سارة


لا يختلف اثنان في أن أبينا إبراهيم – أب الآباء – رجل سماوي، ولذا دُعي «خليل الله»، تأسيسًا على قول الرب: «إبراهيم خليلي» (إشعياء 41:8)، «فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا، ودُعي خليل الله» (يعقوب 2:23).

لذلك، نحاول هنا أن نتناول بالدراسة سيرة وحياة زوجة إبراهيم الأولى: سارة.

تنفرد سارة بأنها المرأة الوحيدة في الكتاب المقدس التي يسجل الوحي الإلهي عمرها الزمني. فقد ولدت سنة (1986 ق.م) وتوفيت عام (1859 ق.م)، فكانت حياة سارة مائة وسبعًا وعشرين سنة (تكوين 23:1).

وتتميز بأنها أخذت وعد البركة من الله. أي أن الرب إلهنا كما وعد أبينا إبراهيم أن يكون أبا لجمهور كبير، كذلك بارك سارة قائلاً: «أباركها، فتكون أممًا، وملوك شعوب منها يكونون» (تكوين 17:16)، تحقيقًا للمبدأ الإنجيلي القائل: «ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع» (غلاطية 3:28).

أولاً: اسمها

اسمها الأصلي «ساري» بمعنى «أميرتي». وقد كانت أختًا لإبراهيم من أبيه، وليست ابنة أمه، فصارت له زوجة. وإلهنا الذي غير اسم زوجها من «أبرام» إلى «إبراهيم»، كذلك غير اسمها من «ساري» إلى «سارة» بمعنى «أميرة»، التي منها وحدها يأتي النسل الموعود: «وقال الله لإبراهيم: ساراي امرأتك لا تدعو اسمها ساراي، بل اسمها سارة».

وإذا كان الله يهتم بأسمائنا بهذه الصورة، لذا ينبغي أن نعطي اهتمامًا بالغًا بأسماء أولادنا وبناتنا، ونعطيهم أسماء القديسين والقديسات، سعيًا وراء التشبه بهم، والتمثيل بإيمانهم، وحتى بهذا يمكن نقشها على كفي الرب إلهنا، وأيضا كتابتها في سفر الحياة.

ثانيًا: إيمانها

ظلت سارة عقيمة حتى بلغت التسعين من عمرها، ومات مستودعها، أي انقطع أن يكون لها عادة كالنساء، وبالتالي لم تعد قادرة على الإنجاب. وبعبارة الوحي الإلهي: «مماتية مستودع سارة» (رومية 4:19). لكن «هل يستحيل على الرب شيء؟» (تكوين 18:14). حاشا.

سارة وابراهيم في استقبال الثلاثة ملائكة
the Providence Lithograph Company, Public domain, via Wikimedia Commons

لقد أعطاها الرب قدرة على إنشاء نسل.

وبالرغم من اعتراف سارة بأنها بلغت من الفناء، بيد أن الرب وعد إبراهيم قائلاً: «إني أرجع نحو زمان الحياة، ويكون لسارة ابن». وكانت سارة سامعة، فضحكت في باطنها، ولهذا دعت المولود «إسحاق» الذي بمعنى «يضحك»، حيث قالت: «قد صنع الله لي ضحكًا، كل من يسمع يضحك لي».

ويتفق إبراهيم مع سارة في هذا الأمر، وقال في قلبه: «هل يولد لابن مائة سنة؟ وهل تلد سارة وهي بنت تسعين سنة؟» (تكوين 17:17). بل وسقط على وجهه وضحك، وقال لله: «ليت إسماعيل يعيش أمامك». فقال الله: «بل سارة امرأتك تلد لك ابنًا، وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهدًا أبديًا لنسله من بعده».

يرى القديس أكليمندس الإسكندري أن سارة ضحكت ليس لعدم تصديقها للوعد، وإنما خجلت من الموقف: كيف تكون بعد أُمًّا لابن؟ ويرى القديس أغسطينوس أنها ضحكت من الفرح، لكنها لم تكن مملوءة إيمانًا.

لقد ضحك إبراهيم حين سمع الخبر وسجد للرب على وجهه (17:17)، وضحكت سارة في باطنها (18:13)، فأنجبا إسحاق الذي يعني «ضحكًا»، حتى يذكرا عمل الله معهما كلما ناداه باسمه، ممجدين الله الذي وهبهما نعمة تفوق حدود الطبيعة.

تأسيسًا على ما تقدم، يقول بولس الرسول: «بالإيمان سارة نفسها أيضًا أخذت قدرة على إنشاء نسل، وبعد وقت السن ولدت، إذ حسبت الذي وعد صادقًا. لذلك ولد أيضًا من واحد، وذلك من ممات، مثل نجوم السماء في الكثرة، وكالرمل الذي على شاطئ البحر الذي لا يُعد» (عبرانيين 11:11-12).

ثالثًا: رمزيتها

يرسم لنا القديس بولس الرسول صورة رمزية لهاجر وسارة هكذا: «وكان لإبراهيم ابنان: واحد من الجارية، والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد، وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز، لأن هاتين هما العهدان: أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعًا فهي حرة. إذا أيها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد الحرة» (غلاطية 4:22-31).

فهذه الحقيقة التاريخية لها دلالة رمزية، وتشتمل على مفاهيم روحية. أي أن هاتين الزوجتين – هاجر وسارة – هما العهدان: الناموس والنعمة. فترمز الأولى إلى جبل سيناء الذي كان مضطرمًا بالنار، تكتنفه الظلمة والزوبعة والضباب، وكان المنظر مخيفًا حتى أن موسى النبي – عبد الله المختار، والوسيط بين الله والشعب – قال: «أنا مرتعب ومرتعد» (عبرانيين 12:21). هذا هو العهد العتيق، «أما ما عتق وشاخ، فهو قريب من الاضمحلال» (عبرانيين 8:13).

أما سارة، فيشير إليها بجبل صهيون. بالمقارنة مع جبل سيناء، فالآخر كان ملموسًا – أي أن الله لمسه، ولم يسكن فيه – أما الأول فقد اختاره الرب مسكنًا له. ألم يقل المرنم: «عظيم هو الرب جدًا في مدينة إلهنا، جبل قدسه. جميل الارتفاع، فرح كل الأرض، جبل صهيون…» (مزمور 48:1-2). وقد أحب الرب أبواب صهيون أكثر من جميع مساكن يعقوب، وفي بعد أعمق اشتهاها مسكنًا له. وقد رفع الستار عنها ليراها الحبيب يوحنا الرائي، فكتب قائلاً: «وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها» (رؤيا 21:2). فما أبعد الفرق بين هاجر وسارة، كالفرق بين جبل سيناء وجبل صهيون.

رابعًا: جمالها

لم تكن سارة جميلة فحسب، بل كانت رائعة الجمال. وكانت تطيع إبراهيم داعية إياه سيدها، فأضفى ذلك على جمالها جمالًا روحيًا. ولقد كانت حواء رائعة الجمال لأن يد الله صنعتها، وسارة أيضًا تمتعت بجمال فائق. وكما صارت حواء أمًا لكل البشر – فهي أم كل حي – كذلك سارة تفتخر بأمومتها لجميع المؤمنات، كما هو مكتوب: «التي صرتن أولادها صانعات خيرًا، وغير خائفات خوفًا البتة» (1 بطرس 3:6-7).

والجمال سلاح ذو حدين، فقد يكون بركة أو عثرة. فالتوراة تشهد بجمال يوسف هكذا: «كان يوسف حسن الصورة وحسن المنظر» (تكوين 39:6). على أن جماله هذا أعثر امرأة فوطيفار، فقد رفعت عينيها إليه وقالت له: «اضطجع معي» (تكوين 39:7). أما جمال الطفل موسى، فقد رفعه إلى قصر الملك فرعون (خروج 2:2-10). وداود بن يسى كان أشقر مع حلاوة العينين وحسن المنظر، والرب رفعه من رعاية الأغنام إلى رعاية شعبه.

وما أجمل التأمل فيمن هو أبرع جمالاً من بني البشر. تقول عنه عروس النشيد: «ها أنت جميل يا حبيبي وحلو» (نشيد الأنشاد 1:16). وعنه يقول المرنم: «واحدة سألت من الرب وإياها التمس: أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي، لأنظر إلى جمال الرب، وأتفرس في هيكله» (مزمور 27:4). أما النفس التي لم تتمتع بعد بالشركة معه، فإنها لا ترى فيه جمالًا: «لا صورة له ولا جمال، فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه» (إشعياء 53:2).

ورب سائل يسأل: ما معنى جمال الله؟ يقصد به: جمال نعمته، ومحبته، ورحمته الجديدة كل صباح. فالله روح، والجمال الذي يتسم به جمالًا روحيًا. ألم يقل النبي زكريا: «ما أجوده، وما أجمله» (زكريا 9:17). أي أن الرب إلهنا جميل في جوده ووجوده، جميل في إحسانه وهباته وعطاياه كل صباح – للجميع دون استثناء.

خامسًا: آلامها

إن التأمل في الآلام بركة، وقوة دافعة للنصرة عليها. «الإنسان مولود للمشقة»، و «مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعبًا» (أيوب 5:7، 14:1). بهذا يكشف أيوب المتألم عن سر الألم، الذي يرجع أول ما يرجع إلى أبوين الأولين (آدم وحواء). فقد ولد الألم نتيجة لسقوطهما، قال الرب للمرأة: «تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك»، وقال لآدم: «بالتعب تأكل… بعرق وجهك تأكل خبزًا» (تكوين 3:16، 19). تألم المسيح من أجلنا، ووهب لنا أن نتألم نحن أيضًا من أجله، صولاً لشركة آلامه، «لكي تشترك في قداسته» (عبرانيين 12:10).

 نتناول نوعين من آلام سارة:

  • النوع الأول: آلام شخصية
    حين انتقل إبراهيم إلى جرار (بفلسطين)، وخوفًا من أن يقتله أبي مالك ملك جرار ويأخذ سارة، قال عنها إنها أخته، وأخفى حقيقة زواجه منها. وهذا الأمر تعرضت له سارة قبلاً في مصر، ومن أجله وبخ فرعون ملك مصر أبينا إبراهيم. لكن العجيب أن الله لا يحاسب الإنسان حسب ضعفاته، لذلك حفظ الرب سارة من يدَي فرعون: «لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا. لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض، قويت رحمته على خائفيه» (مزمور 103:10-11).
    ومع ذلك، بقي إبراهيم ضعيفًا في هذا الأمر، فتكرر حتى في شيخوخته مع أبيمالك. كأن الله يحذرنا من أنفسنا: إننا وإن بقينا عشرات السنين لا نرتكب ضعفًا معينًا، لكنه ربما في سن الشيخوخة نسقط فيما سقطنا فيه قبلاً. على أن الرب إلهنا «يعلم أن ينقذ الأتقياء من التجربة» (2 بطرس 2:9). فقد أمسك أبيمالك عن أن يخطئ، ولم يدعه يمس سارة، وأمره أن يردها لزوجها، فأعادها مكرمة لنبي الله إبراهيم.

  • النوع الثاني: آلام نفسية
    جاءت نتيجة العقم وعدم الإثمار. بيد أن الرب أعطاها قدرة على إنشاء نسل. فمن مثل إلهنا القادر على كل شيء، ولا يعسر عليه أمر، يقيم المسكين من التراب، ويرفع البائس من المزبلة. وهو المكتوب عنه: «المسكن العاقر في بيت، أم أولادها فرحانة» (مزمور 113:9). ارتكازًا على هذا الوعد المبارك، شهدت حنة – التي ذاقت آلام العقم – قائلة: «العاقر ولدت سبعة، وكثيرة البنين ذبلت» (1 صموئيل 2:5).

سادسًا: موتها

يسجل الكتاب المقدس موقفًا بالغ الرقة والحساسية، يدل على سمو مشاعر خليل الله إبراهيم نحو زوجته سارة. فيوم انتقالها يبدو أنه لم يكن موجودًا في البلدة، وحين أخبروه بموتها أسرع في الحال إليها، كما تقول التوراة: «فأتى إبراهيم ليندب سارة ويبكي عليها» (تكوين 23:2).

وأقام عليها مقبرة، ودفن سارة امرأته في مغارة حقل المكفيلة أمام ممرا، التي هي حبرون في أرض كنعان. وحين انطلقت روح إبراهيم من هذا العالم، ومات بشيبة صالحة شيخًا وشبعان أيامًا، دفنه إسحاق وإسماعيل ابناه مع سارة امرأته.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى