الموعظة على الجبل
تعتبر الموعظة على الجبل عند آباء الكنيسة هي شريعة العهد الجديد، المقابلة لشريعة موسى على جبل سيناء في العهد القديم. لذلك أولها كثيرون من الآباء اهتماماً خاصاً، وصارت موضع دراستهم وتأملهم وتطبيقهم العملي في حياتهم.
والواقع أن الرب يسوع المسيح نفسه هو الذي ربط بين هذه الموعظة وبين الناموس، حينما قال لسامعيه: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ» (مت 5: 17).
ونستطيع أن نستشف من قول القديس متى الإنجيلي: «وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ»، أنها مقابلة واضحة مع شريعة العهد القديم التي كانت أيضاً من فوق جبل حوريب في سيناء. ولكن الفرق شاسع بين الوضعين:
فعلى جبل حوريب نزل الله في ضباب، ووسط رعود وبروق ودخان وصوت بوق عظيم، بشكل مرعب مخيف، وبتحذيرات للشعب من الاقتراب لئلا يموتوا!
أما هنا، فنرى الرب يسوع – «الله الذي ظهر في الجسد» – يصعد إلى الجبل ويجلس، فيتقدم إليه تلاميذه وتلتف حوله الجموع بلا خوف، فيفتح فاه ويعلمهم.. ويبدأ حديثه بحنان يفوق الوصف، مثل راع صالح ينادي خرافه بأسمائها، فيسمع كل خروف اسمه ويتبعه (يو 10: 3-4).
«طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ… طُوبَى لِلْحَزَانَى… طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ… طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ… طُوبَى لأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ… طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ… طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ…» وكأنه بذلك يحدد من هم بنو الملكوت السماوى وما هي صفاتهم، واضعاً أمامنا خلاصة الإنجيل كله.
أولاً: بين الناموس والعظة على الجبل
كما صعد موسى إلى الجبل ليأخذ الشريعة، هكذا صعد الرب يسوع أيضاً إلى الجبل ليعطي الشريعة الجديدة. ولكن:
موسى أخذ الشريعة مكتوبة على ألواح حجرية، حطمها في غضبه حينما رأى الشعب يعبد العجل الذهب (خر 32: 19).
أما الرب يسوع فأعطانا شريعته منطوقة بكلمات النعمة المنسكبة من فمه (لو 4: 22)، إذ قال: «الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ» (يو 6: 63). وهكذا أعطانا كل شيء، ووعدنا بروحه القدوس الذي يعلمنا كل شيء ويذكرنا بكل ما قاله لنا (يو 14: 26).
فشتان إذن ما بين الوضعين:
شريعة مسجلة على ألواح حجرية، موضوعة في تابوت العهد ومحفوظة في قدس الأقداس لكي تظل هناك شاهداً للشعب.
وشريعة أخرى مسجلة في القلوب، مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي، لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية (2 كو 3: 3).
ومع أن شريعة موسى المكتوبة بأحرف في حجارة قد حُصلت في مجد (2 كو 3: 7)، حتى أنها كانت أول مرة في تاريخ البشرية يتكلم فيها الله مع البشر مواجهة – كما عبر عن ذلك موسى النبي قائلاً: «فَاسْأَلْ عَنِ الأَيَّامِ الأُولَى الَّتِي كَانَتْ قَبْلَكَ، مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي خَلَقَ اللهُ فِيهِ الإِنْسَانَ عَلَى الأَرْضِ، وَمِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاءِ إِلَى أَقْصَائِهَا، هَلْ جَرَى مِثْلُ هذَا الأَمْرِ الْعَظِيمِ؟ أَوْ هَلْ سُمِعَ نَظِيرُهُ؟ هَلْ سَمِعَ شَعْبٌ صَوْتَ اللهِ يَتَكَلَّمُ مِنْ وَسَطِ النَّارِ كَمَا سَمِعْتَ أَنْتَ وَعَاشَ؟ أَوْ هَلْ شَرَعَ اللهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَعْباً مِنْ وَسَطِ شَعْبٍ، بِتَجَارِبَ وَآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَحَرْبٍ وَيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ رَفِيعَةٍ وَمَخَاوِفَ عَظِيمَةٍ، مِثْلَ كُلِّ مَا فَعَلَ لَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ فِي مِصْرَ أَمَامَ أَعْيُنِكُمْ؟» (تث 4: 32-34) – على الرغم من كل هذا المجد الذي اكتنف تسليم موسى للناموس، فإننا نرى الشعب خائفاً جداً، «وَاسْتَعْفَوْا مِنْ أَنْ تُزَادَ لَهُمْ كَلِمَةً» (عب 12: 19)، وكانوا يخشون لئلا يموتوا من مجرد سماعهم صوت الله! وطلبوا من موسى أن يسمع هو كلام الله وينقله لهم!
أما الرب يسوع، فلما أكمل النطق بشريعته الجديدة، «بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ» (مت 7: 28-29، 8: 1). لأنه «لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلُ هذَا الإِنْسَانِ!» (يو 7: 46)، و«كَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ» (لو 4: 22).
وفي هذا يقول القديس برنابا في الرسالة المعنونة باسمه (من كتابات الآباء الرسوليين): «إن موسى أخذ العهد، أما الشعب فلا، لأنه كان غير جدير به. ونحن كيف أخذنا العهد؟ استلم موسى العهد كخادم، أما نحن فقد سلمنا الرب العهد بيده، بشخصه، كشعب وارث، بعد أن تألم من أجلنا» (رسالة برنابا 14: 4).
وهذا هو ما أراده الرب بتجسده: ليزيل الخوف من البشر ويجذبهم إلى الاقتراب إليه لينالوا منه الخلاص والحياة. كما يشرح ذلك القديس أثناسيوس الرسولي:
«لأنه إذ انحط فكر البشر نهائياً إلى الأمور الحسية، فقد توارى الكلمة بظهوره في الجسد، لكي يستطيع – كإنسان – أن ينقل البشر إلى ذاته ويركز إحساساتهم في شخصه. ومن ثم، إذ يتطلع إليه البشر كإنسان، فإنهم يقتنعون بالأعمال التي عملها أنه ليس مجرد إنسان بل هو إله أيضاً، وكلمة الله الحق وحكمته» (تجسد الكلمة 16: 1).
ثانياً: سمات عامة للعظة
منذ بداية العظة على الجبل، تظهر نية الرب يسوع بوضوح أنه يؤسس عهداً جديداً مع الإنسان، ليس كالعهد الذي قطعه مع آبائهم يوم أمسكهم بيدهم ليخرجهم من أرض مصر. «الَّذِي نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. بَلْ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً. وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلِينَ: اعْرِفُوا الرَّبَّ، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ» (إر 31: 32-34).
وفي هذا يقول القديس يوستين الشهيد في حواره مع تريفو: «لقد قرأتُ يا تريفو أنه سيكون هناك ناموس نهائي، وعهد جدير بالاعتماد أكثر من كل العهود السابقة. فذلك الناموس الذي كان على جبل حوريب هو العهد القديم، وكان يخصكم أنتم وحدكم – أي اليهود – أما هذا الناموس الجديد فهو للجميع عامة. فناموس يُوضع بعد ناموس آخر يُبطل الذي سبقه، وعهد يُبرم مؤخراً يوقف عمل الذي كان قبلاً» (1). فلقد أعطى لنا المسيح ناموساً خالداً وكاملاً وعهداً أميناً، لن يكون بعده ناموس ولا أمر ولا وصية. ألم تقرأ ما قاله إشعياء: «انْصِتُوا إِلَيَّ يَا شَعْبِي، وَيَا أُمَّتِي اصْغَوْا إِلَيَّ. لأَنَّ شَرِيعَةً مِنْ عِنْدِي تَخْرُجُ، وَحَقِّي أُثَبِّتُهُ نُوراً لِلشُّعُوبِ. قَرِيبٌ بِرِّي. قَدْ بَرَزَ خَلاَصِي، وَذِرَاعَايَ يَقْضِيَانِ لِلشُّعُوبِ. إِيَّايَ تَرْجُو الْجَزَائِرُ وَتَنْتَظِرُ ذِرَاعِي» (إش 51: 4-5) (الحوار مع تريفو: 11).
وهذا أيضاً ما يشرحه القديس كليمندس الروماني في رسالته إلى الكورنثيين: «هذا هو الطريق الذي فيه نجد خلاصنا، أيها الأحباء: يسوع المسيح، الكاهن الأعظم لتقدماتنا، والمدافع والمعين لضعفنا. به تحدق أبصارنا إلى أعالى السماء، ومن خلاله نرى انعكاس أشعة وجه الله النبيل الذي بلا دنس. وبه انفتحت أعين قلوبنا، واستضاءت أذهاننا بالنور – وكانت قبلاً حمقاء مظلمة – وبه أراد السيد الرب أن نذوق المعرفة الخالدة!» (الرسالة إلى الكورنثيين 36: 1).
ثالثاً: أبوة الله للإنسان
فهذا العهد الجديد لا يقوم على أساس عبودية الإنسان لله، بل على أساس أبوة الله للإنسان. لذلك نلاحظ تصميم الرب يسوع على إعلان أبوة الله الشخصية للإنسان مرات عديدة في هذه العظة:
«فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (مت 5: 16).
«أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ… لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (مت 5: 44-45).
«فَكُونُوا كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (مت 5: 48).
«فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً» (مت 6: 4).
«صَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ… لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ» (مت 6: 6-8).
«فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضاً أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ» (مت 6: 14).
«انْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ… أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا» (مت 6: 26).
«لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا» (مت 6: 32).
«فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟» (مت 7: 11).
رابعاً: التطويبات – علامات على الطريق، وصفات بني الملكوت الجديد
وإذ يفتح الرب فاه لينطق بشريعة عهده الجديد الذي أتى فيه «لِيَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لو 19: 10)، يبدأ حديثه بكلمات جذابة مشجعة لمساكين الأرض والضعفاء والخطاة: تلك هي التطويبات.
ويعلق القديس يوحنا ذهبي الفم على هذه التطويبات بقوله: إن الرب لم يقدم أقواله في صورة نصائح أو وصايا، بل في هيئة تطويبات، ليجعل كلمته أقل ثقلاً، وليفتح للجميع مجال التلمذة له (تفسير إنجيل متى لذهبي الفم).
والواقع أنه بهذه التطويبات يقلب الرب مقاييس البشر في الحكم على الحياة وكيف ينبغي أن تكون، ويجيب على تساؤل البشرية كلها منذ الأزل عن سر السعادة الحقيقية وكيف يجدها الإنسان. فبهذه التطويبات يعطي الرب لكل واحد مفتاح السر لكي يجد نفسه وسعادته وحياته الأبدية في أي من هذه الفئات المطوبة من البشر.
وفي هذا يقول القديس مقاريوس الكبير:
«أساس طريق الله هو هذا: أن يكون السفر في طريق الحياة بصبر جميل ورجاء، وتواضع العقل ومسكنة الروح والوداعة. وبواسطة هذه يمكن للإنسان أن يملك البر في باطنه. ولكن البر الذي نتكلم عنه هو الرب نفسه (إر 23: 6)، لأن هذه الوصايا التي نحن موصون بها هي كالحجارة المنصوبة في آخر كل ميل، وكأعلام الطريق السلطاني التي ترشد المسافرين إلى المدينة السماوية. لأنه قال: «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ».. فهذه تُدعى ديانة مسيحية. وأما إذا لم يسافر أحد في هذه الطريق، فإنه يصل إلى حيث لا مسلك، ويكون قد بنى على غير أساس. فالمجد للمراحم اللطيفة التي للآب والابن والروح القدس» (عظات القديس مقاريوس – العظة 27).
ونحن نتساءل: من يكون هذا الإنسان الذي يتكلم بمثل هذا التأكيد القاطع، مخبراً عن فئات الناس الذين لهم الطوبى ونصيبهم ملكوت السموات؟ ومن يكون هذا الشخص الذي يعلن للناس عن مكافآت مثل هذه، لا يستطيع أن يهبها إلا الله وحده؟
والحقيقة أن الرب يسوع يبدو هنا في نطقه بهذه التطويبات كما لو كان جالساً على كرسي الدينونة في اليوم الأخير، يفرز بين الخراف والجداء، فيدعو خرافه بأسمائها لتأخذ جزاءها الأبدي وأكاليل المجد المعدة لها.. لأنه لن يرث ملكوته إلا هؤلاء الذين لهم هذه السمات مختومة على جباههم.
خامساً: الكمال والتشبه بالله – غاية المسيحي من حفظ الوصية
يفتتح القديس أغسطينوس كلامه عن العظة على الجبل بقوله: «لو تأمل إنسان بتقوى وورع في العظة التي قالها ربنا يسوع المسيح على الجبل، كما تُقرأ في إنجيل متى، لوجد فيها كل المبادئ السامية اللازمة للحياة المسيحية الكاملة» (الموعظة على الجبل للقديس أغسطينوس – مجموعة آباء بعد نيقية 6: 1).
والواقع أن الرب يسوع ينبه أذهاننا منذ بداية العظة لما يتطلبه منا من كمال.. فهو يحثنا على الجوع والعطش إلى البر (مت 5: 6)، وليس إلى خيرات الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً. ويدعونا إلى نقاوة القلب التي بها نعاين الله (مت 5: 8)، نافياً بذلك الخوف القديم من الموت لمن يرى الله: «لاَ يَرَانِي الإِنْسَانُ وَيَعِيشُ» (خر 33: 20). ويطالبنا بأن يزيد برنا على الكتبة والفريسيين وإلا فلن ندخل ملكوت السموات (مت 5: 20). فقد كان أبر الناس في العهد القديم – الذين يتمسكون بحرفية الناموس ويدققون إلى أبعد الحدود في تطبيقه – هم الكتبة والفريسيون، وهؤلاء رفضهم الرب لأنهم «تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ» (مت 23: 23).
وفي النهاية يأمرنا الرب: «كُونُوا كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (مت 5: 48).
وفي هذا يقول القديس مقاريوس الكبير:
«كل الأشياء الظاهرة خلقها الله وأعطاها للبشر لأجل تنعمهم وابتهاجهم، ومنحهم ناموس البر. ولكن منذ أتى المسيح، صار ينتظر الله ثمرة أخرى، ونوع بر آخر، ونقاوة قلب، ونية صالحة، وخطاباً مفيداً، وأفكاراً عفيفة حسنة، وسيرة القديسين المضبوطة. لأن الرب قال: «إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» (مت 5: 20). وكُتب في الناموس: لا تَزْنِ، وأنا أقول لكم: لا تَشْتَهِ، ولا تَغْضَبْ. لأن من شاء أن يكون صديقاً للمسيح وأخاً وابناً له، يجب عليه أن يفعل شيئاً ما غريباً فائقاً بقية الناس، يعنى أن ينذر قلبه ولبه لله، ويرفع إليه أفكاره، فيمنح الله لقلبه بالسر حياة وعوناً، ويودعه ذاته عينها…» (عظات القديس مقاريوس – العظة 13).
سادساً: «أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم»
كما أن هذه العظة تضع تلاميذ المسيح – وكل من يسمع أقوال الرب هذه – على مستوى المسؤولية الروحية تجاه الأرض كلها والعالم أجمع!
فلم يكتف الرب بالتطويبات التي أعلن بها صفات بني الملكوت الجديد الذي جاء لكي يؤسسه على الأرض، والمكافأة المعدة لكل منهم، ولكنه أراد أيضاً أن يبين المنزلة الخاصة التي للمسيحي الحقيقي بالنسبة للعالم، فأشار إلى تلاميذه وقال لهم:
«أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ. وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ. أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ تَقْدِرُ مَدِينَةٌ أَنْ تَخْتَفِيَ وَهِيَ عَلَى جَبَلٍ، وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (مت 5: 13-16).
هذه المسؤولية الروحية لتلاميذ الرب تجاه العالم، لا تعني امتيازاً أو أفضلية بقدر ما تدل على عطية الله العظمى من خلال وصيته الجديدة، التي يصير الإنسان بواسطة حفظها وتنفيذها عملياً ملحاً للأرض ونوراً للعالم.
فالملح لا غنى عنه لإصلاح كل طعام، الذي وإن كان قليلاً إلا أنه لازم وضروري لحفظ كل شيء من الفساد، والذي بدونه تصير الأرض بلا طعم.. بلا ملح. هكذا أولاد الله بالنسبة للعالم! ولكن إن فسد الملح – أي صار بلا ملوحة وفقد طعمه الخاص – «لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ». أي إنه إن خاف أولاد الله من التعيير والطرد، وأرادوا أن يسايروا المجتمع ويشاكلوا هذا الدهر، فإنهم يفقدون طعمهم المميز، ولن يكون نصيبهم أفضل من نصيب الملح الذي فسد وطُرح خارجاً ليداس من الناس!
أما النور، فمكانه الموضع المرتفع العالي، ولا يمكن أن يُخفى تحت مكيال، بل يُوضع على منارة ليضيء لجميع من في البيت.
وهذا يؤكد الرب فيه حتمية تأثير المسيحي على المجتمع المحيط به، طالما كان متمسكاً بسمو دعوته وترفعها عن كل ما هو أرضي وجسداني. فلا بد أن تكون منزلته كمنزلة النور لأهل البيت، والمدينة العالية التي لا تخفى عن أعين الناظرين. أما الهدف من ذلك فهو «أَنْ يَرَى النَّاسُ أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ»، لأن نور المسيحي هو نور مستمد من المسيح الساكن فيه والعامل به، لذلك فهو يقبل دائماً إلى النور «لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ» (يو 3: 21).
لذلك، نجد الرب يؤكد طوال العظة على الطاعة العملية للوصية:
«وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ» (مت 5: 19).
«لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (مت 7: 21).
«فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ» (مت 7: 24).
سابعاً: الانتقال بالوصية من وضعها الخارجي إلى جوهرها الفعلي
ومن السمات الأساسية أيضاً في هذه العظة أنها تكشف عن العلاقة بين الرب وشريعة العهد القديم!
فهل جاء الرب يسوع لكي يضع شريعة جديدة غير شريعة العهد القديم؟ هذا ما أراد الرب أن يوضحه بعد نطقه مباشرة بالتطويبات، لذلك قال لسامعيه: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ» (مت 5: 17).
واضح أن الرب قد حدد بهذه الكلمات موقفه من شريعة العهد القديم، وبين أنها كانت تمهيداً وإعداداً لشريعة العهد الجديد، وأنه لا تعارض إطلاقاً بينهما. فشريعته هي امتداد للناموس والأنبياء وتكميل لهما، بل «إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ» (مت 5: 18). مبيناً بذلك أن قانون كلمة الله وفعل وصاياه وأحكامه على الإنسان أكثر بقاء وثباتاً وأثراً من كل قوانين العالم الطبيعي، والأهون أن تزول السماء والأرض من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس. فإذا كانت السماء والأرض تحكمها قوانين طبيعية لا تحول ولا تنقض، فكم بالحري كلمة الله وأحكامه ووصاياه التي تحكم الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله، لا يمكن أيضاً أن تزول أو تنقض!
ولكن لنلتفت بتدقيق إلى قول الرب: «مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ». فواضح هنا أن الرب يسوع يتكلم كمن له سلطان.. فمن ذا الذي يستطيع أن يكمل الناموس إلا واضع الناموس نفسه؟! فهل يقدر أحد أن يكمل عمل الله إلا الله نفسه؟! اسمع الرب يسوع يقول: «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ… وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ…» (مت 5: 21). إذن، فالرب يسوع هو نفسه الله الذي شرع في القديم قائلاً للقدماء: «لا تقتل…»، وإلا فما كان يقول: «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ».
وواضح أيضاً من كلام الرب يسوع أن قصور الناموس في العهد القديم لم يكن في الناموس ذاته، بل بسبب سامعيه «القدماء» الذين لم يكن في مقدورهم أن يدركوا أعماق الناموس وروحه. وهذا ما كشفه الرب يسوع، وهو لذلك أكمله. فالقتل مثلاً جذوره البغضة: «مَنْ يُبْغِضْ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ» (1 يو 3: 15)، ومظاهره الأولى الغضب، ثم التعبير عنه بالألفاظ، ثم بالشتائم.. وهكذا حتى يفقد الإنسان سيطرته على نفسه وتمتد يده إلى القتل!
وهكذا يؤكد الرب أن الوصية هي الوصية، سواء كانت في العهد القديم أو الجديد، وأنه لم يأت بجديد سوى أنه امتد بالوصية من وضعها الخارجي المختص بالعمل والحكم عليه حسب الفعل الظاهري، إلى تتبع النية والضمير والمشيئة المحركة للفعل. ولكن هذا الامتداد ليس أمراً هيناً، إذ هو اختراق الكلمة الإلهية لمفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، وتمييز أفكار القلب ونياته (عب 4: 12). ولا يمكن أن يتم هذا إلا بروح الله الملازم لكلمته الحية الفعالة، حينما يستسلم الإنسان كلياً لعمله في القلب. وهذه هي الطريقة الوحيدة لتكميل الناموس والوصول به إلى غايته.
ثامناً: شرح القديس يوحنا ذهبي الفم لتكميل الرب للناموس
والآن، فلنستمع إلى القديس يوحنا ذهبي الفم في شرحه لتكميل الرب للناموس:
«أما الرب يسوع فقد أكمل الشريعة ليس بطريق واحد فقط، لكن بثان وثالث أيضاً.
الطريق الأول: بعدم تعديه وصايا الناموس، وفي هذا قد أكملها جميعاً. ولنسمع ما قاله ليوحنا المعمدان: «اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ» (مت 3: 15). وكما قال لليهود: «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟» (يو 8: 46).
والطريق الآخر: أنه صنع نفس الشيء من خلالنا نحن أيضاً. وهذه هي المعجزة، إذ وحده الذي أكملها بل وهب لنا نحن أيضاً ذلك. وهذا هو الشيء الذي أعلنه بولس الرسول: «الْمَسِيحُ هُوَ غَايَةُ النَّامُوسِ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ» (رو 10: 4). لأنه طالما أن الناموس كان يعمل ليبرر الإنسان، ولكن لم تكن فيه قوة، فأتى الرب بطريق البر بالإيمان، وأقام ما أراده الناموس. والذي لم يقوَ عليه الناموس بالأحرف، هذا قد أنجزه الرب بالإيمان.
والطريق الثالث: هو تلك المجموعة من الوصايا التي سيعطيها الرب لهم وشيكاً. فأقواله ليست إلغاءً لما سبق، بل استمراراً، بل تكميلاً لنقصها. ولذا فإن «لاَ تَقْتُلْ» لم تُلغَ بقوله «لاَ تَغْضَبْ»، بل إنها بالأحرى قد تمت ووُضعت في أمن أعظم. وكذلك بالنسبة للوصايا الأخرى» (مقتبس من تفسير إنجيل متى للقديس يوحنا ذهبي الفم).