الآباء الأقباط والفكر الآبائي في الكنيسة الأولى
أولاً: الكرازة المبكرة في مصر
إن أصل الكنيسة في مصر مرتبط أولاً بكنيسة أورشليم (اليهودية المتنصرة)، وليس من المقبول البتة أن يُقال إن مصر لم يبشرها بالمسيح كارزون قبل القديس مرقس الرسول. ولعل السبب في جهلنا بهؤلاء الكارزين الأوائل هو أن مصر لم تدخل ضمن نطاق كرازة بولس الرسول، والتي حفلت المراجع الأولى (سفر الأعمال مثلاً) بأخبار نشاطه بالتفصيل.
ولكن من المؤكد أن مصر اعتمدت أولاً ومبكراً على إرسالية فلسطينية كانت حاضرة يوم الخمسين في أورشليم، كما يذكر لنا سفر أعمال الرسل أنه كان من ضمن الحاضرين لعظة بطرس الرسول في الخمسين يهود ودخلاء من مصر (أع 2: 10). لذلك فمن المحتمل أن المبشرين الأوائل كانوا من اليهود والمتهودين الساكنين في مصر.
من الكتابات المسيحية الأولى التي عُثر عليها في مصر، هناك ما يؤكد أنه كان في مصر منذ البدء جماعتان من المسيحيين:
الجماعة الأولى: من اليهود المتنصرين.
الجماعة الثانية: من المصريين (الدخلاء الوثنيين) المتنصرين.
ومن الجماعة الأولى كان «انيانوس» (حنانيا – وهو اسم يهودي) أول من قابله معلمنا القديس مرقس الرسول حين دخل إلى الكنيسة. ومن الجماعة الثانية كان «أبولس» الفصيح المقتدر في الكتب، الذي تعرف على بولس وشاركه في عمل الكرازة في كورنثوس وغيرها (1 كو).
ومن العلامات التي تدلنا أيضاً على تأثر كنيسة مصر في بدايتها بكنيسة أورشليم الأولى هو نوع البنيان الرئاسي الكهنوتي فيها. فإن كتاباً كثيرين من القرن الرابع – وعلى الأخص جيروم وأمبروزياستر – يقررون أنه في مصر كان أسقف مدينة الإسكندرية هو وحده رئيس مجمع القسوس، وكان يُختار من بينهم. ثم بعد امتداد المسيحية إلى باقي بلاد الوجه البحري والوجه القبلي، ورسامة أساقفة عديدين هناك في عصر الأنبا ياراكلاس البابا الثالث عشر، ظل أسقف مدينة الإسكندرية هو المترئس على باقي الأساقفة. وهذا هو نفس أسلوب الرئاسة الكهنوتية في كنيسة أورشليم الأولى، التي فيها كان يترأس الأسقف أيضاً على مجمع القسوس (بينما نجد مثلاً في آسيا الصغرى أن نظام القسوسية كان مختلطاً بالأسلوب الهيليني الذي فيه كان الأسقف يترأس على شمامسة).
ثانياً: انتشار المسيحية بين الفلاحين الأقباط
وعلى نهاية القرن الثاني، ازدهرت المسيحية في أوساط الهيلينيين بمدينة الإسكندرية. وكما تأصلت أولاً في أوساط اليهود، كذلك سرعان ما أولت اهتمامها إلى عامة المصريين الوثنيين الفلاحين. فإنه بالرغم من اصطباغ الإسكندريين بالثقافة اليونانية، إلا أن المصريين الفلاحين كانوا يتكلمون باللغة الديموطيقية. فبهذه اللغة كُتبت الكتابات الغنوصية (1) التي عُثر عليها في نجع حمادي، وبعض هذه الكتابات يرجع إلى القرن الثاني. ولأن هذه الكتابات كُتبت أصلاً باللغة القبطية، فإن هذا يقطع بوجود مسيحية قبطية بين الفلاحين المصريين على طول ضفاف النيل، منذ القرن الثاني.
ثالثاً: كنيسة غاية في الإعجاب
إنه من بين هؤلاء الفلاحين المنتشرين حول مدينة الإسكندرية وعلى ضفاف نهر النيل في شماله وجنوبه، قامت منذ البدء كنيسة يصفها القديس جيروم بأنها «غاية في الإعجاب»، في منهجها التعليمي وطريقة معيشتها النسكية.
وقد شاهد المؤرخ اليهودي الإسكندري المشهور «فيلون» – الذي عاصر الرسل والقديس مرقس الإنجيلي – هذه الجماعات وكتب لنا تقريراً وافياً عنها. فأول ما لاحظه في بعض كنيسة مصر الأوائل في القرن الأول أنهم كانوا يبدأون حياتهم الجديدة بأن يتنازلوا عن كل ممتلكاتهم لأقاربهم، وبعد أن ينبذوا كل هموم الحياة كانوا يخرجون من المدن ويقطنون الحقول الموحشة والحدائق، تحت تأثير إيمان ملتهب، مقتدين بسير الأنبياء.
ويشهد «فيلون» أيضاً بأن بيوت المسيحيين كانت بيوت صلاة، تحوي في كل منها مكاناً مكرساً يُدعى قدساً (هيكلاً) حيث يؤدون أسرار الحياة الدينية في عزلة تامة. وكانوا لا يُدخلون إلى هذا المكان أي شيء من الطعام أو الشراب أو حاجات الجسد، بل الكتب المقدسة فقط والترانيم وغيرها مما يساعد على كمال معرفتهم وتقواهم (2).
ويقول المؤرخ الكنسي يوسابيوس (الذي نقل لنا ما كتبه فيلون عن مسيحيي مصر) إن هذه الكتب هي الأناجيل وكتابات الرسل، وربما تفسير بعض النبوات القديمة، ورسالة العبرانيين، ورسائل بولس الرسول. وشرح فيلون كيف أن هذه الجماعات كانت تضبط نفسها في الطعام والشراب فتصوم حتى غروب الشمس. وذكر أن بعض النساء عشن عذارى على نفس هذا النهج أيضاً. وكان الجميع يسهرون ليلة العيد العظيم (غالباً عيد القيامة)، ووصف كيف كانوا يملأون هذه السهرات بالترانيم.
ومن هنا استطعنا أن نتتبع كيف بدأت الخطوط الأولى لليتورجية تتجمع بتسابيحها وألحانها وأوزانها وأوقاتها الليلية والنهارية والتي للأعياد والمواسم، منذ ذلك العصر المبكر للكنيسة القبطية. ذلك الميراث العظيم الذي نتمتع به الآن، ونستغرق فيه فنمتلئ فرحاً ونمواً في حب إلهنا.
رابعاً: الرهبنة – ميراث من الكنيسة الأولى
ثم يأتي كاسيان في القرن الرابع – حين كانت حركة الرهبنة قد قاربت على الوصول إلى أوجها – فينقل لنا عن الأب الراهب بيامون القس أن ما تسلمته الكنيسة المصرية بالتقليد هو منهج الحياة الرهبانية التي كانت تعيشها جماعات الرهبان في القرن الرابع، ويقول إن هذا التقليد النسكي قد استلمته من القديس مرقس الإنجيلي. إذن، فميراث الحياة النسكية الفردية والجماعية الذي نقتنيه الآن إنما هو أول ما استلمه مسيحيو مصر من كاروزهم المبارك مار مرقس الإنجيلي ناظر الإله.
ثم يكتب القديس جيروم (342-420م) – العالم والمؤرخ الكنسي الذي زار مصر وتنسك فيها – ضمن كتابه «مشاهير الرجال» أن القديس مرقس الإنجيلي كتب إنجيله وانحدر إلى مصر في حوالي منتصف القرن الأول، وكرز بالمسيح أولاً بالإسكندرية، وكوَّن كنيسة غاية في الإعجاب. هذه الكنيسة الأولى التي يحاول الرهبان (في عصر جيروم) أن يقتدوا بها من جهة الحياة المشتركة معاً، والانفراد للصلاة والتسبيح بالمزامير، والانعكاف على قراءة الإنجيل وتأمله وتفسيره ومطابقته على حياتهم اليومية.
هذا المنهج النسكي العملي هو الميراث الذي استلمته الكنيسة القبطية عبر الأجيال، في شكل طقوس الأصوام والأعياد والسهرات والتسبحات وغيرها، والذي هو متلالئ بالأكثر في حياة الرهبنة وبين جدران الأديرة وفي المغاير حتى الآن.
خامساً: الفكر المسيحي المبكر واللغة القبطية
1. اللغة القبطية ولهجاتها
إن لغة مصر الفرعونية – التي تنقسم إلى لهجات متعددة – لم تنقرض أبداً، حتى والبلاد تمر تحت سيادات أجنبية متعددة. بل بالعكس، ظل المصريون يتكلمون بها؛ لأن غالبية الشعب لم يكونوا يهتمون بما يجري في الأوساط الأدبية والسياسية في الإسكندرية، ولا بالأوساط المدنية الأخرى التي كان يديرها الأجانب. وظلت اللغة المصرية تشق طريقها كما يشق النيل طريقه دون توقف.
أما اللغة القبطية، فهي تمثل المرحلة الأخيرة من اللغة المصرية القديمة. وقد استوعبت اللغة القبطية في قاموسها – أثناء السيادة اليونانية، وعلى الأخص بعد دخول المسيحية – قدراً كبيراً من الاصطلاحات اليونانية، ما لم يكن قبلاً في اللغة الأدبية المكتوبة، كما دخل في لغة الحديث أيضاً بعض هذه التعبيرات.
وقد اعترى اللغة القبطية ما اعترى اللغات الأخرى من تطور وتغيير، من استعمال وإدخال تعبيرات وأشكال دارجة أو عامية، قبل أن تصل إلى مرحلة الكتابة الأدبية حيث تبدأ بوادر الفناء بجمود الأشكال الأدبية والتعبيرات اللغوية. لذا فقد صارت اللغة القبطية لغة ديناميكية على ممر الأجيال. ووجود النصوص القبطية المكتوبة القديمة – وهي ليست في الواقع عديدة، وقد ترجع على الأكثر إلى القرن الثاني المسيحي – وجود هذه النصوص يفترض وجود لغة للتخاطب والحديث أكثر قدماً من لغة الكتابة.
تنقسم اللغة القبطية إلى 9 لهجات على الأقل، اثنتان منها ذات أهمية خاصة:
اللهجة الصعيدية: وهي – على ما يُظن – كانت هي اللهجة الأصلية لمصر الوسطى والعليا، وكانت هي اللغة الأدبية للعصر القديم. وقد استُبدلت في العصور الوسطى شيئاً فشيئاً باللهجة البحيرية – لهجة أهل الشمال – والتي انتشرت أيضاً في النهاية في الصعيد حول طيبة.
اللهجة البحيرية: لغة الدلتا الغربية، وقد انتشرت في العصور الوسطى في كل مصر القبطية، وهي الآن اللغة السائدة، وعلى الأخص في القداس.
وهناك لهجات أخرى سادت في مناطق محددة:
اللهجة الأخميمية: وهي لغة الحديث في المناطق حول أخميم (قديماً بانوبوليس).
لهجة الليكوبوليس: وهي السائدة نواحي أسيوط (قديماً ليكوبوليس)، وقد صارت في وقت ما اللغة المشتركة أو لغة التفاهم مع المنطقة من نجع حمادي إلى الفيوم.
لهجة منطقة الأكسيرنكوس: وهي لهجة مصر السفلى.
اللهجة الفيومية: كانت لغة الحديث في منطقة الفيوم، وكان تأثيرها محسوساً قبل تلاشي لهجة الأشمونين ولهجة مصر الوسطى من بلادها.
ويتبقى بعد ذلك ثلاث لغات صغرى، اكتُشفت في مخطوطات قليلة:
لهجة طيبة القديمة: واستُخدمت إما في طيبة أو في المنطقة حول الأقصر وقفط.
لهجة الأشمونين: حيث كانت هي لغة التخاطب هناك.
اللهجة البشمورية: ويُرَجَّح أنها كانت تُستخدم في جنوب القاهرة وحتى المناطق الساحلية للبحر الأبيض المتوسط.
سادساً: متى تُرجم الكتاب المقدس إلى القبطية؟
1. العهد القديم
من المقطوع به أن العهد القديم تُرجم إلى اللغة القبطية الصعيدية قبل ترجمة العهد الجديد، أي قبل القرن الثالث. ويُشبهون هذه الترجمة بالترجمة السبعينية التي ترجمها بطليموس في الإسكندرية لمنفعة المتكلمين باليونانية في ما قبل ميلاد المسيح. فالترجمة القبطية قدمت للمتكلمين بالقبطية دون اليونانية من أهل مصر.
ويذكر أحد الكتاب المدنيين من الأقباط في القرن الثاني (واسمه زوسيموس الطيبي) ضمن كتاباته ما يعنى أن «شيئاً باللغة القبطية نُقل عن الكتابات العبرانية» (ولا شك يقصد العهد القديم)، وأن «هذا المنقول محفوظ في مكتبة بطليموس بالإسكندرية».
2. العهد الجديد
أما العهد الجديد، فلدينا أقدم ترجمة له باللغة القبطية الصعيدية، وهي ترجع إلى النصف الأخير من القرن الثالث.
وهذا يعني أن البشارة بالإنجيل وصلت إلى المصريين (ممن لا يتكلمون باليونانية أصلاً) وصلت إليهم باللغة القبطية الصعيدية التي كانت هي اللغة السائدة بين أقباط مصر. وإننا نُذهل من الترجمات القبطية العديدة للكتاب المقدس، وهذا أمر معقول، حيث أن مكتبات المخطوطات كان مكانها عادة داخل الأديرة، حيث كانت هذه الترجمات مخصصة لخدمة المطالب الطقسية الليتورجية.
سابعاً: الأقباط وكتابات الآباء الرسوليين
لقد تفاعل الأقباط مع الكنيسة الجامعة في كل أنحاء المسكونة، تعلموا من آبائها دون تمييز بين قومية وأخرى، وأثروا هم أيضاً في فكر الكنيسة الجامعة وتعليمها (ما سنعرضه بالتفصيل فيما بعد)، بكتابات آبائهم العظام وتعليمهم اللاهوتي الدقيق.
ونحن نعني بكتابات الآباء الرسوليين تلك الكتابات المسيحية في القرن الأول وبداية القرن الثاني، وهي تعتبر الصدى المباشر لكرازة الرسل، الذين تتلمذ هؤلاء الآباء على أيديهم وسمعوهم.
وقد بُدئ بهذه التسمية في القرن السابع عشر للتدليل على الكتاب الكنسيين الخمسة: برنابا، وكلمنضس الروماني، وبوليكاربوس أسقف أزمير، وإغناطيوس الأنطاكي، وهرماس. وقد أُضيف عليهم بعد ذلك بابياس، ومؤلف الرسالة إلى ديوجينيتوس، ثم في خلال القرن التاسع عشر أُضيف عليهم مؤلف كتاب «الديداخية».
التقليد المترجم إلى القبطية من هذه الكتابات، والذي هو محفوظ عندنا، يشمل حتى الآن: كلمنضس الروماني، وإغناطيوس الأنطاكي، والراعي هرماس، والديداخية.