المجامع المسكونية وبابوات الإسكندرية

ما هو المجمع المسكوني؟

المجمع، ويقال له باليونانية “سينودس”، هو هيئة دينية من أساقفة الكنيسة وقساوستها، تجتمع إذا ما دعت الحاجة في مكان معين لفحص قضايا الإيمان ومقاومة الآراء الغريبة على ضوء الإنجيل الطاهر والتقليد الشريف.

مجمع أورشليم الرسولي

أول مجمع عرفته المسيحية هو المجمع الرسولي المقدس الذي عقد في مدينة الفداء (أورشليم) سنة 50 م، من الرسل والكهنة، للنظر في الجدال الحاد الذي نشب بين متنصري اليهود الذين كانوا يريدون أن يضعوا نير الرسوم الموسوية على أعناق المؤمنين، وبين الأمم الذين اعتنقوا مبادئ المسيح حباً في حريته التي أعلنها إنجيله الكريم.

وقد دار حديث المجتمعين حول نسبة الناموس الرمزي إلى الإنجيل، ونسبة موسى إلى المسيح. وقد تحدث في هذا المجمع القديس بطرس الرسول، فأشار إلى اختيار الله لشخصه ليسمع الأمم من فمه كلمة الإنجيل ويؤمنون، وكيف أن الذين استناروا بكلامه حصلوا على الروح القدس كغيرهم من مؤمني اليهود؛ لأن الله لا يأخذ بالوجوه، وليس لديه ختان وغرلة، إذ تَطهَّر كلاهما بالإيمان. «لِهَذَا لاَ يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُجَرِّبَ اللهَ فَنَضَعَ نِيرًا عَلَى عُنُقِ التَّلاَمِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ!» (أع 15: 10-11).

وأخيراً تكلم يعقوب أخو الرب، فبعد أن استحسن كلام بطرس الرسول الذي تؤيده معظم شواهد الكتاب، قال: «لِذَلِكَ أَنَا أَرَى أَنْ لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ، وَالزِّنَا، وَالْمَخْنُوقِ، وَالدَّمِ» (أع 15: 19-20). فأخذ المجمع برأيه.

ويلاحظ في هذا القرار الرسولي أن الأمور التي نُهي عنها المجمع كان منها اثنان من متعلقات الدين اليهودي، وهما الدم والمخنوق. أما الآخران، وهما ما ذُبح للأوثان والزنى، فقد كانا من مستلزمات الشعائر الوثنية. وقد رُبط بين الزنى ونجاسة الأصنام؛ لأن هياكل الأوثان كانت عند الرومان وغيرهم موضعاً للفسق والفجور، وكانت مراسيمهم الدينية تحتم عليهم أن يشتركوا في هذه المخازي.

ومن قول الرسل: «كَمَا رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ»، اعتقدت الكنيسة على مر العصور أن التحديدات الصادرة عن المجامع القانونية المقدسة كأنها موحى بها من الله، وجعلت من النظم التي سلكها الرسل في هذا الاجتماع طريقاً سوياً للمجامع الأخرى.

هذا، وعلى ضوء الوثائق التاريخية، نستطيع أن نؤكد أن كاروزنا العظيم القديس مرقس الإنجيلي كان بين أعضاء المجمع الرسولي. فهل لنا أن نعده ممثلاً لكنيسة الإسكندرية منذ ذلك الحين، باعتبار القديس سبق أن أفرزه ودعاه لخدمة هذه البيعة التي برزت معالمها منذ يوم الخمسين؟ ربما كان رأي كهذا له نصيب من الصحة كبير.

المجمع المسكوني الأول: مجمع نيقية (325 م)

ظهر في أوائل القرن الرابع بمدينة الإسكندرية كاهن يقال له آريوس، من أصل ليبي، كان قد تلقى علومه في مدرسة أنطاكية اللاهوتية التي كانت تأخذ بالتفسير الحرفي (“الرياليزم”)، وهو أساس فلسفة أرسطو، فانحرف في تعبيره عن لاهوت الابن، وقال أن الآب هو الإله الحقيقي، وأن الابن والروح صدرا بإرادة الآب من العدم لا من جوهر الله. فشوّه بآرائه الفاسدة حقيقة التثليث الأقنومي، وهدم التعليم بالفداء الذي هو جوهر المسيحية ورسالتها.

فلما عُرِفت مقالته الأثيمة في مدينة الإسكندرية، تصدى لمقاومته أقطاب المدرسة اللاهوتية الذين يأخذون بالاستعارة شأن الفلاسفة الأفلاطونيين (“أليغوريزم”)، وفي مقدمتهم القديس بطرس البطريرك الشهيد، والبابا إسكندر الأول، الذي حاول إقناعه بالحسنى فرفض نصيحته وإرشاده، وأخذ يتهكم عليه بعجرفة ووقاحة. وإذ لم يرعو عن غيه، عقد عليه البابا مجمعاً محلياً في المقر البطريركي سنة 321 م، وحكم على المبتدع بحرمه وقطعه. ففر بعد ذلك إلى آسيا الصغرى، واستطاع بذكائه التعليمي أن يخدع كثيرين من مشاهير الأساقفة، أمثال يوسابيوس القيصري، ويوسابيوس النيقوميدي، وثيئوغنس النيقاوي، وماريس الخلقيدوني، فاتسع الشرخ واضطربت الأوضاع الكنسية شرقاً وغرباً.

فلما سمع الملك قسطنطين بهذه الخلافات الجسيمة، أوفد من قبله القديس أوسيوس أسقف قرطبة ليتوسط بين آريوس والبابا الإسكندري، وحمله رسالتين لكل منهما. إلا أن أوسيوس فشل في مهمته، فعاد وأخبر القيصر بخطورة الأمور.

انعقاد المجمع في نيقية

قرر قسطنطين بعد استشارة عقلاء الأساقفة عقد مجمع مسكوني ليعالج هذه المشاكل التي كادت أن تعصف بسلام إمبراطوريته الواسعة، فوقع اختياره على مدينة نيقية، العاصمة الثانية لولاية بيثينية في آسيا الصغرى. وكتب إلى أساقفة العالم المسيحي يسألهم أن يبادروا بالحضور إلى هذه المدينة، فوصل إليها في وقت قصير ما يقرب من ألفي نسمة من الأساقفة والكهنة والشمامسة والفلاسفة وأنقياء النصارى، ونزلوا في خانات العاصمة والأماكن الأخرى التي أعدها الملك لإقامتهم.

الوفد الإسكندري

وكان أعظم القادمين على نيقية شأناً البابا إسكندروس، يصحبه مار أثناسيوس شماسه الخاص، وعدد من الأساقفة المصريين، نذكر منهم: إربوكراتون أسقف الإفراجون (التي ما زالت أنقاضها شمالي قرية تيدة)، وأرمانتيوس أسقف القيس، ودرايتوس أسقف الفرما (التي تقوم على مقربة من آثارها مدينة بورسعيد)، وغايوس أسقف تَمِّي الأمديد، وأنطياخوس أسقف منف، وتيرانوس أسقف أنصنا (وهي الآن قرية الشيخ عبادة)، وبولسيانوس أسقف ليكوبوليس (أسيوط)، وبطرس أسقف إهناسية، وديونيسيوس أسقف قهقوه (المعروفة حالياً بكوم إصفحت)، والقديس بفنوتيوس أسقف طيبة، وغيرهم من أصحاب الكراسي المندرسة والتي لم نتمكن من معرفة مواقعها.

عدد أعضاء المجمع

أجمع معظم المؤرخين على أن الآباء الذين تكونت منهم هيئة المجمع كانوا أسقفاً. أربعة وعشرون قدموا من الكرسي الإسكندري، وعشرة يمثلون كل كنائس أوروبا، والباقون من بيزنطية وأورشليم وأنطاكية، التي كانت أملاكها الكنسية تمتد من قبرص غرباً إلى أرمينية وفارس شرقاً.

ونظراً لشيخوخة البابا الإسكندري، وبصفته الخصم الرئيسي لآريوس المبتدع، فقد أُعطيت رئاسة المجمع للقديس أوسيوس أسقف قرطبة، الذي سبق وقام بتوسطه بين الأطراف المتنازعة في مدينة الإسكندرية بناء على طلب القيصر سنة 324 م.

المجمع يفتتح جلساته

اجتمع الأساقفة بنفس واحدة في ردهة القصر الملكي، وافتتحوا الجلسة الأولى – حسب رأي ثقات المؤرخين – في 20 من مايو سنة 325 م. وعندئذ دخل الإمبراطور إليهم في موكب ملكي متواضع، فرحب به بالنيابة عن المجمع مار إسطاثيوس البطريرك الأنطاكي. ثم ألقى قسطنطين باللاتينية كلمة وجيزة، قام بترجمتها يوسابيوس القيصري إلى اليونانية، حض فيها الأساقفة على أن يتناسوا خلافاتهم الشخصية، وأن يفضوا مشاكلهم بالمحبة والوداعة. وبعد أن استوعبوها جيداً، شكروا للملك صنيعه واهتمامه من أجل الإيمان، وأخذوا في عرض جدول الأعمال.

مناظرة آريوس ودحض ضلاله

فأعطوا الكلمة أولاً لآريوس المبتدع، فوقف يقول في تصلّف وخيلاء: “كان الآب منذ البدء، ثم صنع الابن من العدم، وأعطاه أن يخلق العالمين”. فقاطعه البابا إسكندر قائلاً: “وإن كان الآب لم يخلقنا، وإن الابن هو الذي أوجدنا، وهو حسب رأيك غريب عن جوهر الآب، فتكون عبادتنا للآب كفراً وضلالاً؛ لأننا نعبد من لم يخلقنا؟!” فأسقط المنافق في يده ولم يحر جواباً. ثم حاول أخيراً أن يتخلص من هزيمته، فتذرع ببعض الآيات الكتابية التي أساء تفسيرها. وعندئذ انبرى له الشماس أثناسيوس الإسكندري</strong>، الذي كان بحق يمثل كنيسة الله الجامعة في كل الأرض، وأخذ يفند إضاليله ببلاغة وقوة، حتى نال إعجاب الأرثوذكسيين جميعاً، وأنزل العار والخزي على آريوس وأتباعه.

صياغة قانون الإيمان النيقاوي

وبعد مداولات كثيرة، نهض يوسابيوس القيصري – وكان معروفاً بميوله الآريوسية – وقدم للمجمع دستوراً يسمى الابن “إلهاً من الله، مولوداً قبل كل المخلوقات”. فرفض الأرثوذكسيون عبارته، وتركوا الأمر لأثناسيوس في تنقيح العبارة التي لم يستصوبوها، فصارت حسب المفهوم الأرثوذكسي: “مولود غير مخلوق، ذو جوهر واحد مع الآب”.

وعندما وُضع قانون الإيمان، أراد المنافقون أن يقولوا “هوموي-أوسيون” (Homoi-ousion) بدلاً من “هومو-أوسيون” (Homo-ousion). إلا أن أثناسيوس وقف في وجوههم ولم يمكنهم من أغراضهم الدنيئة؛ لأن حرف “يوتا” (i) الزائد في العبارة الأولى يجعل منه “مشابهاً في الجوهر”، وبدونه تأتي العبارة في صيغتها الأرثوذكسية “ذو جوهر واحد”، أو “مساوٍ للآب في الجوهر”. ومن ثم اتفق الآباء على أن يكون قانون الإيمان الذي وضع باشراف أثناسيوس الإسكندري بهذه الصورة، وهي:

«نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى. نؤمن برب واحد، يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء. هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء، وتأنس. وصُلب على عهد بيلاطس البنطي، وتألم، وقُبر، وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السموات، وجلس عن يمين أبيه، وأيضاً يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء».

قائمة الحرم (الأناثيما)

وأخيراً، ذَيَّل الآباء قانون الإيمان بهذه العبارة:

«أما القائلون عن ابن الله: أنه كان وقت لم يكن، وقبل أن يولد لم يكن، وأنه صار من العدم. والزاعمون: أنه كان زمان لم يوجد فيه الابن، وأنه لم يكن له وجود قبل أن صار من العدم، وأنه من مادة أخرى أو جوهر آخر، أو أن ابن الله مخلوق، أو متغير، أو متحول. فهؤلاء جميعاً تَقطَعُهم الكنيسة الرسولية الجامعة».

