تأملات في التجسد
جوهر الدين المسيحي
ما هي حقيقة الدين المسيحي وما جوهره؟ هل هو مجرد تعاليم روحية أم مذهب أخلاقي سام؟ بماذا يمتاز الدين المسيحي وأين تقع أهميته؟ ما هي قيمة الأفكار المسيحية بالنسبة للأفكار والأشكال الدينية الأخرى؟ أما كان يمكن أن تتم الصلة بين الله والإنسان دون حاجة إلى التجسد؟![]()
هكذا كنت أسائل نفسي، وكثيراً ما كنت أقول: ألعل قيمة المسيحية تبدو في تعاليمها السامية؟ ثم أعود فأقول: لو أن قيمة المسيحية تستمد من تعاليمها فقط، لكان هنالك أيضاً من المذاهب والتعاليم ما يتعادل مع المسيحية. إذن ما هي حقيقة المسيحية؟
المسيحية: حادثة فريدة
إن المسيحية ليست مذهبا جديداً، بقدر ما هي حادثة فريدة. المسيحية حادثة فريدة أحدثت انقلاباً كبيراً في العلاقة بين المخلوق والخالق. ومع ما تمتاز به التعاليم المسيحية من سمو، فإن هذه التعاليم جميعها ليست ذات قيمة إلا إذا صدرت عن التجسد الإلهي. وكذلك الشأن في كل تصرفاتنا، فليس لها قيمة روحية إلا إذا صدرت عن الإيمان بالإله المتجسد، وعن هذا الإيمان تستمد قوة الحياة ونبع التصرفات.

وعلى ذلك، فالتعاليم المسيحية ليست مجرد مذهب روحي فحسب، وليست المفاضلة بينها وبين التعاليم الأخرى على نحو المفاضلة بين مذهب أخلاقي ومذهب آخر. فلو كان الأمر هكذا لهان شأن المسيحية ومساواتها مع غيرها من المذاهب الأخلاقية. فمن الأمور التي لا يمكن إنكارها أن هناك مذاهب أخلاقية سامية كتبها رجال الأخلاق، كما أنه في مقدور أي شخص أن يضع مذهبا أخلاقيا قويما لا يقل في سموه عن التعاليم التي نادى بها المسيح. ولكن قيمة التعاليم المسيحية لا تبدو في كونها مجرد تعاليم ووصايا تحدد علاقة البشر بعضهم ببعض وعلاقتهم بالخالق. إن قيمة التعاليم المسيحية تبدو في شخص المسيح الذي صدرت عنه. وإذا انفصلت التعاليم المسيحية عن شخص المسيح، فقدت قوتها وتعادلت في قيمتها مع أي مذهب أخلاقي آخر.
محورية عقيدة التجسد
ومن هنا كانت قضية التجسد مدار النبوات في العهد القديم، ومحور البشائر في العهد الجديد، بل كانت أيضاً أساساً لكثير من المجامع الكنسية التي عقدها آباء الكنيسة الأوائل ليدعموا هذه العقيدة ويقروها في قلوب المؤمنين. وكانت مهمة الكنيسة أن تجلو هذه العقيدة وتزيل ما بها من غموض، وأن تقضي على مزاعم المبتدعين الذين انحرفوا في فهم حقيقة التجسد وقللوا من شأن المسيح الكلمة، على نحو ما فعل نسطور.
ولعل سبب ما وقع في هذه العقيدة من خلط يرجع إلى القصور عن إدراك الوسيلة الضرورية لتحقيق الغاية التي جاء من أجلها السيد المسيح إلى الأرض. فلو كان المسيح مجرد إنسان كامل، لعجز عن تخليص البشر من خطاياهم، ولما كان يجوز لنا أن نقدم له السجود والعبادة. إن رسالة المسيح هي رسالة «الإله المتأنس». والمسيح ليس من طبيعتين، لكن المسيح الذي ولد من مريم هو بعينه المسيح الذي أسلم الروح على الصليب. ليس المسيح غير طبيعة واحدة وآنية واحدة. فالمسيح الذي يقول: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» هو بعينه المسيح الذي قال على الصليب: «أنا عطشان». وليس المسيح مجرد إنسان ملهم، ولكنه هو نفسه الله. وبمعنى آخر: الله هو المسيح.
وبقدر ما تستقر هذه العقيدة في قلب المؤمن، بقدر ما يكون لأعماله وأفكاره من قيمة. وبقدر ما يتجاهل الإنسان قيمة هذا التجسد الإلهي، بقدر ما تنحط أعماله وتتلوث أفكاره. ففي قضية التجسد تتركز أهمية الدين المسيحي، وفيه أيضاً تبدو مكانة الإنسان على حقيقتها. ومرحلة التجسد هي أهم مرحلة في حياة البشر، تغيرت على أساسها معالم التاريخ. فبالتجسد كمل الدين، وتحددت قيمة الإنسان، وكسبت البشرية عهدها الجديد المجيد.
تفرد المسيحية
وإذا كان للتجسد هذه القيمة وهذا القدر، كذلك أضحى الدين المسيحي بهذه القيمة وهذا القدر. فكما أن حادثة التجسد حادثة فريدة، كذلك شأن الدين المسيحي فهو دين فريد، وكذلك أيضاً شأن التعاليم المسيحية. حقاً، يمكننا أن نطلق على التعاليم المسيحية أنها «التعاليم»، وعلى الدين المسيحي أنه «الدين». ومن هنا يبدو عبث المقارنة بين تعاليم المسيح والتعاليم الأخرى، وبين دين المسيح والأديان الأخرى، ما لم نعتبر في هذه المقارنة شخصية المسيح ذاتها. وبمعنى آخر، أنه بفضل عقيدة التجسد، لم تصبح المسيحية فقط مجرد دين قويم ممتاز، لكنها أصبحت «الدين ذاته»، وأصبح الدين هو المسيحية.
وفي الدين المسيحي تتحقق الصلة بين الخالق والمخلوق، ويتقابل العابد مع المعبود، ويتحد الإله والإنسان في شخص المسيح «الإله المتأنس».
الكشف الإلهي في التجسد
الله الذي يُرى ويُسمع
في التجسد الإلهي نجد أن أول ميزة امتاز بها الدين المسيحي – كما قلنا سابقاً – هو أنه كشف لنا من طبيعة الله وحقيقته، وأمكنه أن يخترق الحجب الكثيفة التي كانت تفصل بين الله والإنسان. وأمكن الإنسان أن يخاطب الله في شخص المسيح، كما أمكن الله أن يظهر للإنسان ويعيش معه، دون أن يبعث ذلك على الخوف والرعب على نحو ما رأينا في بني إسرائيل في أيام موسى.
وقد لا يكون المسيح هو أول من كشف لنا عن طبيعة الله، فقد سبقه في ذلك الأنبياء لأن الله كشف لهم ذاته. ولكن على الرغم من مكانة الأنبياء وعلو شأنهم، فإن هؤلاء الملهمين لم يستطيعوا أن يروا الله وجها لوجه. كان هناك اجتماع أو لقاء بين الإنسان والله، على وجه التحديد بين الله والأنبياء، لكنه اجتماع غير كامل ولا يمكن أن يترجم ترجمة حقيقية عن حقيقة الطبيعة الإلهية. من هنا جاز لنا أن نقول أنه على الرغم من إعلانات الأنبياء التي كشفت كثيراً من غوامض العالم السماوي، فإن هذه الإعلانات لم تصل إلى الدرجة التي يمكن أن تعبر تعبيراً كاملاً عما لا يمكن أن يعبر عنه («الله»)، وأن ترينا الله الذي لا يمكن رؤيته. أما هذا التعبير الكامل عن حقيقة الله، والرؤية الجلية لذات الله، فهو ما قدمه لنا تجسد المسيح «الإله المتأنس».
ردًا على التساؤلات
لكن هذا الكشف الإلهي الذي نفخر به، والذي أرانا الله متجسداً بيننا – يعيش على نحو ما نعيش، ويتكلم على نحو ما نتكلم، ويبدو في صورة إنسان له ما للإنسان من عواطف ومشاعر – هذه الصورة التي قاربت بين الله والإنسان، كانت في كثير من الأحيان محل سخرية الكثيرين من المفكرين. إنهم يتساءلون: هل الله يتكلم؟ وهل لله شفاه مثل شفاهنا ولغة مثل لغتنا؟ فإذا تكلم سمعنا ماذا يقول وبماذا يتكلم؟!
هذه الأسئلة وأمثالها لم تعد بعد مثاراً للتعجب والدهشة. نعم، يتكلم وأيضاً له شفاه مثل شفاهنا، وما يقوله نسمعه ونفهمه على نحو ما نسمع أمثالنا من البشر ونفهمهم. وهذا كله فضل من الله ونعمة من لدنه، وهي حقيقة لا يمكن إنكارها. ففي شخص المسيح «الإله المتأنس» كلمنا الله، وسمعنا صوته، ورأينا صورته، وعشنا معه، وخاطبناه، واستمع إلينا وخاطبنا، وأصغينا إليه. ولعل أبلغ ما يمكن قوله في هذا المجال هو هذه العبارة الذهبية التي نطق بها يوحنا البشير: «والكلمة صار جسداً وحل بيننا، ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً» (يو 1: 14).
المسيح: التعبير الكامل عن الله
المسيح يعرِّفنا بالله
فالمسيح هو الذي عرفنا الله غير المرئي. إنه الابن الوحيد الذي يستطيع وحده معرفة الآب معرفة كاملة، على نحو ما يعرف نفسه. إنه كلمة الآب، وهو نفسه الخالق الذي انعكس على ذاته، ووهب نفسه الحلقة البشرية، فبدا لنا كأنه بشر يعيش بيننا.
رسالة المسيح: الحقيقة المتجسدة
وهكذا أيضاً شأن الرسالة التي قدمها المسيح للبشر. إنها الحقيقة الإلهية انعكست في صورة بشرية. ولذلك لا نقنع بأن نصف رسالة المسيح على أنها الرسالة التي حملت الحقيقة إلى البشر، أو التي شاركت في إذاعة الحقيقة. فهذه وتلك أوصاف تنطبق على رسائل الأنبياء والرسل. لكن رسالة المسيح هي ذات الحقيقة الإلهية منعكسة في صورة بشرية، لأن المسيح هو ذات الله منعكس في صورة الإله المتأنس.
وإذا كان المسيح هو الإله المتأنس، أمكن لنا أن نقول أن المسيح هو الله الذي في صورته البشرية يتأمل الله، دون أن يكون ثمة واسطة، أو هو بمعنى آخر يتأمل ذاته، ويستعمل في ذلك لغة البشر وأفكارهم. فإن الله، وهو فوق الطبيعة، يستطيع في صورة «الإله المتأنس» أن يخاطبنا بما يتفق وطبيعتنا، ويستطيع أن يصب أفكار وأحكام الحقيقة الإلهية في صورة حقيقية بشرية. وإذا لم تكن اللغة البشرية التي استعملها المسيح قادرة على أن تحد اللا محدود («الله»)، فهي على أية حال ملائمة، طالما أن كلمة الله استعملها ليعبر عن ذاته باعتباره الإله المتأنس. وهكذا أقر المسيح لغة البشر كافة صالحة لتعبر عن الإنسانية المتدينة، وكان المسيح بحق هو المترجم الدقيق للحقيقة الإلهية.
ختام: الكمال والتمام في المسيح
لا حاجة لكشف جديد
وإذ كشف لنا المسيح الحقيقة الإلهية وجعلها واضحة ناصعة، لم نعد بعد في حاجة إلى كشف آخر أو إعلان آخر. فإن رسالة الإعلان والكشف قد تمت وكملت بالمسيح وفي المسيح. غير أننا في حاجة على الدوام إلى أن نتبع أثر المسيح ونسير في الطريق الذي رسمه. لسنا في حاجة إلى أن نكشف شيئاً جديداً لم يكشفه لنا المسيح، ولكننا في حاجة إلى أن نفهم ما كشفه المسيح. لقد وهبنا المسيح مفتاح الملكوت، وما علينا إلا أن نمسك بهذا المفتاح بعينه، فهو وحده الوسيلة الوحيدة لمعرفة ملكوت الله. ليس هناك غير طريق واحد، وحقيقة واحدة، وحياة واحدة، هي التي قدمها لنا المسيح، وحاجتنا فقط أن نسير في نفس الطريق ونعتنق نفس الحقيقة.
دور الرسل والكنيسة
وفي صورة تعاليم المسيح ذاتها يمكننا أن نرى مقاصده. وهذا هو في الواقع ما فعله الرسل، فهم حرصوا على أن يسلِّموا لنا الرسالة كما سمعوها، وكما عاشوها، وانحصر جهدهم ليبلغوا الشهادة كاملة. وعن طريقهم عرفت الكنيسة المسيح، وسمعت صوته، ووضعت قوانينها وطقوسها في ضوء ما علمه المسيح وما أذاعه تلاميذه.
![]()
اقرأ أيضاً