التوبة والولادة الجديدة
«أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت منذ القديم للمرأة الخاطئة. واجعلني مستحقًا أن أبل قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة. وأقدم لك طيبًا فائقًا، وأقتني لي عمرًا نقيًا بالتوبة. لكن أسمع أنا ذلك الصوت الممتلئ فرحًا: إن إيمانك خلّصك» (صلاة نصف الليل، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية).
مقدمة عن التوبة
يوضح القديس إسحق السرياني أن المعمودية هي بداية الحياة مع الله، أما التوبة فهي تجديد مستمر لتلك الحياة. فالتوبة في الباب المفتوح دائماً لمن يطلب الغفران، ولا رجاء في الدخول إلى الحياة الأبدية دون العبور من هذا الباب (مار إسحق السرياني، الكتابات الروحية).
ولكن إلى متى يمكنني تأجيل التوبة؟ هل سيظل الباب مفتوحًا على الدوام، أم سيأتي وقت لا أجد للتوبة مكانًا حتى لو طلبتها بدموع؟ يجيب على هذا السؤال الأنبا موسى الأسود أنه يجب علينا أن نستغل فرصة الحياة ونتوب قبل فوات الأوان، فالله ينتظر رجوعنا ويفرح بتوبتنا وباب توبته مفتوح دائماً (الأنبا موسى الأسود، تعاليم روحية).
كيف تبدأ توبتك؟
شعور الندم: نعمة إلهية
إن شعورك بالندم والتوبة هو نعمة من الله. فإن كان لديك هذا الشعور، فيجب أن تنتهز الفرصة لأنك لا تعلم إلى متى سيبقى معك. أما إن كنت لا تشعر بالتوبة، عليك الآن أن تراجع نفسك: هل أنت تؤمن حقًا بالله؟
فإن استجبت لشعور التوبة هذا، فلا تظن أن أمر خلاصك قد انتهى، فأنت لم تبدأ بعد، بل أمامك كما يصوَّر القديس فلكسينوس طريق التوبة، وهو طريق صعب يواجه فيه الإنسان ماضيه وتجاربه وشهواته. ولا يتركك القديس في حيرتك، بل هو يلخص لك بداية التوبة في ثلاث فضائل، وما يسهل عليك العبور هو «الحزن والصلاة والرحمة».
الفضائل الثلاث للتوبة
الحزن وتحمل المشقات
يتحدث مار فلكسينوس عن أولى هذه الفضائل التي تسهل لك طريق التوبة. يتحدث عن الحزن فيقول لك: «إن هذا الحزن الروحي شيء مؤقت ولكنه لازم: ثم بلد للحزن، وثم بلد للفرح. فبلد الحزن هي للتائبين والذين يحسون بزلاتهم، الذين لم يعتقوا بعد من الآلام. وأما بلد الفرح، فالمستأهلين له هم قاهرو الشهوات الذين بلغوا إلى منزلة الفرح الذي هو فوق الحب، الذين تخلصوا من جميع آلامهم بقوة أفكارهم. حينئذ هم يدخلون إلى بلد الفرح حيث يبطل الرعب والخوف» (مار فلكسينوس، تعاليم عن التوبة).
يتحدث مار إسحق عن التوبة كنبتة صغيرة لها احتياجاتها، فيقول أن الضيقات والتجارب تغذي نمو التوبة كما يغذي الماء النبتة، بينما تموت التوبة إذا امتلأ القلب بمحبة المال والمجد والراحة (مار إسحق السرياني، الكتابات الروحية). ويشرح القديس إسحق السرياني أن التوبة ليست راحة بل جهاد روحي يومي. فاليوم الذي يمر دون مراجعة للنفس ودموع على الخطايا، هو يوم ضائع لا يُحسب من حياة الإنسان (مار إسحق السرياني، الكتابات الروحية).
الصلاة
يقول مار إسحق أيضًا: «الذي يتهاون بالصلاة ويظن أن هناك ثمة باب آخر للتوبة، فهو مخدوع من الشياطين» (مار إسحق السرياني، الكتابات الروحية). تعال يا أخي إذن نركع مع القديس باسيليوس لنطلب دموع التوبة التي تغسل ما أفسدته الخطية، دموعاً روحانية مقدسة حارقة. دموعًا طاهرة مثل دموع أخوات لعازر… ومثل دموع بطرس الرسول المرة الصادقة… ومثل دموع الزانية… والأرملة الشقية التي أقمت لها ابنها… ومثل دموع داود النبي… (القديس باسيليوس الكبير، صلاة التوبة).
الرحمة
ليس غريبًا أن يكون طريق التوبة سهلاً لمن يصنع الرحمة، لأن مخلصنا نفسه يقول: «طوبى للرحماء لأنهم يرحمون» (إنجيل متى 5:7). يؤكد مار إسحق أن الرحمة هي التي تُنقى القلب وهي طريقاً للوصول إلى الله، لأن من يفتح قلبه للجميع دون تمييز يختبر قلب الله نفسه. (مار إسحق السرياني، الكتابات الروحية). ويقول الأنبا موسى الأسود: «أحبب المساكين لتخلص بسببهم في أوان الشدة» (الأنبا موسى الأسود، تعاليم روحية). ويقول الشيخ الروحاني: «من يترحم على إنسان، فإن باب الرحمة مفتوح لطلباته في كل ساعة. ذو الإفراز، بكسرة خبز يشترى لنفسه الملكوت» (الشيخ الروحاني، تعاليم روحية).
في طريق التوبة
بهذه الفضائل الثلاث ستبدأ طريق التوبة – الطريق الذي ستبدأه فيك نعمة الله، وسوف تكمله أيضًا. وعمل النعمة يختلف من إنسان لآخر. ولعله يعزيك في طريق توبتك كما يقول مار إسحق: «تذكر عظم خطايا القدماء الذين سقطوا ثم تابوا، ومقدار الشرف والكرامة اللذين نالوهما من التوبة» (مار إسحق السرياني، الكتابات الروحية). اذكر القديسين أوغسطينوس وموسى الأسود، والقديسات مريم المصرية وبائيسة وتأييس. ولعله يساعدك في الطريق أن تتبع قول القديس موسى الأسود: «كن مداومًا لذكر سير القديسين كيما تملأك غيرة أعمالهم. اذكر ملكوت السموات لتتحرك فيك شهوتها. فكر في نار جهنم لكي تحقت أعمالها» (الأنبا موسى الأسود، تعاليم روحية).
الفرح والسلام في التوبة
لعلني أخشى أن أكون قد صعبت عليك الطريق صديق القارئ، وذلك لأني وصفتها من جانب واحد هو جانب جهادك أنت وذكرت ما يجب عليك فعله. بينما عمل النعمة (وهو الأكثر أهمية) يجعل الطريق المكربة ممهدًا. فلا تحاول أن تتكل على نفسك، بل استمع إلى نصيحة القديس أغسطينوس الذي يعلّمنا أن الإنسان لا يقدر أن يثبت وحده في طريق التوبة، بل يحتاج أن يسلم نفسه للمسيح بثقة ليجد فيه الشفاء والراحة (القديس أوغسطينوس، اعترافات). اترك لله قيادة حياتك، فهو سيصل بك سريعًا إلى بلد الفرح التي تحدث عنها مار فلكسينوس، وستحولك التوبة إلى شخص آخر. كما يقول الشيخ الروحاني أن التائب الحقيقي يُولد من جديد بالروح القدس، فينقّيه الله من ماضيه وخطاياه، ويمنحه سلامًا داخليًا وثقة في رحمته، حتى ينسى خطيته كأنها لم تكن (الشيخ الروحاني، تعاليم روحية).
ماذا بعد التوبة؟
لقد دخلت في حياة جديدة مع المسيح. ولكن لا تظن أن أمر “خلاصك” و”تجديدك” قد انتهى، كما قد يقول لك بعض المعلمين الذين أخذوا جزءًا من الحق وأخذوا ينادون به على أنه تعليم الحق كله. لقد دخلت يا أخي من الباب – هذا حقيقي، ولكن أنسيت أن أمامك الطريق المكرب المؤدي إلى الحياة؟ أنسيت أن كثيرين قد دخلوا من نفس الباب بل وسبقوك في الطريق، ولكنهم لم يصلوا لنهايته؟ – أمثال يهوذا الذي كان تلميذًا للسيد المسيح، وديماس الذي اتبع بولس الرسول، وترتليان، وآريوس ونسطور الذين كانوا معلمين في الكنيسة…
التوبة المستمرة
إنك يا أخي لن تنتهي من حياة التوبة يومًا من الأيام طالما أنت على هذه الأرض، لأن «الصديق يسقط سبع مرات في اليوم ويقوم» (أمثال 24:16). ثم إنك قد ولدت من جديد في الكنيسة، ستكون كطفل صغير في حاجة إلى ما ينميه ويحفظ صحته. سيعطيك الروح القدس نعمة التي بها تنمو وتقوى عن طريق أسرار الكنيسة ودراسة كلمة الله وبشفاعته في صلاتك. وحصولك على الفضائل المسيحية يحتاج إلى جهاد طويل شاق، أمامك إذًا طريق طويل حتى تكمل عمل الله فيك.
اعتراض المعلمين
بقي الآن اعتراض المعلمين الخارجين الذين أخذوا جزءًا من الحق: «إنك تنكر إذن قدرة نعمة الله على تجديد الإنسان في لحظة واحدة.». يوضح القديس مكاريوس أن النعمة تعمل تدريجيًا في النفس بحسب استعدادها، فتقودها نحو القداسة شيئًا فشيئًا حتى تمتلئ بالكامل بمحبة الله. (القديس مكاريوس الكبير، العظات الروحية).
المراجع
- الكتاب المقدس:
- صلاة نصف الليل، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
- مار إسحق السرياني، الكتابات الروحية.
- الأنبا موسى الأسود، تعاليم روحية.
- مار فلكسينوس، تعاليم عن التوبة.
- القديس باسيليوس الكبير، صلاة التوبة.
- القديس أوغسطينوس، اعترافات.
- الشيخ الروحاني، تعاليم روحية.
- الأنبا أشعياء، تعاليم روحية.
- القديس مكاريوس الكبير، الهوميليات الروحية.