كيف تعيش في سلام؟
نعيش اليوم في عصر ملئ بالقلاقل والاضطرابات، عصر يكتنفه الشد النفسي والحيرة والتردد. وانعكس كل ذلك على صحة الناس، فمن أمراض القلب إلى تصلب الشرايين، إلى انهيار الأعصاب وارتفاع الضغط؛ علل ترجع أصلاً للضغوط العقلية والصراعات الحالية، مما لم يكن له مثيل في القديم، حتى أن آدم كان يعيش مع الوحوش في الجنة في سلام، ونوح مع الوحوش في الفلك في سلام.
لذلك لا نعجب إذا فقد المرء اتزانه، فصار كثير الصدام مع الآخرين (في العمل، في الشارع، في وسائل المواصلات، في البيت… إلخ)، وصارت أحكامه عليهم جائرة، وطاقاته البناءة مهددة، ومن ثم فقد البهجة والمسرة والابتسام لأن حياته خلت من السلام. فما أحوجنا إلى السلام الحقيقي! لأنه بغير سلام حقيقي يكون العالم جحيماً، وبغير السلام يضحى البيت عذاباً، وبغير السلام يصير القلب أتوناً.
لذلك فالسلام الحقيقي الذي يهبه الله للمؤمن يكون سلاماً يفوق كل عقل (في 4: 7)، ويمنح المؤمن فرحاً قلبياً لا يُنطق به ومجيداً (1 بط 1: 8).
أولاً: ما هو السلام؟
السلام الحقيقي هو حالة من الفرح القلبي والهدوء الداخلي، نتيجة حلول الله في القلب. فيكون السلام ثمرة لحياة الإيمان في المسيح: «فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح» (رو 5: 1). ويكون السلام ثمرة أيضاً لعمل الروح القدس: «وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام…» (غل 5: 22).
لذلك يعتبر السلام من أعظم العطايا التي منحها الله للبشر في شخص ابنه يسوع المسيح، فهو عطية روحية مباركة يهبها الله لكل من يؤمن به: «الرب يعطي شعبه قوة، الرب يبارك شعبه بالسلام» (مز 29: 11)، و«يتكلم بالسلام لشعبه وقديسيه وللذين رجعوا إليه بكل قلوبهم» (مز 85: 8-9).
ثانياً: لماذا لا نتمتع بسلام حقيقي؟
كثير من الناس تخلو حياتهم من السلام الحقيقي، ويرجع ذلك لانفصال هؤلاء عن الله ملك السلام. ونتج عن ذلك وجود العديد من المعوقات في حياتهم والتي تعوق تمتعهم الحقيقي بالسلام في شخص ربنا يسوع المسيح، على سبيل المثال:
(أ) ضعف الإيمان:
الإنسان الذي يتعلم كيف يجعل على الله اعتماده ومتكله يحيا في سلام القلب والفكر. مثال: داود النبي الذي يقول: «إلهنا ملجأنا وقوتنا، معيناً في شدائدنا التي أصابتنا جداً» (مز 46: 1). (راجع موقف الفتية الثلاثة في أتون النار، دانيال في جب الأسود، يوسف في السجن، وأيضاً بولس وسيلا، بطرس وغيرهم). ضعف الإيمان يؤدى إلى عدم التسليم ثم عدم الاتكال على الله، وبالتالي يخلو القلب من السلام.
(ب) عدم التسليم:
وهو نتيجة حتمية لضعف الإيمان. فعدم تسليم حياتنا في يد الله القدير يجعل الكثيرين أكثر قلقاً على مستقبلهم ومستقبل أولادهم، وهذا يعني انعدام الثقة في قدرة الله ومواعيده. لذلك لا نعجب عندما نرى الكثير من الآباء والأمهات قلقين على مستقبل أولادهم، وعلى كيفية توفير حياة كريمة لهم في المستقبل.
(ج) عدم الاتكال الكلي على الله:
وعدم التسليم يؤدى إلى عدم الاتكال الكلي على الله، ويبدأ الإنسان في الاتكال على ذاته أو على الآخرين، وبذلك يفقد الإنسان سلامه الحقيقي وتعصف به الأحداث كما تشاء، متناسياً الرجاء بالرب.
(د) الافتقار إلى المحبة:
المحبة محبة الإنسان لله وللآخرين ولنفسه، كل هذا يجعل الإنسان لا يحيا في سلام. لأن المحبة تطرح الخوف خارجاً، وتعمل على حلول السلام في القلب، فيحتمل الآخرين ويسعى بالحب لصنع السلام داخل نفسه وداخل أسرته ومع الآخرين أيضاً. لأن المحبة الحقيقية دليل وجود الله في قلب الإنسان.
(هـ) الخطية:
إحدى العقبات في طريق حلول السلام في القلب هي الخطية. فإذا كان السلام من ثمار الإيمان وعمل الروح القدس في الإنسان، ففقدان السلام من ثمار الخطية، لأنها التعدي على ملك السلام، فتقود الإنسان إلى اليأس وانقطاع الرجاء، وربما التخلص من الحياة كلية. لذلك يقول الكتاب المقدس: «لا سلام قال إلهي للأشرار» (إش 57: 21).
أمثلة عملية:
قايين: كان يحيا في سلام، ولكن ما أن ارتكب خطية قتل أخيه هابيل حتى فقد السلام، ويظهر هذا في قوله للرب: «ذنبي أعظم من أن يُحتمل. إنك قد طردتني اليوم من وجه الأرض، ومن وجهك أختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض، فيكون كل من وجدني يقتلني» (تك 4: 13-14).
داود النبي: عندما سقط في الخطية قال: «ليست في عظامي سلامة من جهة خطيتي» (مز 38: 3).
(و) تعظم المعيشة:
تسأل المرأة اليوم: كيف تحصلين على السعادة وحياة السلام؟ تجيب: زوج غني – شقة فاخرة – رصيد في البنك… إلخ. وتوجه نفس السؤال للرجل فيجيب: مال وفير – مركز مرموق – زوجة غنية… إلخ. ممكن أن يتحقق كل ذلك، لكن بمجرد أن تفقد السلام الحقيقي… والأنباء تحمل لنا كل صباح أمثلة عملية عن أناس أغنياء انتهت حياتهم بالانتحار، لماذا؟!! لأنهم امتلكوا كل شيء وخسروا أعظم شيء، وهو الإيمان بالمسيح ملك السلام. لذلك يخبرنا الكتاب المقدس قائلاً: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟».
(ز) عدم المواظبة على حضور الكنيسة بيت الله:
السلام الإلهي يحتاج بين الحين والآخر لقوة دفع، وهذا لن تجده سوى في الكنيسة من خلال الصلاة وممارسة وسائط النعمة. ففي الكنيسة ووسط جماعة المؤمنين يتمتع الإنسان بسلام حقيقي، كما كان نوح يعيش في سلام داخل الفلك بينما العالم يحيا في اضطراب. الكنيسة المقادة بروح الله تقود أولادها ليحيوا في سلام.
ولن أبالغ إن قلت إن مبنى الكنيسة نفسه يمنح المؤمن به دليلاً على قول الرب: «سلاماً أترك لكم. سلامي أعطيكم. ليس كما يعطى العالم أعطيكم أنا» (يو 14: 27).
ثالثاً: ما هي سمات السلام الحقيقي؟
1. سلام دائم: لأنه من الله الذي لا يتغير، لأن «الله ليس عنده تغيير أو ظل دوران» (يع 1: 17). فهو سلام دائم في الضيق كما في الفرح، في المرض كما في الصحة، في الفقر كما في الغني. لذلك فعبارة «سلام لكم» ليست مجرد تحية، بل هي عطية إلهية.
2. سلام سمائي: يتجاوز كل فهم الإنسان ويصل به إلى السماء، لأنه نابع من السماء.
3. سلام يصاحبه فرح حقيقي: وصفه الرسول بطرس بأنه فرح لا ينطق به ومجيد (1 بط 1: 8)، وينعكس أثره على الآخرين، كما حدث أثناء زيارة العذراء مريم لأليصابات (لو 1: 41).
رابعاً: كيف أحصل على سلام الله الحقيقي؟
إن كنت حتى الآن لا تتمتع بسلام الله الحقيقي وتعاني من القلق والضيق، فالمطلوب منك:
1. جلسة هادئة مع الذات: اجلس مع ذاتك في هدوء، وفتشها جدياً، وكن صريحاً مع نفسك، وابحث عن أسباب عدم تمتعك بالسلام. هل هو راجع لضعف الإيمان وعدم تسليم حياتك للرب؟ أم راجع لحياة الخطية التي تحيا بها وقلبك المملوء بالحقد والكراهية للآخرين؟
2. الصلاة بإيمان: اطلب من الرب بإيمان في صلاتك أن يساعدك على إفراغ عقلك من الأفكار المقلقة، وأن يملأه بالأفكار الإيمانية الممزوجة بالحب، وأن ينزع من قلبك الحقد والكراهية ويملأه بالحب والسلام.
3. التأمل اليومي: مارس التفكير اليومي في أفكار مليئة بالسلام، مع ترديد كلمات مسموعة. لو وقفت أمامه متأملاً بالروح، سوف يقودك إلى طريق السلام. على سبيل المثال:
المنارة: إن مجرد النظر إليها وهي تضرب محلقة نحو السماء، وكأنها تهرب من تنابذات البشر وصراعاتهم، ألا يذكرك ذلك بالهدوء الذي إن جاز أن تفتقده هنا، فهو يقيناً هناك في السماء. بمعنى لا تنظر إلى السلام الأرضي، بل ضع رجاءك في السلام الممنوح لك من السماء.
الجرس: استمع إلى رنين الجرس، وتصور كم هدى من غريب ضال كان يضرب في زحمة الحياة الصاخبة فقاده إلى ميناء الراحة والسلام.
باب الكنيسة: انظر إلى باب الكنيسة، وكأنه يدعوك إلى تجاوز العتبة في ثقة إلى الداخل، حيث تجد ملاذاً حقيقياً يهيئ لك صفاء النفس وسلام القلب. لأن باب الكنيسة رمز للمسيح الباب الحقيقي، من يدخل منه يخلص ويخرج ويجد مرعى. لذلك هتف داود النبي قائلاً: «ما أحلى مساكنك يا رب إله الجنود. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديارك».
تأمل الكاهن: وهو يصلي «سلام لجميعكم»، ويختم صلوات القداس: «امضوا بسلام، وسلام الله يكون معكم».
4. القراءة المنتظمة في الكتاب المقدس: لأن كلمات الإنجيل لها قيمة علاجية قوية. دعها تدخل إلى أعماق عقلك، وأعطها الفرصة لتذوب في شعورك، فتعطيك بلسماً شافياً لكل كيانك، فتحصل على السلام الحقيقي.
5.ممارسة الصمت يومياً: اختل بنفسك لدقائق في مكان هادئ، ومارس تدريب الصمت. أرهف السمع إلى الأصوات المتناسقة الجميلة التي تنبع من الأعماق، لتتدرب على سماع صوت الله داخلك. فالصمت علاج وتلطيف وممارسة صحية، فهو المادة التي تشكل الأشياء العظيمة، ومنها السلام.
6. الابتعاد عن مصادر القلق: ابتعد بقدر الإمكان عن مصادر القلق والمشاكل، عملاً بقول الإنجيل: «إن كان ممكناً فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس» .
إله السلام يحل بسلامه في كنيسته وشعبه. آمين.