القديس بطرس: قصة حياة نسجتها النعمة
إلى الأمم
وجه بطرس خدمته في البداية إلى «خراف بيت إسرائيل الضالة» (مت 10: 6) «وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة» (أع 1: 8). ثم جاءت الإشارة لكي تنطلق البشارة إلى أقصى الأرض.. إلى الأمم.
فها هو ملاك الرب يظهر لكرنيليوس قائد الكتيبة الإيطالية في قيصرية ويقول له: «صلواتك وصدقاتك صعدت تذكاراً أمام الله. والآن أرسل إلى يافا رجالاً واستدعِ سمعان الملقب بطرس» (أع 10: 1-5). ثم كانت رسالة موجهة إلى بطرس الذي غاب في رؤيا: «وإذا السماء مفتوحة وإناء متسع فيه كل دابات الأرض وطيور السماء، وصوت يقول: قم يا بطرس اذبح وكل… ما طهره الله لا تدنسه أنت» (أع 10: 9-16).

وبدخول رُسل كرنيليوس الثلاثة بدأت الرؤية تتضح. فها هو الرب يدعوه لكرازة الأمم وقبولهم. فقام بطرس ومضى إلى كرنيليوس الذي كان في استقباله وسجد له. ولكن بطرس أقامه قائلاً: «قم أنا أيضاً إنسان». ثم ألهمه الروح أن يقول: «بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه. بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده… وأن الكلمة يسعل المسيح هو رب الكل» (أع 10: 34-36).
وأعلن الرب قبوله للأمم بحلول الروح القدس على الحاضرين حتى أنهم تكلموا بألسنة كما جرى يوم الخمسين. حينئذ قال بطرس: «أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعتمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضاً؟» (أع 10: 44-47).
هكذا نرى بطرس خادماً للختان وأيضاً للأمم.. قبل أن يختار الله بولس لهذه الخدمة الجديدة.
بطرس وبولس
في الوقت الذي وجه فيه الروح بطرس إلى كرازة الأمم، كانت عينا الرب الفاحصتان تلاحقان واحداً من مضطهدي الكنيسة، جاء ذكره في الكتاب أول ما ذكر: «والشهود خلعوا ثيابهم عند رجلي شاب يقال له شاول.. وكان شاول راضياً بقتله» (أع 7: 58، 8: 1).
وسط حماسه لمقاومة الإيمان الجديد واندفاعه لتهديد المؤمنين وقتلهم، استوقفه الرب في مشهد واختاره فيه ليكون رسولاً للأمم «وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله» (أع 9: 20).
بعد فترة من الاعتكاف في البرية – كما يذكر القديس بولس في مقدمة رسالته إلى أهل غلاطية – عاد إلى دمشق. وبعد سنوات ثلاث صعد إلى أورشليم. في البداية لم ينجح شاول الذي صار اسمه بولس في الالتصاق بالتلاميذ، ولكن برنابا قدمه إليهم والتقى ببطرس الذي مكث عنده خمسة عشر يوماً، كما التقى بيعقوب أخي الرب. وبعد أربع عشرة سنة اجتمع ببطرس وسائر التلاميذ حيث أعطوه يمين الشركة مع برنابا ليكرزا للأمم (غل 2: 9).
ويشير القديس بولس أن القديس بطرس رغم تعامله مع الأمم كان يخفي ذلك أمام المؤمنين من أهل الختان. مما دعا بولس إلى لومه علناً في أنطاكية مؤكداً أن «الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح» لأنه «إن كان بالناموس بر فالمسيح إذاً مات بلا سبب» (غل 2: 16، 21).
كان لبطرس بلا شك هيبته بين جماعة التلاميذ المؤمنين وكان مع يعقوب ويوحنا «المعتبرين أنهم أعمدة» (غل 2: 9)، ولكن لم تكن له أو لغيره حصانة أو عصمة تمنع مراجعته أو الاختلاف معه دون أن يفسد ذلك شركة المحبة والإيمان «بالذي ليس بأحد غيره الخلاص» (أع 4: 12).
فلا يذكر الكتاب أن بطرس غضب على بولس أو قاطعه. بل أن بطرس في نهاية رسالته الثانية يذكر القديس بولس بوصفه «أخاه الحبيب» (2 بط 3: 15)، ويشير إلى ما جاء في رسائله عن مجيء الرب الثاني وكيف يشكك فيه البعض من غير ثابتين بتحريف ما يعسر فهمه منها.
كما ظلت خدمتهما متكاملة حتى النهاية عندما قدما حياتهما معاً على مذبح الحب في روما.
رسالتان
بعد حوالى ثلاثين سنة من الكرازة في أورشليم واليهودية وخارجهما، مضى بطرس إلى روما وقت الاضطهاد النيروني. ومن هناك كتب بأسلوبه الفريد رسالتيه إلى إخوته الذين تشتتوا من جراء الاضطهاد، في بنتس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبيثينية، يعزيهم ويشجعهم على الصمود في الإيمان والسلوك بالقداسة والتطلع إلى مجيء الرب.
وهاتان الرسالتان لم تكتبهما يد الصياد عديم العلم، وإنما كتبهما الروح القدس بيد بطرس، كما يشير القديس بطرس إلى ذلك في رسالته الثانية: «لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس» (2 بط 1: 21).
وحتى إن قيل إن بطرس لم يكن يعرف اليونانية، وإنه من المحتمل أن تلميذه المحبوب القديس مرقس «مرقس ابني» (1 بط 5: 13) عاونه في الكتابة بهذه اللغة، فلم يكن بطرس أو مرقس هما اللذان كتبا «لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم» (مت 10: 20).
ليس هنا مجال عرض الرسالتين وشرحهما بالتفصيل، ولكننا فقط نشير إلى عناصرهما الأساسية وبعض الآيات المختارة المتعلقة بها:
(أ) الحث على حياة القداسة ومحبة الإخوة إعلاناً عن إيمانهم وميلادهم الثاني (1 بط 1، 2، 4، 2 بط 1)
– «نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين في كل سيرة» (1 بط 1: 15).
– «فسيروا زمان غربتكم بخوف، عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب.. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح» (1 بط 1: 17-19).
– «مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد» (1 بط 1: 23).
– «وَكأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تتموا به» (1 بط 2: 2).
(ب) التشجيع على قبول الألم تزكية لإيمانهم واقتداء بالمسيح وتطلعاً إلى المجد(1 بط 2، 3، 4، 5)
– «إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون فهذا فضل عند الله. لأنكم لهذا دعيتم فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته» (1 بط 2: 20-21).
– «وإن تألمتم من أجل البر فطوباكم… لأن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الأثمة» (1 بط 3: 16، 17، 18).
– «فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد تسلحوا أيضاً أنتم بهذه النية فإن من تألم في الجسد كف عن الخطية» (1 بط 4: 1).
– «كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين» (1 بط 4: 13).
– «فإن الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير» (1 بط 4: 19).
– «اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين في الإيمان عالمين أن نفس هذه الآلام تجري على إخوتكم الذين في العالم» (1 بط 5: 8-9).
(ج) وصايا للخدام (1 بط 2: 18 والنساء 1 بط 3: 1 والرجال 1 بط 3: 7 والرعاة 1 بط 5 والأحداث 1 بط 5)
– «لا تكن زينتكن الزينة الخارجية.. بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن» (1 بط 3: 3-4).
– «كونوا ساكنين بحسب الفطنة مع الإناء النسائي كالأضعف معطين إياهن كرامة كالوارثات أيضاً معكم نعمة الحياة» (1 بط 3: 7).
– «لأن من أراد أن يحب الحياة ويرى أياماً صالحة فليكفف لسانه عن الشر» (1 بط 3: 10).
– «وإنما نهاية كل شيء قد اقتربت فتعقلوا واصحوا للصلوات» (1 بط 4: 7).
– «ارعوا رعية الله.. لا عن اضطرار بل بالاختيار ولا لربح قبيح بل بنشاط… ولا كمن يسود على الأنصبة بل صائرين أمثلة للرعية. ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يبلى» (1 بط 5: 2-4).
(د) إدانة المبتدعين الذين ارتدوا عن الإيمان وسوء مصيرهم (2 بط 2)
– «وإذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكاً سريعاً» (2 بط 2: 1).
– «يعلم الرب أن ينقذ الأتقياء من التجربة ويحفظ الأثمة إلى يوم الدين معاقبين» (2 بط 2: 9).
– «لأنهم إذا كانوا بعد ما هربوا من نجاسات العالم بمعرفة الرب والمخلص يسوع المسيح يرتبكون أيضاً فيها فينغلبون، فقد صارت لهم الأواخر أشر من الأوائل. لأنه كان خيراً لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعد ما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم. قد أصابهم ما في المثل الصادق: كلب قد عاد إلى قيئه، وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة» (2 بط 2: 20-22).
(هـ) التأكيد على مجيء الرب وإدانة المشككين والإشارة إلى بعض العلامات المصاحبة لنهاية العالم (2 بط 3)
– «أنتم الذين بقوة الله محروسون بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير» (1 بط 1: 5).
– «لأن السموات كانت منذ القديم والأرض بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء. وأما السموات الكائنة الآن فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها محفوظة للنار إلى يوم الدين وهلاك الناس الفجار» (2 بط 3: 5-7).
– «لا يتباطأ الرب عن وعده… لكنه يتأنى علينا وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلى التوبة. ولكن سيأتي كلص في الليل يوم الرب الذي فيه تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها. فبما أن هذه كلها تنحل أي أناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدسة وتقوى منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الرب الذي به تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب. ولكننا بحسب وعده ننتظر سموات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البر» (2 بط 3: 9-13).
الشهيد
أخيراً يتحقق لبطرس قول المسيح له عند بحيرة طبرية بعد قيامته: «لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك وتمشي حيث تشاء. ولكن متى شخت فإنك تمد يديك وآخر يمنطقك ويحملك حيث لا تشاء. قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يمجد الله بها» (يو 21: 18-19).
وها هو بطرس في روما والرب يعلمه بقرب رحيله كما ذكر هو في رسالته الثانية: «عالماً أن خلع مسكني قريب كما أعلن لي ربنا يسوع المسيح أيضاً» (2 بط 1: 14).
وكان حريق مدينة روما هو المحرك لاضطهاد نيرون لتسحق المسيحيين الذين اتهموا زوراً بالحريق. وكان نصيب بطرس الموت على الصليب، ولكن ناشد جلاديه أن يصلبوه منكس الرأس، فلم ير نفسه مستحقاً أن يموت كسيده.
خاتمة
هذا هو سمعان بطرس، وقد خلقته النعمة من جديد في المسيح يسوع. إنه هو هو الصياد الذي انحصر اهتمامه السنوات في صيد السمك والحصول على لقمة العيش، حتى أدركته العين الفاحصة للقلوب واختارته ليكون صياداً للناس.
ورغم ضعفاته الظاهرة خلال خدمة السيد، لكن اختيار الرب له كان صائباً، فقد انطوى قلبه أيضاً على قدره على الحب والالتزام والشجاعة والتصدي والمبادرة والقيادة. وهو وإن كان قد جُرب مرة بالتخاذل وإنكاره السيد رغم التحذير، فقد أدرك حاجته إلى القوة من فوق. وعندما أفاضها عليه الرب بحسب وعده، تجلت شخصيته الغنية، وفجرت النعمة كل قدراته مصقولة ممسوحة بالروح، فصار بطرس المتقدم في الكنيسة الوليدة، مبشر الآلاف بالمخلص، والصامد أمام عواصف الاضطهاد العاتية دون خوف، والسجين الذي تحل قيوده ملائكة السماء، وكاتب الرسائل المعزية للمضطهدين والمحرضة على حياة القداسة والمؤكدة على مجيء الرب، والسائر راضياً مبتهجاً في طريق الآلام حتى الصليب من أجل من أحبه حتى المنتهى.
وصار يوم استشهاده مع رفيق الكرازة العظيم مبشر الأمم بولس عيداً للكنيسة، فدمهما النازف علم الشهادة للأجيال التالية لتبقى راية الإيمان مرفوعة حتى مجيء الرب لتمجيد قديسيه.
نعم، إنها النعمة نسجت قصة حياته.
المراجع:
- الكتاب المقدس.
- أوسابيوس القيصري. تاريخ الكنيسة (Historia Ecclesiastica).
- السنكسار القبطي.
- القمص تادرس يعقوب ملطي. سير القديسين.