البيلاجية
إن كان هدف انعقاد المجمع المسكوني الثالث، هو النظر في أمر الهرطقة النسطورية التي هدت سلام الكنيسة ووحدتها كما سبق وأشرنا إلا أن المجمع لم يُدن فقط الهرطقة النسطورية، لكنه أدان أيضا الهرطقة البيلاجية وهي من الهرطقات الخطيرة التي أتت من الغرب، وكان اهتمامها مُنصبًا على العامل الإنساني في موضوع الخلاص.
بداية يجب الإشارة إلى آمرين أساسيين:
١ – الأمر الأول هو أن من بين الثلاثة والأربعين أسقفًا الذين أتوا إلى المجمع تحت رئاسة يوحنا الأنطاكي، والذين عقدوا مجمعا موازيًا للمجمع المسكوني الثالث، بسبب موقفهم المضاد من المجمع، كان بعضا منهم من أتباع بيلاجيوس وكلستيوس، ويُعد الأخير هو أحد قادة البيلاجية البارزين.
۲ – الأمر الثاني هو أن النموذج الأمثل لديهم، يتمثل في تلك الروح القانونية التي سادت كنائس إفريقيا وروما.
وعلى الرغم من أن هذه الهرطقة قد أتت من الغرب، إلا أن بيلاجيوس قد عاش في الشرق وتأثر بالفلسفة اليونانية، وهناك رأي يقول إنه عاش الحياة الرهبانية لفترة من الزمن. ونظرًا لأن بيلاجيوس قد إهتم بالعامل الإنساني في موضوع الخلاص، ولأن الإنسان يمثل المركز في الهرطقة النسطورية أيضًا، فقد كان من السهل أن تندمج الهرطقتين. ولهذا قد أُدينتا معا في مجمع أفسس ٤٣١م.
وقد دعيت هذه الهراطقة بهذا الأسم نسبةً إلى بيلاجيوس وهو راهب بريطاني ذو ثقافة يونانية واسعة، كان يتحدث اليونانية بطلاقة، وقد استقر في روما سنة ٤٠٠ م، وكان جميع من حوله يقدر فيه شخصيته الجذابة والأخلاقية. الموضوع الذي شغل بيلاجيوس، كان الخطية الأصلية وانتقالها للآخرين.
بحسب رأي بيلاجيوس فإن هذه الخطية لم تُحدث في الطبيعة والإرادة الإنسانية أي تحوّل يُذكر. فهي تُشكل فقط نموذجا للسلوك السيء للآباء الأولين (آدم وحواء) وبناء عليه فلا يوجد أي وراثة للفساد والموت . والمعمودية عنده تُمثل تصحيحا للأخطاء الشخصية لكل إنسان، والدور الأساسي في هذا التصحيح تلعبه إرادة الإنسان من خلال تقليد أو اقتفاء آثار النموذج الروحي الذي هو المسيح. وعليه فإن تعميد الأطفال ليس له أي معنى. تلك هي الآراء الأساسية لبيلاجيوس، والتي أقبل عليها أتباع كثيرون في عصره. وقد برز إسم كلستيوس بصورة كبيرة، وهو الذي صاغ ونفذ هذه الآراء بتطرف شديد.
وقد أُدينت التعاليم البيلاجية في مجمعين مكانيين بمدينة قرطاجنة سنة ٤١١، وسنة ٤١٨. المجمع المنعقد سنة ٤١١ ، أدان الآراء البيلاجية التي تنادي:
١ – بأن آدم خلق بطبيعة فاسدة. ولذلك فإن الموت كان سيحدث حتى بدون السقوط في الخطية الأصلية.
۲ – وبأن خطية آدم لم تؤثر مُطلقا على نسله، فهي خطية شخصية خالصة.
٣- وبأن الأطفال يُوجدون في حالة براءة، مثل الحالة التي كان يوجد فيها آدم قبل السقوط.
٤ – وإن موت آدم لم ينسحب على الإنسانية، ولا قيامة المسيح معناها أن البشر سيقومون.
ه – ان الناموس يدعو إلى ملكوت الله، وهو في هذا يُماثل الإنجيل الذي يدعو لملكوت الله.
٦ – القول بإنه قبل مجيء المسيح في الجسد، كان هناك أُناس بلا خطية.
المجمع الثاني المنعقد سنة ٤١٨ أدان أيضا هذه الآراء السابقة، وأصدر ثمانية قوانين ضد البيلاجية[2].
المجمع المسكوني الثالث انتهى إلى أن البيلاجية هي من الهرطقات الخطيرة والتي لها علاقة أساسية بالنسطورية، وهكذا أُدينت النسطورية والبيلاجية معًا. وقد أُدينت هذه الهرطقة بحسب الرؤية الأرثوذكسية، لأنها تجاهلت أيضًا شركة المخلوق مع الخالق أعقب ذلك أن أرسل المجمع المسكوني الثالث رسالة إلى كلستينوس أسقف روما، لكي يُبلّغوه بقرار الإدانة ضد التعاليم البيلاجية، وأشاروا إلى أن القانونين الأول والرابع للمجمع يحتويان على إدانة موجهة إلى كلستيوس، الذي يُعد نصير قوى للهرطقة البيلاجية.
كانت إدانة البيلاجية والحكم عليها من مجمع مسكوني، تعنى أن هذه الهرطقة اكتسبت قوة كبيرة وخطيرة. كذلك فإن الربط بين النسطورية والبيلاجية، يُظهر كيف أن الآباء المجتمعين بمجمع أفسس سنة ٤٣١ ، قد اعتبروا أن البيلاجية، تقضي بالأساس على عقيدة الخريستولوجي والنتائج المترتبة عليها. لأنها ترفض الجانب الشفائي لعمل المسيح الخلاصي. فالرؤية الأرثوذكسية للخلاص ترى أن السبب في تمتع الإنسان بالمجد، ونواله الشفاء، راجع إلى هذا العمل الخلاصي. بينما السائد في التعليم اللاهوتي الغربي أن وضع الإنسان هو وضع قانوني، ويرى أنه يجب أن تتوفر الطرق والوسائل التي تُعيد الانسجام وتضبط تلك العلاقة القانونية بين الإنسان والله. هذا الاتجاه القانوني في العلاقة بين الإنسان والله ظهر منذ القرن الثاني في كنيسة إفريقيا من خلال ظهور نماذج لنظام قانوني صارم يُحدد ملامح طبيعة هذه العلاقة. هكذا صارت كنيسة إفريقيا هي النموذج الواضح للكنيسة القانونية (أي التي يحكمها هذا القانون الصارم). وقد تشكلت الأفكار اللاهوتية لهذه الكنائس من خلال تبنّيها لهذه النماذج القانونية. على سبيل المثال فإن التوبة كما حددها ترتليانوس في كتابه “التوبة (De Poententia) تعني قيمة مدفوعة من أجل خلاص الإنسان. وعلى هذا الأساس فإن المكافأة والعقاب يتوقفان على إرادة الإنسان نحو التقدم في مسيرة الكمال الأخلاقي. وهكذا انحصرت قوة وفاعلية التوبة في هذا الإطار، بسبب تأثير الروح القانونية التي تُشدد على أهمية السلوك الأخلاقي الصارم من أجل التقدم في هذه الحياة الأخلاقية. بينما التوبة بحسب المحتوى اللاهوتي الصحيح، هي عمل مستمر ومتكرر من أجل تصحيح المسيرة الإيمانية للإنسان المسيحي. هذه الروح القانونية لكنيسة إفريقيا ، وجدت لها صدى في روما، رغم وجود كثير من الاختلافات بين الكنيستين. وقد تبنت كنيسة إفريقيا فكرة التعيين المسبق، وبحسب رؤيتها فإن المختارين هم فقط أولاد الله، فعندما يظهر أن بعض أعضاء الكنيسة في الواقع، يعيشون بشكل غير لائق، فهذا يعنى أنهم غير مستحقين، وغير مُعينين للانضمام للكنيسة. هذا التعيين المسبق يتحدد على أساس قانوني وليس من خلال المعايير الخلاصية.
وفي هذه الحالة فإن تعاليم بيلاجيوس عن الخلاص، تمثل اتجاها خاصاً يتعلق بأساسيات أو شروط التعيين المسبق. وهذا الاتجاه التعليمي لبيلاجيوس يتم داخل إطار نفس المناخ القانوني المشار إليه سابقاً.
لأن مطلب بيلاجيوس نحو مسئولية الإنسان تجاه القانون الإلهي يتطلب العمل في إطار يلتزم فيه كل عضو بوصايا وأوامر هذا القانون، ولذلك فالعدالة تتطلب أن يُكافأ البار ويعاقب الظالم. ومع هذا فإن هذا المطلب يتطلب حرية كاملة للإنسان كي يحقق مطالب هذه العدالة.
وبناء علي ذلك تتحدد مسئوليته الأخلاقية في تحقيق الصلاح، في إطار تلك العلاقة القانونية التي تربطه بالله هذا يعني أن بيلاجيوس قد تأثر بالفكر الفلسفي بشأن حرية الإنسان ومسئوليته الأخلاقية، الذي يرى أن التقدم في الحياة الأخلاقية يعتمد أساسًا على الإرادة الإنسانية.