سبعة قديسين من اسرة واحدة
الأسرة المقدسة: نموذج للحياة المسيحية الأصيلة
إن الحياة المسيحية داخل الأسرة أو الكنيسة، ما هي إلا ثمرة للحياة الروحية الخاصة لكل عضو فيها. فالمسيحية دعوة للأفراد ليكون لكل واحد صلته الشخصية بالله. ومن مجموع الأفراد المتصلين بالله تتكون الأسرة المقدسة والكنيسة الحية.
وإن كنا في هذا المقال نتحدث عن أسرة تُعرف في التاريخ باسم “أسرة القديسين”، فليس هناك مجال كبير للحديث عن كل فرد منها. فكل واحد كانت له حياته الروحية الخاصة، كانت له ميادين جهاده، وكانت له خدماته. بل نتأمل في الرابط الروحي الذي جمعهم معاً، وأثر كل واحد في حياة الآخر.
وهنا دعوة إلى كل أسرة مسيحية، وإلى كل إنسان أغرته الخدمة فبحث فيها عن ميادين بعيدة، قبل أن يؤدي الواجب المفروض عليه نحو أسرته أولاً. إن القديسين كانوا نوراً في بيوتهم قبل أن يصيروا نوراً للعالم. لنذكر دائماً قول السيد المسيح لبطرس: «وأنت متى رجعت ثبت إخوتك».
سبعة قديسين من أسرة واحدة:
رغم أن الكنيسة في القرن الرابع كانت في أوج قوتها الروحية، وقد ظهر فيها في ذلك الوقت أكبر عدد من القديسين، إلا أنه لم يحدث في تاريخ الكنيسة كلها أن قدمت أسرة واحدة هذا العدد الوافر من القديسين كما فعلت هذه العائلة المباركة.
فقد أنجبت الكنيسة من بيت واحد:
القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية كبادوكية،
وأخوته القديس غريغوريوس أسقف نيصص، والقديس بطرس أسقف سبسطية،
وأختهم القديسة ماكرينا،
بالإضافة إلى والديهم باسيليوس وإميليا،
وجدتهم القديسة ماكرينا الكبيرى.
إنها بحق شجرة مثمرة بالإيمان.
جذور الإيمان العميقة
ويمكننا أن نتتبع جذور الإيمان في هذه الأسرة من أيام الإمبراطور مكسيمينوس الثاني. فقد كان الجد باسيليوس من كبار ملاك الأراضي في بلاد بنطس، مع زوجته ماكرينا الكبرى (تلميذة القديس غريغوريوس العجائبي)، كانوا من بين ضحايا الاضطهاد الذي أثاره ذلك الإمبراطور، وقد قاسيا الاضطهاد وظلا يهيمان على وجهيهما في الغابات والجبال مدة سبع سنوات، فقدا فيها معظم أملاكهما. وكان من بين أولادهما باسيليوس الأب، الذي كان من أشهر معلمي البلاغة في بلاد بنطس. وقد تزوج بامرأة فاضلة يتيمة هي القديسة إميليا. وكان أبوها قد استشهد من أجل اسم المسيح، وصودرت أملاكه. ورغم أن باسيليوس الأب كان غنياً، إلا أنه كان أيضاً راسخاً في الإيمان.
فلم يكن غريباً أن يكون هدفه مع زوجته إميليا هو تربية أبنائهما على الفضائل المسيحية. وقد منحهما الله عشرة أطفال. ورغم ما مر بهذه الأسرة من آلام ومعطلات كانت كفيلة بأن تطيح بعلاقتهم مع الله، إلا أنهم كانوا مؤسسين على الصخر، فوصلوا جميعاً سالمين إلى الميناء.
دور الأخت الكبرى:

من يتتبع سيرة هذه الأسرة، سيجد أنظاره تتجه رغماً عنه لا إلى باسيليوس وغريغوريوس اللذين لا تزال أثارهما وتعاليمهما تنير الكنيسة، بل إلى أختهما الكبرى ماكرينا. كانت في طريقها لتكُون أسرة جديدة لها، حيث كانت مخطوبة لشاب صالح لكنه توفى باكراً، فاعتبرت أنها لا تزال متحدة به في العالم الآخر، ورفضت بعد ذلك كل من تقدم إليها، وقررت أن تكرس حياتها لله. وكأن العناية الإلهية كانت قد أعدتها لتكون الملاك الحارس لأسرتها. كانت ماكرينا الساعد الأيمن لأمها في العناية بشؤون هذه الأسرة الكبيرة. بل إنها كانت أكثر من ذلك، فقد كانت أماً ثانية لإخوتها… وكانت قائدة ومرشدة لهم في حياتهم الروحية، حتى أن القديس غريغوريوس يدعوها في كتاباته «المعلمة»، بل إن أحد كتبه يسجل فيه الكلام الذي سمعه منها.
أمام الموت:
واجهت الأسرة حزناً عميقاً عندما مات أحد الأبناء (نقراطيوس) في شبابه، وتبعه أبوه باسيليوس. فوقفت ماكرينا بجانب أمها تخفف عنها حزنها، كما تحمل معها أعباء البيت… كانت قد كرست نفسها لله، فبدأت بخدمته في شخص إخوتها.
كفاح من أجل ثبات كل فرد في الأسرة:
كانت ماكرينا تبدي اهتماماً خاصاً بكل واحد من أخوتها. وقد أُرسل باسيليوس في سن مبكرة إلى جدته القديسة ماكرينا الكبرى – التي دعيت أخته على اسمها – في ولاية البنطس. وقد كان لهذه القديسة أكبر الأثر في حياته، حيث غرست فيه بذور الإيمان منذ طفولته. لذلك نجد القديس باسيليوس يذكرها في كتاباته قائلاً: «إني لا أنسى كلمات وحياة تلك المرأة القديسة التي كانت توحي إلى نفسي الغضة بجميل الشعور».
ثم عاد باسيليوس إلى قيصرية، ولكن رغبته في العلم دفعته إلى القسطنطينية وإلى أثينا. ولكن أثر عائلته المقدسة كان قوياً عليه في غربته، حتى كتب عنه صديقه وزميله غريغوريوس النزينزي:
تم إرسال رسالتك
«عرفنا شارعين في المدينة: الأول وهو الأحسن كان يؤدي بنا إلى الكنائس وخدام المذبح. والآخر – وكنا لا نعتبره كثيراً – كان يؤدي إلى المدارس العامة ومعلمي العلوم. أما الشوارع التي تؤدي إلى المسارح والملاعب والأماكن غير المقدسة، فقد تركناها لغيرنا… كانت القداسة هي شغلنا الشاغل، وكان هدفنا أن ندعى وأن نكون بالحقيقة مسيحيين، وفي هذا وضعنا كل مجدنا»(Oration 43، رثاء باسيليوس الكبير).
كانت ماكرينا تصلي من أجله في غربته.. وحينما عاد إلى كبادوكية، كان أمامه مستقبل باهر في العالم. ففتح مدرسة لتعليم البلاغة والبيان، وطار صيته في كل مكان. في تلك الأيام التي كان فيها باسيليوس في خطر الكبرياء، وفي خطر الانحراف في تيار العالم، ذهبت إليه أخته ماكرينا لترده وتعيد توجيهه نحو الهدف الذي أعده له الله… عندئذ تلاشت أمام باسيليوس كل أمجاد العالم. وقام في الحال تاركاً أهله ووطنه ومدرسته… وزع ماله على الفقراء، واتخذ طريق البرية ليعيش راهباً فقيراً… ثم يعود بعد ذلك إلى كرسي قيصرية نفسها.
الإيمان في قلب الأسرة
أما القديس غريغوريوس النيسي، فلم يستطع أن ينال علومه في بلاد بعيدة مثل أخيه الأكبر بسبب ضعف بنيته، وكان أغلب تعليمه في المنزل بإشراف أخيه باسيليوس، حتى أنه صار يدعوه دائماً أستاذه. وهو يكتب في أحد مؤلفاته: «إن كل ما هو حسن في هذا الكتاب يرجع إلى باسيليوس، أما ما هو رديء فمرجعه إلي التلميذ!»
ورغم أن تربيته الدينية أشرفت عليها أمه وأخته، إلا أنه في بدء شبابه كان – على عكس أخيه باسيليوس – أكثر ميلاً إلى حياة العالم منه إلى حياة الكمال المسيحي، كما كان شغوفاً بمطالعة الكتب الوثنية. إلا أن الإيمان الذي غُرس فيه منذ صغره جذبه أخيرًا إلى الله.
ومن المواقف التى غيرت مساره، كانت رؤية روحية رأى فيها الشهداء الأربعين في سبسطيةيوبخونه على تراخيه في حياته الروحية. فاسيقظ نادماً على ما فاته، وقرر من تلك اللحظة أن يكرس حياته لله. ثم صار راهباً فأسقفاً لمدينة نيصص، كما شارك أخاه باسيليوس في خدمة الكنيسة ومقاومة البدع.
الأسرة والقديسون والشهداء:
وإن كان لكل أسرة مسيحية شفيع خاص وقديس تحبه وتكرمه، فقد دأبت هذه الأسرة على إكرام الشهداء الأربعين الذين استشهدوا في سبسطية (وهم ضمن وطنهم الأصلي)، وقد حملوا معهم جزءاً من عظامهم. ثم بنوا لهم كنيسة في بلدتهم الأصلية إيبورا في ولاية بنطس، ووضعوا فيها ذخائرهم المقدسة. وقد ذكر القديسان باسيليوس وغريغوريوس هؤلاء الشهداء في كتاباتهم. أما ماكرينا فقد أنشأت فيما بعد ديراً على اسمهم، صار منارة للحياة النسكية.
وحين كبر الأبناء، قررت الأم إميليا وابنتها ماكرينا الصغرى أن يلجأوا إلى الحياة الديرية، فقاموا بتحويل بيتهم إلى دير للعذارى، جذب العديد من بنات الأسر النبيلة في كبادوكية.
غريغوريوس يلحق بأخيه وأستاذه:
كان تغيير غريغوريوس نتيجة مباشرة لأثر الصداقة النقية وللحياة العائلية المقدسة. فقد كتب له صديقه غريغوريوس النزينزي – وكان صديقاً له كما كان صديق أخيه – رسالة عن المطالعة جعلته ينبذ الكتب الوثنية نهائياً ليعكف على دراسة الكتاب المقدس. ولكنه كان لا يزال منهمكاً في حياته العالمية، حتى أنه حين دعته أمه ليشترك في الاحتفال بتدشين كنيسة الأربعين شهيداً، أبطأ ولم يصل إلا في ليلة الاحتفال. وبينما كان المؤمنون يقضون الليل في الصلاة والترتيل، ذهب هو لينام. ورأى في نومه أنه كان متوجهاً إلى الكنيسة ليحضر الصلاة، حين منعته فرقة من الجنود من دخولها، وكادت تضربه لولا أن واحداً منهم تدخل وأنقذه من أيديهم.
لم تكن هذه الفرقة إلا الشهداء أنفسهم، ظهروا له حتى يضع حداً لكسله وتوانيه. فحين أفاق من نومه، كان الله قد غير حياته دفعة واحدة. فقام يعدو إلى الكنيسة نادماً، وسجد أمام المذبح، واشترك مع باقي المؤمنين في إكرام القديسين الشهداء. ومن ذلك اليوم لحق بأخيه في ديره بجبال بنطس، وعكف على حياة الرهبنة حتى أختير أسقفاً على مدينة نيصص. واشترك أخوه باسيليوس في سيامته.
تأثير باسيليوس على غريغوريوس
كان يلذ للغريغوريوس أن يتأمل في كتابات أستاذه “باسيليوس”، فكتب يقول: «حين أقرأ كتابه عن الخليقة، يخيل إلي أني أرى الخالق يخلق كل شيء من العدم… وحين أتصفح مقالاته ضد الهراطقة، تتبادر إلى ذهني صورة نار سدوم تنصب على رؤوس أعداء الإيمان… وإذا قلبت كتابه عن الروح القدس، أشعر بانفعال إلهي ولا أعود أهاب التبشير بكلام الله. وإذا قرأت شرحه للكتاب المقدس، تراني ألج أعماق الأسرار الإلهية. أما الخطب التي مجد بها الشهداء، فإنها تحملني على الازدراء بجسدي وتدفعني إلى الثبات في الجهاد حتى الموت. وكم ساعدتني مواعظه على تنقية نفسي وجسدي لأصبح هيكلاً مقبولاً عند الله.»(غريغوريوس النيسي، رثاء باسيليوس)
ثمرة الجهاد:
وسار بطرس الابن الرابع لتلك الأسرة في نفس الطريق. وسيم أيضاً أسقفاً على مدينة سبسطية. أما أخواتهم باستثناء ماكرينا، فقد تزوجن وحملن المسيحية التي تربين عليها إلى أسرهن الجديدة. لقد سار كل واحد في الطريق الذي رسمه له الله. أما ماكرينا وأمها إميليا، فلم تبق لها خدمة في العالم بعد أن كبر جميع الأبناء، فحولتا منزل الأسرة في أنيسي إلى دير. ورغم خشونة الحياة فيه، إلا أنه جذب إليه عذارى من كبرى عائلات كبادوكية. كانت ماكرينا هي رئيسة الدير، ونجحت في إدارته وجعلته يشع بحياة القداسة والفضيلة تماماً كما كان بيتها الأول في قيصرية.
إلى عالم آخر:
ومع أن الطرق التي سلكها كل واحد من هذه الأسرة كانت متباعدة، إلا أن الرباط الكامل الذي كان يربطهم جميعاً كأفراد أسرة واحدة بقي إلى النهاية، لأن هذا الرباط لم يكن سوى صلتهم جميعاً بأبيهم السماوي.
كان القديسان باسيليوس وغريغوريوس يكافحان معاً ضد عدو واحد هو الأريوسية، وإن كانا في أماكن مختلفة. وفي عام 379 انتقل باسيليوس إلى السماء. فحزن عليه غريغوريوس جداً… ولكنه وجد العزاء عند أخته ماكرينا، فقد بقيت هذه المرأة العظيمة معلمة الأسرة وملاكها إلى النهاية. كانت والدتهم قد انتقلت هي أيضاً، وكانت ماكرينا في طريقها لتلحق بها. وما أجمل ما كتبه القديس غريغوريوس عن هذه الزيارة الأخيرة لأخته في كتابه عن “الروح والقيامة”: «على أثر رحيل باسيليوس العظيم بين القديسين من هذا العالم، بكته جميع الكنائس، ولكن أخته – المعلمة – كانت لا تزال حية. لذلك سافرت إليها حتى أتبادل معها الشعور لفقد أخيها… كانت نفسي مرة من الحزن على هذه الضربة المفجعة، ولهذا توجهت كمن تستطيع أن تحس معي» (غريغوريوس النيصصي، عن الروح والقيامة)
خاتمة
تقدّم هذه الأسرة المقدسة مثالًا خالدًا في الإيمان والعمل المشترك داخل البيت المسيحي.
لقد أثبتوا أن القداسة تبدأ من البيت، وأن خدمة الله لا تُبنى على الهروب من الواجب العائلي، بل على الثبات في المحبة والتضحية والقدوة.
هكذا كانوا: نورًا في بيوتهم، قبل أن يكونوا نورًا للعالم كله.
المراجع:
- غريغوريوس النزينزي (اللاهوتي). الخطبة 43: رثاء باسيليوس الكبير.
- غريغوريوس النيصي.
- حوار عن النفس والقيامة.
- رثاء باسيليوس الكبير (Encomium on Basil).
- باسيليوس الكبير. الرسالة 204.