لماذا ندرس تاريخ الكنيسة وحياة القديسين؟
يتساءل كثير من المسيحيين: “ألا تكفينا دراسة الكتاب المقدس؟ وهل هناك فائدة من دراسة حياة القديسين وتاريخ الكنيسة؟ ألا يكفي الاقتداء بالمسيح؟”
أسئلة جميلة في ظاهرها، إلا أنها خداعة وتنطوي على خطورة بالغة، ففهم الإيمان المسيحي لا يكتمل دون معرفة جذوره، ومعرفة جذوره تأتي من تاريخ كنيسته، وتاريخ كنيسته هو حياة القديسين الذين عاشوا هذا الإيمان واقعًا حيًا.
فيما يلي أبرز الأسباب التي توضّح أهمية دراسة تاريخ الكنيسة وحياة القديسين:
1. لمعرفة الأساس الذي قامت عليه الأرثوذكسية
تاريخ الكنيسة هو مرجع أساسي لفهم الإيمان الذي تسلمناه عبر الأجيال. كيف يمكنك أن تتأكد أن تعاليم كنيستك اليوم هي نفس تعاليم السيد المسيح وتعاليم الرسل؟ كيف مات الشهداء في سبيل الاحتفاظ باسم السيد المسيح؟ وكيف قابل القديسون العذاب والنفي في سبيل دفاعهم عن بعض مبادئ الإيمان؟ كيف انقسمت الكنيسة إلى كنائس متفرقة؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء هذه الانقسامات؟
إن حصولك على إجابات لهذه الأسئلة ليس من المعلومات العقلية التي لن تفيدك شيئاً، بل هي أساس إيمانك. وأنت يمكنك أن تفهم الكثير عن التعاليم المسيحية والأرثوذكسية بقراءة كتاب عن تاريخ الكنيسة ولو لم تدخل في التفاصيل العقائدية.
عندما نقرأ عن تاريخ البدع والهرطقات، فإننا نعرف الكثير من العقيدة من خلال دراسة البدع والرد عليها من أباء الكنيسة. ومن تاريخ الإنشقاقات نعرف عقيدة كل من الكنائس المختلفة.
2. تاريخ الكنيسة امتداد لتاريخ الخلاص في الكتاب المقدس:
الكنيسة ليست مجرد مؤسسة بشرية، بل هي استمرار لعمل الله في تاريخ البشرية. وكما نقرأ العهد القديم لنأخذ العبر لحياتنا، كذلك يمكننا أن نستفيد من دراسة تاريخ الكنيسة في سفر أعمال الرسل وفي كتب التاريخ.
ويجب أن نلاحظ أن سفر أعمال الرسل لم تكتب له خاتمة كغيره من أسفار الكتاب المقدس لأنه جزء فقط من تاريخ الكنيسة.
في دراستنا لتاريخ الكنيسة نرى عناية الله بشعبه، وتأديبه لهم.. نرى نتائج قوة الكنيسة ونتائج ضعفها… تأثيرها في العالم، وتأثرها هي بالعالم وأثر ذلك.
الكنيسة هي جسد المسيح الحي، وفي تاريخها نرى المسيحية الحية. فالمسيحية ليست مجرد تعاليم جاءت في الإنجيل، بل هي حياة أتى السيد المسيح ليمنحها لنا… فإننا نرى المسيحية في حياة المسيح كرأس للكنيسة، ثم نراها في حياة الكنيسة التي هي جسده.
هناك تعاليم كان من الممكن أن تكون مجرد عبارات جوفاء لولا أننا رأيناها مطبقة، ومطبقة في ظروف مختلفة وأمكنة متفرقة. كانت هناك تعاليم للسيد المسيح غير مفهومة، بل وبعضها بقي غير مفهوم لقرون وأجيال كثيرة، حتى طبقها المسيحيون فكانوا عندئذ نوراً للعالم – أذكر منها الدعوة إلى أخوة الإنسان، لا سادة ولا عبيد، والدعوة إلى نبذ التفرقات العنصرية، وإلى محبة العدو.
3. حياة القديسين قدوة لنا:
القديسون ليسوا شخصيات مثالية بعيدة المنال، بل أناس ساروا الطريق ذاته الذي نسير فيه نحن اليوم، وجاهدوا ضد الضعف والشر وانتصروا بالنعمة.
يقول الكتاب المقدس: «أنظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم» (عبرانيين 13:7). بل إنهم أكثر من قدوة حسب ما يقول القديس مار إسحق السرياني: «شهية جداً أخبار القديسين في مسامع الودعاء، كالماء للغروس الجديدة. فلتكن مرسومة عندك صورة تدبير الله مع القدماء كالأدوية الكريمة للعين الضعيفة. واحفظ ذكرهم عندك في كل أوقات النهار. وتأمل فيهم وتفكر لتتحكم منهم» (مار إسحق السرياني، الكلمات الزهدية، الكلمة 58).
إنهم أكثر من قدوة لأنك بالتأمل الدائم في حياتهم تستطيع أن تأخذ فضائلهم دون أن تدرى. من خلال دراسة حياتهم، نرى تطبيقًا عمليًا للفضائل المسيحية: الإيمان، المحبة، التواضع، والاحتمال. كما تمنحنا قصصهم رجاءً في إمكانية التوبة والتغيير، مهما كانت البداية صعبة.
وتواريخ انتصارهم في حروبهم الروحية المختلفة تعطينا نحن الثقة في حربنا «إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة. ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا» (عبرانيين 12: 1).
ومن التأملات الجميلة أن تدرس الفضائل في حياة القديسين. وستجد لكل قديس فضيلة أو أكثر اشتهر بها وبرز فيها.
4. تمجيد الله في قديسيه
عندما نقرأ عن القديسين، أو بعض حوادث تاريخ الكنيسة، التي فيها أظهر الله عمله في حياة قديسيه، لا نمجّدهم لذواتهم، بل نمجّد الله العامل فيهم. إنهم شهود لنعمة الله التي تغيّر وتقدّس الإنسان. وإذ نرى الأعمال الحسنة التي عملوها فإننا نبارك الآب السماوي الذي أعطاهم القوة والنعمة التي بها أكملوا جهادهم. فتذكرنا حياة القديسين هو اعتراف وتقدير لروح الله العامل فيهم.
وبعض القديسين لم تعط لنا حياتهم لنقتدي بها بل لتقوية إيماننا. فليس مفروضاً علينا أبداً أن نقتدي بالقديسة مريم المصرية أو غيرها من السواح في النسك، ولا بالقديس يوحنا الأسيوطي أو غيره من القديسين الذين انفردوا سنوات عديدة لا يروا وجه إنسان. فبعض القديسين لهم فضائل خاصة قد نعجب بها، لكن من الصعب أن نقتدي بها. وقصص الشهداء وما احتملوه من آلام لم تعط لك لتطبقها في حياتك العادية وقت السلام، بل فقط لتتأمل في شدة محبتهم لمخلصهم حتى تحبه أنت أياً كانت ظروفك الخاصة. وحتى تتأمل في القوة التي وهبها الله لهم لتطلب أنت منه قوة في حروبك الخاصة.
5. تستطيع أن تحيا مع القديسين ومع الكنيسة المنتصرة:
إيماننا المسيحي يعلّمنا أن الله «إله أحياء لا أموات». في زيارتك للدير ستشعر أن أرواح القديسين حولك تملأ المكان. وتشعر وأنت تطأ رمال الصحراء أنها نفس الرمال التي تقدست إذ وطأتها أقدام الرهبان الأوائل، وتحس أن كل حجر في الدير يريد أن ينطق يقص لك قصته، وكل مغارة تريد أن تحكي لك الكثير عن أولئك الذين سكنوا فيها ولم يكن العالم مستحقاً أن يعيشوا فيه… إنك ستحس بهذا فعلاً، ولكن هناك فرق بين هذا الإحساس الغامض وإحساسك وأنت تعرف كل شيء عن هذه الأديرة، وعن الذين بنوها والذين عاشوا فيها.
هناك فرق بين من يقف في الكنيسة ليرى صور القديسين دون أن يفهم عنها سوى أن هذه صور رجال الله، وبين من يعرف حياة كل قديس فتعطيه كل صورة قصة واضحة من قصص البسالة الروحية. وفرق بين من يقف أثناء القداس الإلهي ليستمع في المجمع إلى عشرات القديسين، أسماء طويلة ومتكررة كل يوم، وبين من يحمل إليه كل اسم منها صفحة خالدة من الجهاد في الكنيسة حتى استحق كل منهم أن تكرمه الكنيسة بذكرها إياه كل يوم أمام المذبح. وهناك فرق أيضاً بين من يضيء شمعة أمام أيقونة قديس ما، تحية على خدمة أداها له، وبين من يقف أمام هذا القديس في إجلال ويشعر أن الشمعة التي يضيئها هي إشارة إلى حياة القديس التي تضيء للعالم.
إذا كنت تقرأ عن أحد القديسين فتتخذه مثلاً لك، أو تعجب بناحية خاصة في حياته وتحاول باستمرار أن تتذكر تاريخه وتذكره، وتحتفل بعيده، وتحاول أن تتحدث كثيراً عنه. إذا صنعت كل هذا مع قديس أو أكثر، فبجانب البركات العديدة التي تنالها بحياتك مع هؤلاء القديسين، ستشعر أن لك أصدقاء في السماء ينتظرونك، وستكون في شوق إلى يوم تراهم فيه وجهاً لوجه، وتشعر بحاجتك إلى أن تقطع باستمرار القيود التي تربطك بالأرض لتنطلق حراً إلى السماء.
6. تاريخ الكنيسة وحياة القديسين مادة جميلة للتأمل:
تاريخ الكنيسة وحياة القديسين غنيّ بالقصص الروحية الملهمة. فالكتب الروحية العالية قد تكون جافة للمبتدئين، والتأملات الطويلة قد تكون مملة لهم، ولكن تاريخ الكنيسة حافل بالقصص المسلية الجذابة التي تعطيك متعة عقلية بجانب فائدتها الروحية.
خلاصة
تظل دراسة الكتاب المقدس هي أساس الحياة المسيحية، لكنها تكتمل عندما نفهم كيف عاش المؤمنون بهذا الكتاب عبر التاريخ.
فحياة القديسين وتاريخ الكنيسة هما التطبيق العملي للإنجيل.بهذا المعنى، يصبح تاريخ الكنيسة مرآة نرى فيها وجه المسيح منعكسًا في حياة أحبائه، ليبقى نور الإيمان مشتعلاً في كل زمان. كقول السيد المسيح نفسه: «أنتم نور العالم… لا يمكن أن تخفى مدينة على جبل ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال» (متى 5: 14، 15)…
تاريخ الكنيسة وسير القديسين هو عون لأولئك الذين يظنون أنهم يسيرون وحيدين في طريق السماء الضيق، وهو الطريق الذي مهدته أقدام كثيرة على مر الأجيال. وتحذير لأولئك الذين ساروا خطوات يسيرة في طريق الفضيلة وهم يتوهمون أنهم وصلوا إلى غايتها.