المجمع يقطع آريوس وأتباعه

وقد وافق الأساقفة الأرثوذكسيون على هذا القانون الإنجيلي المقدس، وذيلوه بتوقيعاتهم، ما عدا نفر من أتباع آريوس، هم: يوسابيوس النيقوميدي، وثيؤغنس النيقاوي، وثيئوناس أسقف ماريمنة، وسيكونذس أسقف بطليمائية، وآريوس الذي قادهم إلى التهلكة. وقد ندم النيقوميدي وثيؤغنس على موقفهما ووقعا على قانون الإيمان، فصفح المجمع عنهما. إلا أنهما عادا ورفضا التوقيع على القرار الصادر بنفي آريوس والأسقفين الآخرين إلى إقليم الإيليريكوم، فغضب الإمبراطور عليهما ونفاهما إلى غاليا. أما يوسابيوس القيصري، المؤرخ الكنسي الشهير والكاتب القدير، فكان يعرج بين الفريقين، وقد خلت مؤلفاته التفسيرية من النزعة الآرية.

المجمع يعالج المشاكل الأخرى

بعد أن فرغ الآباء من قطع آريوس، وشجب أقواله المضلة، نظروا في مشاكل كنسية أخرى، فعالجوا شقاق ملاتيوس أسقف أسيوط، الذي تمرد على رئيسه الإسكندري، فاستقل بذاته، وأخذ يرسّم أساقفة وكهنة، ويستبدل الأوضاع المقدسة بعوائد أخرى مستهجنة. فحدد المجمع إقامته في أسيوط دون أن يظهر في أي إقليم آخر، وقبلت الكنيسة أنصاره من الكهنة الذين ثَبُت أنهم رُسِّموا رسامة قانونية، على أن يكونوا في مستوى أقل من الذين رُسِّموا من البطريرك الإسكندري.

وقرر المجمع من جهة عيد الفصح، أن يحتفل به يوم الأحد الذي يلي اليوم الرابع عشر من شهر نيسان القمري، وأمر أن يعلنه سنوياً أسقف الإسكندرية لجميع المسيحيين، بناء على حساب خاص يُعمل له.

أما عن معمودية الهراطقة، فقد اعتبر المجمع أن المعمودية الواحدة هي التي تتم بكل الشروط القانونية، ولاسيما الإيمان الصحيح بالثالوث الأقدس، وأن تُعاد المعموديات التي أُجريت من كهنة لا يحسنون اعتقادهم بالثالوث الأقدس.

هذا، وقد رفض المجمع أن يجبر الكهنة على التبتل، ودافع عن هذه القضية القديس بفنوتيوس أسقط طيبة، وهو من الرهبان الأوائل الذين تتلمذوا لمار أنطونيوس.

قوانين المجمع وإرثه

وضع آباء المجمع النيقاوي عشرين قانوناً، اعترفت بها كل الكنائس التقليدية، كان بعضها خاصاً بتحديد نفوذ الأساقفة المسكونيين، والآخر في الترتيبات الكنسية والآداب المسيحية. وفي القرن السادس عشر، حمل أحدهم من الإسكندرية إلى مدينة روما نسخة عربية من أعمال المجمع النيقاوي تشمل ثمانين قانوناً، زعم واضعها أنها من صنع المجمع المقدس. فلما وقف عليها رؤساء الكنائس العالمية، لم يعترف بها منهم غير الذين وجدوا فيها ما يدعم مزاعمهم.

وقد ختم المجمع أعماله في 24 يوليو من سنة افتتاحه، التي وافقت مرور عشرين سنة على تتويج الملك قسطنطين على عرش الإمبراطورية الرومانية العظمى. فاحتفى الآباء بهذه الذكرى الكريمة احتفالاً رائعاً، وأقاموا الصلوات من أجل سلام المملكة والكنيسة، ثم عادوا إلى بلادهم يحملون الهدايا الثمينة والتوصيات الملكية إلى حكام الأقاليم التي يقيمون فيها.

وقد ترك البابا إسكندر الإسكندري وشاحاً كنسياً عتيقاً (“أوموفوريون”) في كنيسة نيقية، تتجلى فيه دقة الصناعة المصرية، فأهداه أحد أساقفة المدينة في القرن السابع عشر إلى أليكسيس قيصر روسيا، وهو لا يزال إلى الآن في الخزائن البطريركية بمدينة موسكو.

إن مجمع نيقية كان مسكونياً في شكله، ومصرياً في جوهره. فأثناسيوس هو الذي مزق ثوب البدعة، وهو الذي صاغ لنا قانون الإيمان، وهو دستور الكنائس المسيحية شرقاً وغرباً إلى يومنا هذا.

انقسامات ما بعد الآريوسية

لم ينجلِ بعد قتام السحب الآرية التي شوّهت صفاء الكنيسة الجامعة زمناً طويلاً، حتى تصاعدت من فم مكدونيوس البطريرك المنافق أبخرة رجسه، كان لها أسوأ الأثر في طمس معالم الحقائق اللاهوتية، وخاصة ما يتعلق منها بالتعليم في الثالوث الأقدس.

ففي سنة 342 م، تمكن أتباع آريوس من عزل القديس بولس بطريرك القسطنطينية الشرعي، وأقاموا عليها راهباً موالياً لهم يقال له مكدونيوس، من خريجي مدرسة أنطاكية اللاهوتية التي عرفت بأعلام منحرفين فيها أزعجوا الكنيسة بآرائهم السقيمة. وقد تمت رسامة الأسقف الدخيل من عصابة آثمة، ودخل المدينة تحت حراسة مشددة من رجال القيصر في يوم عصيب أُزهقت فيه أرواح كثيرين من الأرثوذكسيين الأبرياء.

ولما علم مكدونيوس بوضعه الشائك بين المؤمنين، ورأى البطريرك الشرعي المعزول يقيم في المدينة أو على مقربة منها، أراد أن يتخلص منه نهائياً، فبعث به منفياً إلى مدينة سنجار من أعمال العراق، وعمل على إرغام الشعب على قبوله والاعتراف به رئيساً قانونياً. ولكنه لم يظفر بتحقيق أمانيه، لأن القيصر قسطنطيوس وقف على بعض تصرفاته الدنيئة فعزله سنة 347 م، وجاء بالبطريرك بولس من منفاه وأعاد إليه اعتباره. إلا أن هذه الإجراءات العادلة لم تدم طويلاً، فلأسباب سياسية عُزل بولس للمرة الثالثة، وجاء المنافق إلى القسطنطينية بعد سنتين من غيابه عنها، وأخذ ينكل بأعدائه ويضطهد مقاوميه.

انحراف مكدونيوس وعزله

وظل في ضلاله وعِيه، حتى انقسم الآريوسيون على أنفسهم في الشرق إلى حزبين متضادين، فانحاز إلى فريق دون الآخر، فعملوا على خلعه معاً وعزلوه من منصبه سنة 360 م. فاستحسنت الحكومة صنيع الفريقين؛ لأنها كانت لا تريد وجوده في القسطنطينية بعد أن أساء إلى أمراء البيت المالك، وشرع سنة 356 م في نقل رفات الإمبراطور قسطنطين الكبير من بيعة الرسل إلى بيعة القديس أكاكيوس دون أن يرجع إليهم في ذلك.

أما هو، فلكي يناوئ تعاليم الآريوسيين ضد الابن، أخذ يعلم أتباعه عن الروح القدس تعليماً مغايراً للحقيقة والواقع. فزعم بأن الأقنوم الثالث هو خليفة الابن وخادمه، وأنه عمل إلهي منتشر في المسكونة وليس بأقنوم متميز عن الآب والابن. وظل يطوف الأديرة والقرى وهو يواصل نشاطه المحموم، حتى اخترمته المنية سنة 362 م.

البدع الأخرى المنتشرة

هذا وقد دار في فلك الآرية والمكدونية تعاليم فاسدة أخرى، كان مصدرها بعض الرحَّال المضلين، أمثال:

  • فوتينس الذي جارى في تعليمه بولس السمساطي.
  • سابليوس صاحب مقالة الأقنوم الواحد.
  • أبوليناريوس الذي علم بالتفاوت بين الأقانيم، وأنكر وجود نفس ناطقة في المسيح.
  • أبو ميس أسقف قوزيقوس، الذي عبث بقانون الإيمان النيقاوي، وأمر أتباعه أن يعمدوا أولادهم بغطسة واحدة في الماء، لا باسم الثالوث الأقدس، بل «بموت ربنا يسوع المسيح».

الدعوة إلى عقد مجمع مسكوني

أحدث الزوان الذي زرعه الشيطان في أخصب بقاع الكنيسة الجامعة شرقاً وغرباً انزعاجاً لدى قادة الرأي المسيحي. ففكروا في استئصال جذوره قبل أن يتكامل نموه ويصير أدغالاً تسكنها صغار الثعالب المفسدة. فتكاتبوا وتشاوروا فيما بينهم، حتى استقر رأيهم أخيراً على معالجة الأمور عن طريق المجامع المقدسة، أسوة بما صنعه الرسل في أورشليم وآباء الكنيسة في مدينة نيقية. ولم يبق أمامهم سوى موافقة القيصر، الذي عليه أن يحدد الزمان والمكان، ويتولى باسمه رفع الدعوة إلى أساقفة العالم المسيحي، مُسهِّلاً أهم وسائل السفر، كما فعل قسطنطين الأول.

المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية (381 م)

كان الحاكم المعاصر لهذه الحوادث هو الملك البار ثيودوسيوس الكبير (379 – 395 م). الذي عندما عرض عليه الأساقفة أمر انعقاد المجمع، رحب بهذه الفكرة الجليلة؛ لأنه كان غيوراً نقياً، ويعطف بصورة قوية على الكنيسة المقدسة التي يهاجمها المتطرفون في صميم إيمانها القويم. فأصدر على الفور أوامره السامية إلى أساقفة الإمبراطورية من ذوي الرأي القويم، يناشدهم التوجه إلى القسطنطينية.

نبذة عن مدينة القسطنطينية

وهي مدينة قديمة، أسسها على ضفاف البوسفور جماعة من مهاجري ميغارا في القرن السابع قبل الميلاد، ودعوها «بيزنطة». وقد استولى الفرس عليها في عهد داريوس هستاسب، وظلت في حوزتهم حتى انتزعها منهم بوسانياس القائد اليوناني وضمها إلى بلاده. ولما طارد قسطنطين عدوه ليسينيوس سنة 322 م، لجأ إلى هذه المدينة وجعل منها آخر معاقله الحصينة، فهاجمها القيصر وأخذها عنوة، وخلع عليها اسمه. وإذ لم تطب له الإقامة في روما، انتقل إلى مدينته الجديدة، وأسس بها أول حكومة مسيحية، وذلك في 11 مايو سنة 330 م.

وعند انقسام المملكة، جعل منها أركاديوس سنة 395 م عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية. واستمرت قاعدة الملوك الروم وفخراً للكنيسة اليونانية، حتى ظهر العثمانيون فافتتحوها في 4 أيار سنة 1453 م، وقضوا على دولة الروم، وجعلوا من كنيسة آيا صوفيا مسجداً! ولكي يتفادوا تسمية المدينة الأولى دعوها إسطنبول والأستانة وإسلام بول. ومن ثم تقلص ظل الحكومة المسيحية التي بدأت بقسطنطين العاهل الكبير، وانتهت باسميه الصغير الذي مات مستشهداً في سبيل الدفاع عن مدينة أجداده التي ارتد عنها العرب سنة 675 م. وعندما حاولوا مهاجمتها مرة أخرى، أوقع بهم لاون الثالث بكل بسالة وقوة! فسبحان الحي القيوم الذي جعل الأزمنة تحت سلطانه، وحتم بالأوقات المعينة وحدود المسكن.

انعقاد المجمع وافتتاح أعماله

وصلت منشورات القيصر إلى المسئولين من الأحبار في الكنيسة الجامعة، فقدم منهم إلى العاصمة الجديدة مئة وخمسون أسقفاً، جاءوا من سوريا ولبنان وفلسطين وبلاد ما بين النهرين ومصر وآسيا الصغرى. وفي مقدمتهم البابا تيموثاوس الإسكندري، والبطريرك ملاتيوس الأنطاكي، والقديس كيرلس الأورشليمي، وغريغوريوس النزينزي، وغريغوريوس النيسي.

وقد أهمل المؤرخون تاريخ افتتاح المجمع. واسقف بطريرك مكاريوس بن الزعيم، بطريرك أنطاكية الروم الملكيين (1647 – 1674 م)، يرى أن الجلسة الأولى بدأت في 12 تموز، واختتمت الأخيرة في العاشر من تشرين الثاني سنة 381 م.

أهم قرارات المجمع اللاهوتية

واتفق المؤرخون على اختلاف مذاهبهم على أن المجمع باشر أعماله الجليلة برئاسة القديس ملاتيوس الأنطاكي، الذي قدم العاصمة يتبعه سبعون أسقفاً من أحبار الكنيسة السريانية. ولم يطل الحديث في الجلسة الأولى، لأن آباء المجمع بكامل عددهم – وهم مئة وخمسون أسقفاً كما أسلفنا – عرضوا على أتباع مكدونيوس، وكانوا ستة وثلاثين أسقفاً، أن يقولوا بمساواة الروح القدس بأقنومي الآب والابن، فرفضوا وغادروا قاعة المجمع. فحزن الآباء لتصرفهم، ثم أخذوا يواصلون بحث المشاكل الأخرى حتى فرغوا منها.

واتفقوا أخيراً على حرم أتباع مكدونيوس، وسابليوس، وأبوليناريوس، وغيرهم من الآريوسيين المتطرفين والمعتدلين. وعهدوا إلى القديس غريغوريوس النيسي بتكملة قانون الإيمان، فوضعه على الصورة الآتية:

«نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء. وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية. ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. ونترجى قيامة الموتى، والحياة في الدهر الآتي. آمين».

وفاة البطريرك ملاتيوس الأنطاكي

بينما كان الآباء يواصلون اجتماعاتهم لفحص القضايا الإيمانية وترتيب سياسة الكنيسة الجامعة، مرض القديس ملاتيوس البطريرك الأنطاكي وانطلق إلى السماء قبل أن يختتم المجمع جلساته. فحزن الأعضاء عليه حزناً شديداً، واحتفلوا بتجهيزه. وقام الأنبا غريغوريوس النيسي بتأبينه فرثاه بكلمات روحية بليغة. كما أمر القيصر بنقل جثمانه الطاهر إلى أنطاكية على أن يُحتفى به في سائر البلاد التي يجتازها موكبه. ولما وصل إلى مقره البطريركي، دُفن في الكنيسة بجوار ضريح القديس بابولا البطريرك الثالث عشر من خلفاء القديس بطرس الرسول.

قضية غريغوريوس اللاهوتي والكرسي القسطنطيني

أوجدت الأحداث الآريوسية بلبلة واضطراباً في الكراسي الرسولية شرقاً وغرباً، وقد نالت القسطنطينية نصيباً كبيراً من هذه الفوضى. فلما رأى الملك ثيودوسيوس ما أصاب هذه الكنيسة، كتب إلى البابا بطرس الإسكندري يناشده إصلاح الوضع هناك، فعمل ما في وسعه من أجل استقرار الكنيسة البيزنطية. ثم كتب أخيراً إلى القديس غريغوريوس اللاهوتي أن يذهب إليها ويساهم في إصلاحها.

فسافر اللاهوتي إلى مدينة الملِك (القسطنطينية)، وأخذ في إلقاء المحاضرات وعقد الاجتماعات الدينية، حتى سُحِر الناس ببلاغته وحسن منطقه. فعملوا على ترشيحه للكرسي البطريركي، وكتبوا تزكية رفعوها إلى القيصر ومصدقاً عليها من البابا بطرس. وبموجب ذلك، رُسم ذلك البار بطريركاً للقسطنطينية.

غير أن أحد منافسيه، ويدعى مكسيموس القونيقي، حضر إلى الإسكندرية وقابل البابا بطرس. وأخذ يدس في حق اللاهوتي ويرسمه في صورة وضيعة، حتى خدع البابا بكلامه. وأرسل من قبله وفداً من الأساقفة إلى القسطنطينية قاموا برسامته بطريركاً! وكان غريغوريوس من بين الذين حضروا رسامته دون أن يبدو عليه أي مظهر من مظاهر الانفعال. إلا أن الشعب رفض قبول مكسيموس وطرده من المدينة، وجدد ثقته بغريغوريوس.

وقد شجب المجمع المسكوني الثاني رسامته؛ لأنها جاءت من البابا بطرس الإسكندري وليست من أساقفة القسطنطينية. وقال في القانون الرابع تحت عنوان (رسامة مكسيموس غير الشرعية): «أما من جهة مكسيموس القونيقي… فقد قرر المجمع أنه لم يكن أسقفاً، ولا يجب قبول الذين نالوا منه الرسامة في أية رتبة كهنوتية كانت، فكل ما جرى له ومنه يعد باطلاً…». ثم ثبتوا القديس غريغوريوس اللاهوتي بطريركاً.

استقالة غريغوريوس ورئاسة المجمع

ولما تنيح مار ملاتيوس إبان المجمع، جعله الآباء رئيساً عليهم. إلا أن البابا تيموثاوس الإسكندري عارض تثبيت غريغوريوس على كرسي القسطنطينية، ولم يقبل رئاسته على المجمع المقدس، وأيده في ذلك أخوليوس مطران تسالونيكي والأساقفة المصريون. فلما شعر اللاهوتي بذلك، استاء لموقفهم منه الذي ليس له ما يبرره، فاستقال على الفور من البطريركية ورئاسة المجمع. فقبل الآباء استقالته، ورسموا نكتاريوس بدلاً منه، الذي تولى رئاسة الجلسات الأخيرة من المجمع، ثم ختم أعماله ورفعها إلى القيصر، فصادق عليها وأذاعها في كل العالم المسيحي.

طبيعة المجمع: شرقية ومسكونية

لما ظهرت في الأجواء الكنسية النية لعقد المجمع المسكوني الثاني، كان الآباء الغربيون في شبه مجمع محلي بمدينة روما. فكتبوا إلى زملائهم الشرقيين ليبادروا بالحضور إليهم والانضمام إلى مجمعهم حتى يكون شاملاً. فكتب إليهم الشرقيون رسالة حملها الأسقفان أوسابيوس وبريسليان، قالوا فيها أنه يتعذر عليهم في الظروف الراهنة الابتعاد عن كنائسهم التي قام فيها كثير من التمردين وجور القياصرة، وخرجت حديثاً من الزوبعة العظيمة. وختموا كتابهم قائلين: «إلى الأخوين الشريكين الفائقى الاعتبار داماسوس وأمبروسيوس، وجميع الأساقفة القديسين المجتمعين في مدينة رومية العظيمة الفخمة…». فأخذ الغربيون برأيهم ولم يعترض عليه أحد منهم، ومن ثم صار المجمع الثاني مسكونياً. وتقررت في كل الكنائس قانونيته التي لم تكن في حاجة إلى مندوب روماني أو رسالة من الفاتيكان.

موقف البابا الإسكندري من القوانين الإدارية

وضع المجمع المسكوني الثاني سبعة قوانين لسياسة الكنيسة وتنظيمها. فحدد القانون الثاني عمل كل أسقف في دائرته، وقال إن أسقف الإسكندرية يدير ما في بلاد مصر وحدها فقط، وأساقفة المشرق يديرون بلاد المشرق… إلخ. وجاء في القانون الثالث: «يجب أن يكون لأسقف القسطنطينية شرف التقدم بعد أسقف روما، لأنها رومية الجديدة».

وربما أرادوا بالقانون الثاني الإشارة إلى ما فعله بطرس أسقف الإسكندرية الذي استخدم نفوذه في رسامة مكسيموس على القسطنطينية. أما القانون الثالث فلم يرق في عيني البابا تيموثاوس، إذ حسبه مجحفاً بحق كنيسته العظيمة ذات الجهاد المجيد. فانسحب من المجمع غاضباً وعاد إلى بلاده؛ لأنه رفض أن تكون مجاملة الملوك على حساب أبطال الأرثوذكسية وحماة الإيمان. ومع هذا، فلم يطعن في قانونية المجمع؛ لأن دفاعه لاهوتياً عن العقيدة المقدسة أعاد الحق إلى نصابه.


المراجع:

  • أوسابيوس القيصري. تاريخ الكنيسة (Historia Ecclesiastica).

  • سوزومين (Sozomen). تاريخ الكنيسة (Ecclesiastical History).

  • ثيئودوريت القورشي. تاريخ الكنيسة (Ecclesiastical History).

  • أثناسيوس الإسكندري:
    • رسالة عن قرارات مجمع نيقية (De Decretis Nicaenis).
    • دفاع عن مجمع نيقية (Apologia contra Arianos).

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى