دراسات لأسفار الكتاب المقدس: سفر العدد – الرحيل لأرض الميعاد

نواصل سوياً السير مع الشعب الإسرائيلي أثناء تجواله في البرية فترة أربعين عاماً حيث هلك جيل بأسره. واتضح أن إسرائيل لم يكن معداً لأرض الموعد.

بلعام ابن بعور 22: 2 – 25: 18

بعد أن قضى الرب على كل تمرد ظهر وسط شعبه ضد موسى وهارون، بدأ شعب الله يواجه أعداءه من شعوب الأرض التي وعد الرب أن يعطيها لهم. لقد هاجم العدو إسرائيل مباشرة، فرد على أعقابه، فانتصر الرب على سيحون ملك الأموريين، وانتصر أيضاً على عوج ملك باشان. وعندئذ استقرت محلات المعسكر على السهول التي تقع عبر أريحا، وما بقي إلا الاستعداد لعبور النهر وامتلاك كنعان نفسها. إنما يجب أن نعرف أولاً عن محاولة موآب لإبادة إسرائيل بوسيلة جديدة.

استدعاء بلعام (22: 2-40)

كان بالاق ملك موآب متأثراً بقوة الإسرائيليين، وكان خائفاً لئلا يكون مصيره كمصير غيره من الملوك. وإذ هو واثق من عدم قدرته على إيقاع الهزيمة بشعب الله، أراد أن يستخدم وسيلة غير مباشرة لإبادتهم استمدها من ديانته، فاتحد لهذا الغرض مع شيوخ مديان وأرسل وفداً إلى بلعام بن بعور.

كان من الواضح أن بلعام نبي الله، ولكن أطاع بداعي الضغط لا بداعي الحب الحقيقي. فجاء إليه شيوخ موآب ومديان محملين بالمال مكافأة له إذا لعن الشعب، فطلب إليهم بلعام أن يتريثوا تلك الليلة ريثما يطلب مشورة الرب ويطلع على فكر الله. فأخبره الله أن الشعب مبارك وإنه ليس في مقدوره أن يلعنهم، وتمثلت خيبة بلعام بالطريقة التي قال فيها للرسل: «الرب أبى أن يسمح لي بالذهاب معكم».

بلعام بن باعور
بواسطة رامبرانت – Mbzt وملكية عامة وhttps://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=23551459

حيلة العدو باستخدام المنتمين للشعب

وليس بالمستغرب أن يلجأ بالاق إلى هذه الحيلة، فالعدو إذا ما استنفذ كل حيلة في إيقاع الهزيمة بشعب الله، لجأ إلى الاستعانة بأشخاص ينتمون إلى شعب الله لاستخدامهم ضده. إذ لا تخلو جماعة المؤمنين في كل زمان ومكان من أولئك الذين يسعى الشيطان أن يستخدمهم لغرضه، وربما يكون هؤلاء شهوداً أقوياء الله في وقت ما، ومع ذلك يسلمون أنفسهم لإرادة الشيطان رغم ادعاءهم بالانتماء إلى شعب الله. فمن يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط. لذلك يجب أن نحترس كمؤمنين أن لا ندع تأثيرنا يستخدم أبداً ضد شهادة للحق لا مهادنة فيها.

ضعف بلعام وحبه للمال

ورغم أن جواب بلعام كان صريحاً للمرسلين من قبل بالاق، إلا أن أولئك المرسلين استشعروا من جواب بلعام ضعفه وحبه للمال، لذلك نرى بالاق عاد وأرسل وفداً آخر أرفع مقاماً، وهذا الوفد وعد بلعام بالإكرام العظيم إذا طاع الملك وذهب معهم يلعن الشعب الذي باركه الرب. ورغم أن جواب الرب كان صريحاً عندما استشاره بلعام، إلا أن بلعام أخبر الوفد بأنه سيعاود استشارة الرب.

تحذير من المساومة في طاعة الله

وهكذا كل إنسان يكون قلبه متعلقاً ببعض الأمور الدنيوية، يكون متردداً في طاعة إرادة الله. لا شك أن هذا السلوك الذي سلكه بلعام كان في حد ذاته ينطوي على عدم الولاء لله. فإنه متى اتضحت إرادة الله فليس من الإكرام أن نطلب مزيداً من النور. كل ما يطلبه الله الآن هو الطاعة السريعة بدون سؤال.

إنما كانت طلبة بلعام الجديدة لمعرفة إرادة الله، بسبب شهوته للحصول على العطايا الثمينة التي أتى بها الرجال. كم نحتاج أن نحترس أن لا نجعل حكمنا عن إرادة الله يتأثر باعتبارات خفية. أن المساومة في طاعة إرادة الله أمر مكروه لا بد أن ينتهي إلى السقوط. فكم يفعل المسيحي ما يعرف أنه مناقض لإرادة الله، عازماً أنه في أثناء عمل ذلك يبقى أميناً لله. مثل هذه العزائم لا بد وأن تخيب. إن الله لا يرضى بطاعة جزئية، لكنه يريد طاعة كاملة من كل القلب.

تدخل الله المعجزي

عندما يجد الرب إنساناً يرغب مصمماً أن يفعل ما يريد، يتركه الرب حراً لا يرغمه على طاعته، لكن في نفس الوقت يوقف في الوقت المناسب تأثير نتائج عمله على برنامجه الإلهي. وهكذا فعل مع بلعام إذ تدخل الله بطريقة معجزية ليرغم نبيه المخطئ ألا يتحدث إلا بما يأمره الرب، إذ أنه كان من الضروري لتدبير الله في الفداء أن يسكن بنو إسرائيل في كنعان، فلم يسمح لضعف إنسان أن يعطل هذا الجزء الحيوي من البرنامج الإلهي.

نبوات بلعام (22: 41- 24: 24)

وأخيراً التقى بلعام ببالاق. وخلال هذا اللقاء، نطق بلعام بكلمة الله أربع مرات مقدمًا الرسالة التي أعطاها إياه الله بالضبط حتى ولو أنها أضاعت فرصته للحصول على المكافآت الغنية التي عرضها عليه بالاق ليلعن إسرائيل. وبعد كل من الحديثين الأولين كان بالاق يأخذ بلعام إلى مكان آخر زعماً منه أن هذا قد يغير الرؤية ويجعل بلعام أن يتمم إرادته الشريرة. وفي كل مرة كان بلعام يؤكد أنه لا يقدر أن يقول شيئاً إلا الكلام الذي يعطيه له الرب. وبعد الحديث الثالث أخبره بالاق مشمئزاً أن يكف فلا يبارك ولا يلعن إسرائيل أي بمعنى أن يكون على الحياد، الموقف المائع الذي يعبر عنه بالفتور. كثيراً ما نقف هذا الموقف فلا نحن نبارك الرب ولا نلعن العالم. لكن بلعام استمر في تقديم رسالته الرابعة. وكان في هذه المرة لا يبارك إسرائيل فقط بل يلعن القضاء النهائي على شعب بالاق على يد إسرائيل.

نبوة بلعام عن المسيح

ورغم أن بلعام نبي كذاب إلا أنه تنبأ عن مجيء السيد المسيح. فقد رأى شخصاً آتياً، ولكن ليس سريعاً، ذلك الذي سيكون ملكاً فيقول: «أراه ولكن ليس الآن. أبصره ولكن ليس قريباً. يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغي» (24: 17).

ضلالة بلعام ونهايته (24: 25-25: 5)

بعد الأحاديث الأربعة التي نطق بها بلعام في وجه بالاق، قام بلعام وانطلق ورجع إلى مكانه. وبالاق أيضاً ذهب في طريقه. ويخبرنا سفر العدد في الإصحاح 31: 8 أن بلعام بن بعور قتل مع ملوك مديان الخمس عندما أمر الرب موسى بإبادة المديانيين. يتضح من هذا أن بلعام عندما رجع لم يذهب إلى موطنه الأصلي بين النهرين، بل ذهب وسكن بين المديانيين ذلك لأن قلبه كان متعلقاً بالهدايا والعطايا وخيرات المديانيين. فإذ قد حرم مرغماً من التمتع بعطايا بالاق الكثيرة والوفيرة، فلا أقل من أن يتمتع بما يتمتع به المديانيون.

ذكر بلعام في العهد الجديد

وكان من نتيجة إقامته وسط المديانيين أن ذكر لنا سفر الرؤيا أن بلعام كان يعلم بالاق أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا (رؤ 2: 14). ورد ذكر بلعام ثلاث مرات في العهد الجديد، فإننا نقرأ عن طريق بلعام (2 بط 2: 15)، وضلالة بلعام (يه 11)، وتعليم بلعام (رؤ 2: 14). كانت طريق بلعام أن يحب أجرة الظلم، وكانت ضلالة بلعام في الاستعداد لاستخدام اسم الله في أعمال شيطانية من أجل المكافأة، وكان تعليم بلعام في إطلاع بالاق على كيفية جلب غضب الله على الشعب.

غضب الله بسبب خطية الشعب (25: 6-18)

لقد سقط الشعب في الخطية على الرغم من حماية الله ورفضه لعنتهم، فكان يجب أن يعاقبوا على خطيتهم، فكان على الذين ارتكبوا هذا الإثم أن يقتلوا وتقطع رؤوسهم. ولقد أظهر بعض الشعب ندماً حقيقياً لأنهم اقترفوا شراً، ولكن واحداً منهم بالفعل، أتى بامرأة مديانية إلى خيمته أمام عيني موسى والشعب. فنهض فينحاس حفيد هرون، بغيرة إلهية وذبح كل من الرجل والمرأة، مما أدى إلى توقف الوبأ الذي أرسله الرب لإبادة الشعب، إلا أن 24 ألفاً هلكوا. وأكرم الرب فينحاس حين عهد إليه بميثاق الكهنوت. ولا تعني كلمة «أبدي» في هذا الميثاق إلا معنى عصراً مديداً، بمعنى أن أبناء هرون وفينحاس سيظلون يخدمون ككهنة ما دام العصر الموسوي قائماً. إذ نعلم أن عصر الناموس انتهى بمجيء السيد المسيح وإتمامه الفداء العجيب، ودخلت بذلك الكنيسة عصر النعمة.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى