد هرمت وشاخت في خدمة الرب، وأخذوا يضربونها بشدة على فكيها لتنكر المسيح، إلا أنها صبرت وتجلدت ولم تمكنهم من رغباتهم، فلما وقفوا على ثباتها ألقوها في النار حتى صارت رماداً.
وفي سنة 307م ذهبت ضحية إيمانها في مدينة الإسكندرية على عهد مكسيمانوس قيصر الفتاة المصرية النبيلة القديسة كاترين، التي خلعت عنها نير الوثنية وقبلت المسيح رباً وفادياً، واستشهدت وهي في التاسعة عشرة مضحية بجمالها الفاتن وثقافتها الفلسفية الممتازة، وهي التي كُرِّس باسمها دير السيدة العذراء الواقع في سفح جبل موسى بشبه جزيرة سيناء.
وقد تركت المذلات التي تحملتها هذه القديسة أثراً قوياً في نفس فوستينا زوجة القيصر، فتنصرت واستشهدت مع القائد بيرفيريوس الذي ذهب معها إلى سجن الشهيدة كاترين ليعزياها في محنتها، فرسمت لهما طريق الحق والخلاص فتعمدا ونالا إكليل الشهادة.
القديسة دميانة ورفيقاتها
وتحتل منزلة رفيعة بين الشهيدات المصريات القديسة دميانة، الابنة الوحيدة لمرقس حاكم البرلس ووالي الزعفران. وكانت قد اعتزلت الحياة برفقة أربعين من العذارى الطاهرات يقضين حياتهن في النسك والتبتل. فلما علمت بارتداد أبيها وتضحيته للأصنام إرضاء لدقلديانوس قيصر، غضبت وأرسلت تلومه بعبارات قوية حتى عدل عن رأيه وأعلن إيمانه بالمسيح ومات مستشهداً. فلما بلغ الطاغية أن دميانة هي التي حرضت والدها على التمسك بالنصرانية، أرسل إليها قوة عسكرية تخيرها بين الارتداد أو القتل. فرفضت أوامر القائد ورحبت بالموت في سبيل احتفاظها بالإيمان القويم، فاستشهدت مع رفيقاتها اللواتي أقبلن على السيف في إقدام وجرأة. وتعيد الكنيسة لهن في الثاني عشر من شهر بشنس، وتقام الاحتفالات الدينية في ديرها الذي لا يزال عامراً ببراري الزعفران.
وإن نسينا فلا ننس الشهيدات المغبوطات: القديسة رفقة العفيفة، ومورا زوجة القديس تيموثاوس شماس كنيسة برابى من أعمال الصعيد، والأم دولاجي التي تحتفظ برفاتها الطاهرة مدينة إسنا. وغيرهن من النساء الفضليات اللواتي لم يستطعن البقاء حتى يأتي إليهن المسيح، بل أسرجن مصابيحهن بالدماء وسرن إلى حيث يقيم العريس.
المراجع:
- السنكسار القبطي.
- يوليوس الأقفهصي. سير الشهداء (Acts of the Martyrs). النسخة العربية: ترجمة وتحقيق القمص تادرس يعقوب ملطي.
- أوسابيوس القيصري. تاريخ الكنيسة (Historia Ecclesiastica).