الأصول الأولى للعالم للقديس يوحنا ذهبي الفم

 

تعتبر الفصول الأولى من سفر التكوين من أهم المصادر التي اعتمدت عليها الكنيسة لتعليم المؤمنين وتهذيبهم، إذ فيها توجد بداءات العالم المخلوق والطبيعة والإنسان والخليقة، وتحديد العلاقات بينها جميعاً، ثم كشف معاملات الله مع البشر والطبيعة، هذا الكشف الذي يحدد في قلب الإنسان الصورة الجوهرية لله في حقيقته. لذلك صارت هذه الأصحاحات مرجعاً لكل مسيحي، يلتمس فيها – قبل كل شيء – حلاً للألغاز المستعصية في الحياة الحاضرة، وإجابات واضحة صريحة للمشاكل التي تجابه المجتمع البشري، في أسلوب غاية في البساطة والإقناع، لما فيها من سلطان إلهي غالب لقوى تعنت الإنسان وكبريائه.


المنهج الروحي في القراءة

وللانتفاع بقراءة هذه الأصحاحات، يلزم القارئ أن يستبعد من ذهنه كل محاولة لتطويع كلمات الوحي الإلهي وإخضاعها لسلطان العقل أو الاعتماد على القياسات العقلية. كذلك أيضاً استبعاد كل محاولة للموائمة بين ما وصلت إليه العلوم الطبيعية والتجريبية وبين ما جاء في فصول الكتاب المقدس. وهذا لسبب بسيط: أن العلوم الحديثة تبحث في أمور الحياة الحاضرة، أمور الجسد والأكل والشرب والصحة والمرض… إلخ. أما الكتاب المقدس فيتحدث عن الله، الخطية، الخلاص، الحياة الأبدية، وهكذا، لأن «الْمَوْلُودَ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودَ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ» (يو 3: 6).

والقديس يوحنا ذهبي الفم – أحد الذين أسهموا بقسط وافر في البناء الروحي للكنيسة الأرثوذكسية – يوجه النظر إلى أبواب التأمل والفهم الروحي لهذه الأصحاحات.


أولاً: العالم والطبيعة خُلقت من أجل الإنسان

«فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (تك 1: 1). ألا تبدو هذه الكلمات أمامنا كقصة تاريخية وتعليم عن الخليقة؟ فحينما تسمع أن الله خلق السموات والأرض والبحر والهواء والمياه والنجوم والكواكب والنيرين العظيمين، النباتات وكل ذوات الأربع، الحيوانات المائية والطيور وكل شيء تراه عيناك – كلها خُلقت أجلك أنت، ومن أجلك، ولأجلك، ولأجل سلامتك وكرامتك. ألا تتعزى وترى فيها برهاناً قوياً لمحبة الله لك، إذ أخرج لك – أيها المخلوق الصغير – هذا العالم الجميل الواسع العجيب؟!

فحينما تسمع أن الله خلق السموات والأرض، لا تعبر بخفة على هذا الإعلان، بل استعرض في قلبك اتساع الأرض، وكيف بُسط هذا الكون من أجلنا، وملأ قلوبنا فرحاً ونعيماً (قارن أع 14: 17).

والأعجب من هذا: أنه لم يمنحنا هذا العالم المبسوط ثمناً لخدمات قدمناها، أو مكافأة على أعمال صالحة، بل بعد ما خلقنا، أكرم جنسنا بهذه المملكة.


ثانياً: معنى «الصورة» و«الشبه»

إذ قال: «لِنَصْنَعِ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا»… ما معنى هذه الكلمات: «صورتنا» (eikonos) و «شبهنا» (homoiosis)؟

الصورة تفيد السلطان، السيادة. فكما أنه لا يوجد في السماء ما يعلو على الله، هكذا على الأرض ليس أعلى من الإنسان. هذه أولاً هي الكرامة التي قدمها الله للإنسان.

وثانياً: أمدنا بهذه السيادة ليس ثمناً لشيء، بل هبة مجانية من حبه الذاتي نحو الإنسان.

وثالثاً: أنه منحنا هذه السيادة كأمر طبيعي في جنسنا. لأن السلطان إما بالطبيعة أو بالانتخاب:

  • بالطبيعة مثل الأسد على مملكة الحيوان، والنسر على مملكة الطيور.

  • بالانتخاب مثل الملك أو الإمبراطور على البشر؛ لأنه لا يملك على الناس كقانون طبيعي، بل كثيراً ما يفقد هذا السلطان؛ لأنه ليس شيئاً متوارثاً في طبيعته، ولذلك فهو قابل للتغيير والاستبدال.

لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للأسد، إذ بالطبيعة يسود على الحيوانات، والنسر على الطيور، فصفة السيادة دائماً من نصيبه وفي جنسه، ولا يوجد أبداً أسد بدون هذه الخاصية. هذا النوع من السيادة منحه الله لنا منذ البداية، وجعلنا نتسلط على كل الطبائع (التماثيل).


ثالثاً: العالم الطبيعي مصدر رئيسي لتعليم الإنسان وتهذيبه

الله لم يصنع العالم المخلوق جميلاً فسيحاً فقط، بل وفي نفس الوقت جعله ضعيفاً زائلاً، وأقام الأدلة المتنوعة على هذا، لكي تخدم هذه الأحوال صالح الإنسان. فبجمال الخليقة يقتادنا إلى الدهش بخالقها الذي صوّرها، وبضعفها يُبعدنا عن عبادتها.

الله علم الشعوب بدون كتاب أو ناموس أو شريعة… الله كان يريد أن يعلم الطبيعة البشرية ليس بالحروف، بل بالأعمال. أية أعمال؟ أعمال الخليقة.

انظر الرسول وهو يلمح على هذا الموضوع ويتوجه بالرد على اليونانيين الذين كانوا يقولون أن معرفة الله من الكتب لم تكن عندهم من البداية. فبعد قوله: «غَضَبُ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ» (رو 1: 18)، وهو يعلم باعتراض اليونانيين والأمم بعدم معرفتهم بالله، يستأنف قوله: «لأَنَّ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ». كيف أظهرها لهم؟ كيف يستطيعون أن يعرفوا الله؟ «لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ». كيف؟ بأية وسيلة؟ هل أرسل لهم نبياً؟ مبشراً؟ إنجيلياً؟ معلماً؟ فإن لم تُعطَ لهم كتب، لكن «أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ» (رو 1: 20).

والمعنى: أنه أقام العالم الطبيعي المخلوق في الوسط أمام أعين الجميع، حتى يتحسسوا الخالق من أعماله، كما قيل في موضع آخر: «بِعِظَمِ جَمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ يُبْصَرُ خَالِقُهَا عَلَى طَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ» (حكمة 13: 5).

أتنظر هذه العظمة؟ ادهش على قدرة صانعها! أتنظر هذا الجمال؟ انذهل لحكمة من زيّنها! هذا ما أشار إليه النبي بقوله: «اَلسَّمَاوَاتُ تُذِيعُ بِمَجْدِ اللهِ» (مز 19: 1). كيف تُذيع؟ لا صوت لها، ولا أفواه لديها، ولا لسان. فكيف تُذيع؟ بواسطة المشاهدة. فحينما ترى السموات، اتساعها، علوها، شكلها، ورسوخها زماناً هذا مقداره، تسمع كما من فم، وتتعلم بالمشاهدة أن تعبد ذاك الذي خلق هذا الكون بمثل هذا الاتساق والجمال. السموات صامتة، لكن بمشاهدتها ينطلق الصوت أعلى من البوق، ونتعلم ليس بسماع الأذن، بل بالعينين؛ لأن هذه الأخيرة أكثر يقيناً وتمييزاً من الأولى.

ولو كان الله أعطى تعليمه بالكتب والحروف والكلمات فقط، فالذي يعرف القراءة وحده يستطيع أن يفهم المكتوب. ولكن الأممي سيمضي دون أن ينتفع بشيء من هذا المصدر، إذ لم يوجد من يقدم إليه هذا التعليم الموجود في الكتاب. كذلك الغني وحده هو القادر على الشراء، بينما الفقير يعجز عن اقتنائه. أيضاً الذي يعرف لغة الكتاب المقدس هو وحده القادر على إدراك معانيه، أما السكيثي والأعجمي والهندي والمصري البعيدون عن هذه اللغة فلن ينتفعوا بشيء مما يسمعون.

كل هذا لا يمكن أن يقال بالنسبة للعالم المخلوق، لأن السكيثي والأعجمي والهندي والمصري وكل إنسان على وجه الأرض، هذا الصوت – ليس بالأذن بل بالمشاهدة – يصل إلى الإدراك. وبالمنظورات تتكون صورة واحدة مرتبة دون اختلاف بالنسبة للجميع. لكن الأمر ليس كذلك في اللغات. ففي هذا المجلد – العالم المخلوق – يمكن للجاهل وللحكيم، للفقير وللغني سواء، أن يتأمل ويفهم. أينما يوجد الإنسان، متى تطلع نحو السماء يأخذ درساً بليغاً. وحينما يلمح النبي على ذلك بقوله: «لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ، لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ» (مز 19: 3)، يعني أنه ليس أمة ولا لسان يعجز عن إدراك هذه اللغة.


رابعاً: التعدي ونتائجه

رأينا مما سبق كيف أن الله في محبته للإنسان هيأ له كل شيء قبل خلقته، مثلما تهيئ الأم الحامل كل الاستعدادات لطفلها الذي يوشك أن يولد. لذلك تنتهي كل عملية خلقة لطبيعة من الطبائع بهذه العبارة، كاللازمة الموسيقية: «وَرَأَى اللهُ أَنَّهُ حَسَنٌ»، تعني مسرة الله الحقيقية بأن ما عمله كان كاملاً ومتوافقاً مع القصد الإلهي في تخطيطه وتنفيذه.

وأخيراً خُلق الإنسان، وأعطاه الله وصية تعداها. فهل تغيرت عواطف الله تجاه الإنسان بالتعدي؟ هذا ما يجيب عليه ذهبي الفم:

«أريد أن أنبه قلوبكم أن صلاح الله يظهر في إحسانه وتكريمه للإنسان، كما أيضاً في عقابه وتأديبه سواء بسواء. إن كان الله صالحاً فقط في عطائه للإنسان وليس كذلك في عقابه، فهو «نصف صالح». الأمر ليس كذلك، حاشا لله. قد يحدث ذلك بين الناس حينما يؤدبون ويُعاقبون تحت تأثير الغضب والانفعال. أما الله فلا ينفعل أثناء الإحسان والرحمة، أو وهو يؤدب ويعاقب. وعندما ينذر بجهنم، فهو يُظهر الرحمة تماماً مثلما يعد بالملكوت الأبدي. كيف ذلك؟ ها أنا أجيب: إن لم ينذر الله بجهنم، وإن لم يعدّ عذاب الجحيم، لما تيسر لكثيرين أن يبلغوا الملكوت؛ لأن الوعد بالصالحات لا يستحث بعض الناس على حياة القداسة مثل خوفهم من العذاب الذي يوقظ فيهم رغبة السعي الروحي. فمع أن جهنم والملكوت على طرفي نقيض، إلا أنهما يؤديان بالإنسان إلى غاية واحدة: الأولى تطردهم إلى الثانية، والثانية تجتذبهم بحلاوتها. وبالخوف يتقوم ذوو الميول الرديئة».


خامساً: الإنسان بعد الخلاص

لنعد إلى الكتاب المقدس ونرى كيف تعامل الله مع الإنسان بعد انخداعه من الشيطان وسقوطه في التعدي. هل أباده تماماً؟ حسب المنطق نرى أن العدالة تقتضي هذا؛ إذ بعدما تمتع بمثل هذه الكرامة العظمى كان جوابه بمثل هذه الرداءة، فكان الواجب أن يحكم عليه بالقطع والإبادة. لكن الله لم يفعل هذا، ولم يعامله كما يتعامل الإنسان عدوّاً، بل أتاه كطبيب إلى مريض.

يا أحبائي، لا تعبروا على هذا الكلام بخفة. تأملوا: أنه لم يرسل ملاكاً، ولا رئيس ملائكة، ولا أيّاً من رفقائه العبيد، بل الرب نفسه نزل إلى ذاك الذي سقط عن الطريق القويم، ثم رفعه من الانطراح، واقترب إليه كما يقترب الصديق إلى صديقه البائس الغارق في لجة الكآبة. وهكذا تصرف معه بمنتهى الحنان، والكلمات التي نطق بها الله تبين بوضوح رأفاته غير المدركة.

فأول عبارة فاه بها كشفت عن لطفه غير المتناهي. فماذا قال؟ «آدَمُ، أَيْنَ أَنْتَ؟». لم يقل له: يا شرير، يا تعيس! أبعد ما تمتعت بهذه النعم الفائقة، وأكرمتك بهذا السلطان، ورفعتك على سائر خلائق الأرض ليس لأي استحقاق فيك، استمعت إلى الشيطان عدو خلاصك، ووثقت في مشورته أكثر من وصية ربك وخالقك؟ هل صدقت المفاوضة الفارغة والوعد الكاذب أكثر من أعمال الرحمة والعناية التي قدمتها إليك؟ أسلمت ذاتك إلى التمام، ووطأت بقدميك على ناموسي ووصاياي؟!

مثل هذه الكلمات يمكن أن تصدر من أي كائن آخر إلا الله. من أول كلمة نطق بها أقامه من الوهدة التي انطرح فيها، وأعطى الثقة لمن خائف ومرتعب، إذ وجه إليه الخطاب باسمه الذي دعاه به قبل السقوط: «آدَمُ، أَيْنَ أَنْتَ؟».

ينبغي لكم أن تعلموا أن الله حينما نادى آدم باسمه المعروف، فهذا دليل على مودته له. فالذي يضمر العداوة لإنسان لا يحتمل مجرد ذكر اسمه، مثلما فعل شاول مع داود الذي لم يسيء إليه بشيء، ومع ذلك لم يحتمل ذكر اسمه، بل قال: «أَيْنَ ابْنِ يَسَّى؟» (1 مل 20: 27). واليهود أنفسهم كانوا يحتقرون المسيح ويكرهونه، فلم يقولوا: «أين هو المسيح؟»، بل قالوا: «أَيْنَ هُوَ هذَا الإِنْسَانُ؟» (يو 7: 11).

الله أظهر أن الخطية لم تُطفئ لطفه، ولا التعدي أزال إحسانه نحو الإنسان، بل ما زال متمتعاً برعايته وعنايته حتى في حال سقوطه. وعندما قال لآدم: «أَيْنَ أَنْتَ؟»، ليس أنه يجهل مكانه، بل لأن فم الخاطئ يَيْبَس، ولسانه يعجز عن النطق، ويستحوذ عليه تَبكيت الضمير، حتى أن البعض يصابون بالبكم ويَلْبَثون ساكتين كمن هو تحت القيود. ولكن الله حينما ناداه، إنما هي دعوة لآدم ليجعله يتكلم، ويوحي إليه بالثقة، ويقتاده إلى الاعتذار عن تعديه لينال الغفران. لذلك ناداه ليقطع عنه كآبته، وينفي عنه الخوف، ويفتح فمه بالحوار معه.


سادساً: «الرَّبُّ الإِلهُ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ»

دعونا نتساءل: كيف يمشي الله؟! … الله لم يكن يمشي، إذ كيف يتأتى هذا وهو الحاضر في كل مكان، ومالئ كل الأشياء. الله جعل هذه الفكرة – أو هذه الرؤية – في آدم حتى يستجمع شتات نفسه. لقد صوّر الله في فكر آدم أن هناك من يمشي، لذلك هرب واختبأ. وهذه عادة كل من يخطئ: يشك في كل شيء، يرتعد من مجرد الظل، وفي رعبته يتصور أن كل من يقترب إليه هو عدو. هكذا المجرم: إذا رأى أن شخصاً ما مسرعاً في الطريق يظن أنه قادم إليه، وإذا تكلم اثنان بعضهما في هدوء يثور فيه شعور بالذنب أنهما يتحدثان عن خطيئته. هذه هي طبيعة الخطيئة: تظن السوء دون أن يوجد خطأ، تدين وتفضح دون أن يوجد من يتهم، تجعل الإنسان جباناً يرتعد لأقل صوت، كما يقول الكتاب: «الشِّرِّيرُ يَهْرُبُ وَلاَ مُطَارِدٌ» (أم 28: 1). كيف يهرب ولا يوجد من يطارد؟ في أعماقه من يسوقه، ضميره يتهمه، وهو يحمل هذا المطارد معه أينما ذهب، يعذبه كجرح بلا دواء.


سابعاً: الضمير الإنساني – الناموس الطبيعي

هذا ما يسميه اللاهوتيون «الناموس الطبيعي»، الذي غرسه الله في الإنسان منذ خلقته الأولى، ولم يفارقه بعد التعدي، وهو الذي صار فيما بعد ميراثاً مشتركاً للبشرية كلها، كمصباح داخلي ينير ظلمة الإنسان بعدما فقد نور الله بالخطيئة. هذا الذي يشير إليه بولس الرسول بقوله: «اَلأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِداً أَيْضاً ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً» (رو 2: 14-15).

ولأن هذا الموضوع يصعب حصره في هذا المقال، لذلك نكتفي ببعض أقوال هذا القديس:

**«… ما هو الناموس الطبيعي؟ هو صوت الضمير داخلنا. الله جعل معرفة الخير والشر معرفة ذاتية في الإنسان. الله حينما قال في الناموس: «لاَ تَقْتُلْ» لم يستطرد في الوصية قائلاً: لأن القتل أمر شرير، بل جعلها مجردة؛ لأن الضمير تعلَّم مسبقاً منذ بدء الخليقة. أما حينما ينهى الله عن شيء غير معروف لدينا ولا يدركه الضمير، لا يضع النهي عن الشيء مجرداً، بل يضيف إليه السبب؛ مثلاً في وصية السبت: «لاَ تَصْنَعْ شَيْئاً فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، لأَنَّ فِيهِ اسْتَرَاحَ اللهُ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الَّتِي صَنَعَ» (خر 20: 10)، وسبب آخر: «لأَنَّكَ كُنْتَ عَبْداً فِي أَرْضِ مِصْرَ» (تث 5: 15). فلماذا ذكر سبب الامتناع عن العمل يوم السبت، بينما لم يذكره في النهي عن القتل؟ لأن وصية السبت ليست في المقام الأول، ولا هي محددة بدقة في الضمير، بل وقتية جزئية، لذلك أُلغيت فيما بعد. أما ما يتعلق بالحياة وله ضرورة حتمية، مثل: «لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَزْنِ»، فليس فيها تعليم، بل قصرها على النهي عن الفعل».

«ها أنا أشرح لكم من الكتاب كيف تعلم الناس ذاتياً معرفة الفضيلة. بعدما أخطأ آدم اختبأ. فلو لم يكن يعلم أنه فعل إثماً، لماذا اختبأ؟ وحينما دعاه الله وواجهه، حاول أن يلصق الذنب بالمرأة، وهذه بدورها ألقته على الحية. وأيضاً مع قايين وهابيل نفس الشيء. فمن البدء أفرزا ثمار تعبهما. فليست الخطية وحدها تكشف عن الناموس الطبيعي في الإنسان، بل أيضاً أعمال الفضيلة. هابيل لم يتعلم من أحد، ولا سمع عن أي شريعة أو ناموس شيئاً عن الباكورات، بل تعلم من ذاته، من ضميره. من الذي أعلمه أن تقديم القربان أمر صالح يُرضي الله ويُقدم به الشكر؟ ومن تقدمة قايين المرفوضة نرى وجود الضمير، إذ لما حسد أخاه الذي نال كرامة أفضل منه، أضمر في نفسه نية شريرة، وقال لأخيه: «تَعَالَ، لَنَمْضِ سَوِياً إِلَى الْحَقْلِ». فالمظهر الخارجي يتم عن المودة، والنية تضمر القتل. فلو لم يعلم أن القتل أمر شرير، فلماذا أخفى نيته؟ وبعدما باشر جريمته، لماذا أنكرها؟ فكما أن أباه آدم اختفى من وجه الله بعد خطيته، هكذا قايين أخفى ذنبه».


ثامناً: علاقة الناموس الطبيعي بحرية الاختيار

«نحن نعلم أن التعفف أمر صالح، لسنا إذن بحاجة إلى كلمات كثيرة ولا تعاليم؛ لأن هذه المعرفة في طبيعتنا، ولا حاجة للتعب والاجتهاد في البحث والتساؤل: هل التعفف أمر جيد ونافع؟ نحن جميعاً نعترف بهذا باتفاق واحد، وليس عند أي إنسان شك من جهة هذا الأمر. نحن جميعاً متعلمون ذاتياً أن نشجع الفضيلة مع أننا لا نمارسها، ونكره الرذيلة التي نفعلها. وهذا وحده عمل من أعظم أعمال الله في البشرية: أنه جعل فينا الضمير والقدرة على الاختيار قبل العمل، حتى نميل إلى الفضيلة ونحيد عن الرذيلة.

أما تدبير سلوكنا، فهذا متروك للاختيار والشوق والاجتهاد. لماذا؟ لأن الله لو ترك كل شيء يتم فينا طبيعياً، سنفارق الحياة دون أن نُكلَّل ودون مكافأة؛ سنكون كالحيوان الأعجم الذي لا يُمتدح على الخير الذي يقدمه للإنسان بالطبيعة. هل نغبط البقرة التي تمدنا باللبن؟! لهذا السبب لم يترك للطبيعة كل شيء، كما أيضاً لم يترك للإرادة البشرية أن تتكفل بكل ثقل المعرفة والتدبير السليم، لئلا تيأس من تعب الفضيلة. لكن الضمير يوحي لها بما يجب أن تفعله، وتسهم هي بطاقاتها لتكميله. فالتعفف أمر صالح، هذا شيء نفهمه بدون صعوبة، فالمعرفة هنا من الطبيعة. ولكن القدرة عليه ليس سهلاً؛ إذ لا بد من كبح الشهوة وبذل الجهد الكثير لممارسة التعفف كمبدأ. هذا لا يتأتى لنا – مثل المعرفة – من الطبيعة، بل يستلزم قلباً يشتهي واشتياقاً. ولكي يجعل الله الحمل هيناً، أقام داخلنا من جهة أخرى الميول الطيبة».


ختاماً

وبهذا العرض استطعنا أن نتعرف إلى كيفية قراءة الأصحاحات الأولى من سفر التكوين، كما قرأتها الكنيسة وفسرتها لمؤمنيها، ورأينا الحب الإلهي مستعلناً في مجد الخليقة وضعفها، في خلقة الإنسان وسقوطه. وبهذه القراءة الذاتية تُبنى روح الإنسان، ويتعرف إلى مشاكله وخلاصه، ويسعد بهذه المعرفة.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى