سفر التثنية ونظرة المسيحية إليه
اهتمام آباء الكنيسة بالسفر
اهتم آباء الكنيسة والمفسرون في عصر الآباء وعلماء مدرسة الإسكندرية، وفي مقدمتهم العلامة أوريجانوس، بسفر التثنية في كتاب العهد القديم[1]. ويطلق اليهود على هذا السفر «خامس كتب الشريعة الخمسة»، فهو الكتاب الخامس في الشريعة الموسوية، وتلخيص للقوانين والحوادث التي سبق ذكرها في الكتب الأربعة السابقة[2]. وقد اقتبس شراح العهد الجديد من سفر التثنية أكثر من أي كتاب آخر من كتب الشريعة الموسوية.
نسبة السفر إلى موسى

ورغم أن بعض الكتاب قد حاول أخيرًا التشكيك في نسبة هذا السفر إلى موسى. فإن اعتقاد اليهود، وبعد ذلك المسيحيين، في أن موسى هو واضعه لم يتطرق إليه الشك منذ ثلاثة آلاف سنة[3]. فكثرة الأقوال في سفر القضاة وراعوث وصموئيل والملوك وأرميا وأشعياء وهوشع وعاموس في كتاب العهد القديم، والمقتبسات في أقوال يسوع والرسل في العهد الجديد، توحي بلا جدال بالاعتقاد بأن موسى هو واضعه. ويقتبس القديس بولس من سفر التثنية في رسالته إلى الرومانيين في الأصحاح العاشر الآية التاسعة عشرة، وينسب ما اقتبس إلى موسى نفسه.
طبيعة السفر وتاريخ كتابته
وهذا السفر هو في واقع الأمر مجموعة من ثلاث خطب أو مواعظ، خطبها موسى وهو في سهول مؤاب شرق نهر الأردن قبل نياحته. ووفقًا لما جاء في الأصحاح الأول من هذا السفر والآية 3 – 5، بدأ موسى أقواله في اليوم الأول من الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين منذ خروج اليهود من مصر، وتنيح بعد ذلك بشهر واحد، بالغًا من العمر مائة وعشرين سنة. فمحتويات سفر التثنية قيلت وسجلت إذن في مدى شهر واحد، باستثناء الفصل الأخير الذي أضيف بعد نياحة موسى، ربما بواسطة يشوع[4]، من أجل أن يختم السفر.
الجمهور المستهدف للخطب
وكانت الغالبية العظمى التي استمعت إلى هذا السفر عندما نطق به موسى من الجيل الجديد حينذاك. إذ عندما خرج اليهود من أرض مصر تحدوهم روح عالية وآمال واسعة، هلك الكثير منهم في صحراء سيناء[5]، ولم يتبق من البالغين الذين كانت أعمارهم تزيد على عشرين عامًا عند الخروج قبل ذلك بأربعين عامًا غير موسى، سوى يشوع وكالب. ولذلك فقد كانت غالبية من استمع إلى خطب موسى في آخر أيامه هم الشباب الذين كانوا يجهلون تلك السقطات الخطيرة المؤسفة التي عاقت تحقيق آمالهم، وما كان يريده الرب لو أنهم ظلوا على عهدهم من سرعة نقلهم إلى أرض الموعد.
الهدف من الخطاب
وكان من الضروري أن يعلم موسى النشء بخلاصة ما قابله من تجارب. فيعلمون سبب ما اعتراهم من تأخير وما طرأ على المخطط الإلهي من تغيير. وكان إعادة سرد ما قابله وما قابل آباءهم من تجارب، وما صادفهم من أحداث تاريخية منذ وجودهم في جبل سيناء، على مسامع الجيل الجديد، وكذلك إعادة سرد القوانين والأوامر التي تنظم سلوكهم وعبادتهم، كل ذلك كان ضروريًا لهم لإعدادهم لدخول أرض كنعان. فألقى عليهم موسى ليس بروح المعلم فقط، بل بروح المؤرخ الذي يستخلص من الماضي تعاليم وعظات أجل أن تتبصرها أجيال المستقبل.
الخطبة الأولى: استعراض الماضي ووعظه
ويستنتج من دراسة هذا السفر أن موسى أكمله في ثلاث خطب فقط، وكانت أطولها الخطبة الثانية. وتكون الآيات 1 إلى 5 من الأصحاح الأول مقدمة الخطبة الأولى التي تنتهي بالآية 40 من الأصحاح الرابع. ويرى البعض أن الآيات 41 – 49 لهذا الأصحاح كتبها شخص آخر ليخبرنا بما حدث تحت قيادة موسى على الضفة الشرقية لنهر الأردن.
ويقص علينا موسى في الخطبة الأولى باختصار قصة الرحلة من صحراء سيناء إلى الأردن. وهو يؤكد تدبير العلي في قيادة شعبه في ذلك الوقت إلى أرض كنعان مباشرة من جبل الشريعة، معددًا الحوادث الرئيسية التي قابلتهم في رحلتهم عبر تلك الصحراء الجرداء الموحشة حتى وصلوا إلى حدود أرض الميعاد.
وكان موسى يروم بوجه خاص إعلام الجيل الناشئ بنبأ تلك الثورة التي قام بها بنو إسرائيل نتيجة الأخبار التي جاء بها الجواسيس العشرة[6]. كما أراد أيضًا، استتبابًا للنظام ووحدة الصفوف، أن يعلم ذلك النشء بمصير الثائرين وأحكام الإعدام التي صدرت ضدهم. كما أعاد على مسامعهم ما أنتابهم من محن أثناء اجتيازهم البرية.
ونعلم أيضًا من الخطبة الأولى بهزيمة العمالقة وبحصار مدنهم المسورة، والتقدم بعد الانتصار نحو نهر الأردن. هذه الإعادة للحوادث الماضي مع ذكر خاص للسقطات التي أدت إلى تأخرهم عن بلوغ هدفهم مدة ثمانية وثلاثين عامًا، كانت إعدادًا ضروريًا لذلك الأمر الذي كان موسى على وشك أن يلقيه على الشباب بشأن ضرورة إطاعة شريعة الرب، والتحذير من المخالفة وعبادة الأوثان.
الخطبة الثانية: تأكيد الشريعة والوصايا
وتستغرق الخطبة الثانية الأصحاح الخامس إلى السادس والعشرين، وفيها يذكر موسى بني إسرائيل بالشريعة التي تسلمها على قمة جبل سيناء، مكررًا لهم الوصايا العشرة، إذ لم تسمعها أكثرهم طبعًا من فم الرب في تلك المقابلة الجليلة. ثم يحثهم على إطاعتها على أساس المحبة، كما يحثهم على تلقينها لأبنائهم.
وقد أردف النصح بالوعيد لكل مخالف، والوعد الحسن للمؤمنين. كما وعدهم بالنصر على الكنعانيين الوثنيين، وأعطاهم التعليمات الخاصة بطردهم من أرض الموعد وتدمير كل أوثانهم. وبين لهم أن رعاية الرب لهم وقيادتهم والمحافظة عليهم طوال رحلتهم الشاقة يستوجب منهم الطاعة له والإيمان به، وحذرهم من الغرور والتفاخر الروحي. ولم تحل نياحة هارون على جبل هور دون تسلسل الكهنوت الهاروني الذي استمر في ذريته.
الخطبة الثالثة: البركات واللعنات والاختيار
وتشمل الأصحاحات 27 إلى 30 الخطبة الثالثة، وفيها أمرهم موسى بضرورة نقش الوصايا العشرة على لوحين من الحجر على جبل عيبال بعد دخولهم أرض الميعاد. وعدد لهم النعم التي ينالها المطيعون والنقم التي تلحق بالمخالفين. أما إذا سادت المخالفة لهذه الوصايا، فقد تنبأ لهم بأنهم سيتشتتون بين جميع الأمم ويجعلهم الرب عبرة لمن يعتبر ومثالاً للأمم المخالفة. أما إذا رجعوا هم وأبناؤهم إلى الرب بكل قلوبهم، فسيكتب لهم النجاة من هذا المصير ويرجعهم من سَبْيِهم ويعطف عليهم. فكان أمر تحقيق هذه النبوة مشروطًا إذن بسلوكهم.
وختم موسى خطبته بنداء يصح أن ينطبق على جميع الأجيال، قال فيه: «إن شريعة الرب تضع الناس عند مفترق الطرق، وإن القرار الذي يتخذونه يتوقف عليه مصيرهم الأبدي» («أنظر! قد جعلت قدامك الحياة والخير والموت والشر، بما إني قد أوصيتك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسلك في طرقه وتحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه، لكي تحيا وتنمو ويباركك الرب إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها …. أشهد عليكم اليوم السماء والأرض، قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة. فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك، إذ تحب الرب إلهك وتسمع لصوته وتلتصق به لأنه هو حياتك والذي يطيل أيامك لكي تسكن على الأرض التي حلف الرب لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيهم إياها» التثنية 30: 15 – 20).
إن التاريخ ليشهد بوضوح بالحقيقة الخالدة، وهي أن مصير الناس والأمم مرهون بموقفهم نحو الشريعة الأخلاقية التي نزلت من سيناء، وهي مقياس الاستقامة والقاعدة التي يقام عليها الحكم يوم الدين.
خاتمة السفر وختام حياة موسى
ثم يتبع ذلك نبذة تُقَبِّل فيها أن حياة موسى تقترب من نهايتها، ونعلم أن يشوع قد انتخب ليخلفه، وأن الكهنة قد اؤتمنوا على الشريعة، يقرأونها على الشعب كل سابع سنة بمناسبة عيد المظال. بعدها أمر موسى بكتابة لحن يخلد به ما قابل بني إسرائيل من أحداث، بل كتبه هو وعلمهم إياه.
ثم نادى على الشيوخ ليسمعهم وصيته الأخيرة: «لاني عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون من الطريق الذي أوصيتكم به ويصيبكم الشر في آخر الأيام لأنكم تعملون الشر أمام الرب حتى تغيظوه بأعمال أيديكم…»، ثم سار موسى نحو جنازته – إن صح هذا التعبير – على قمة جبل نيبو قبل أن يسلم القيادة لخليفته. وكان موسى الرجل الوحيد الذي سار نحو جنازته ودفنته الملائكة تكريمًا لحياته العظيمة ولشخصيته.
ويرى بعض الشراح أن الأصحاح الثالث والثلاثين وكأنه أُعد بواسطة كاتب آخر نيابة عن موسى. ومن المؤكد أن الأصحاح الأخير أُلحق ليخبرنا عن موته ودفنه، وهو حلقة الاتصال بين سفر التثنية ويشوع، ويعتقد أنه كان في وقت ما ملحقًا بالسفر الأخير. ويجب أن نعلم أنه في الوقت الذي كتبت فيه هذه الأسفار لم تكن مقسمة إلى إصحاحات، ولذلك كان من الصعب أن نعلم بنهاية سفر بالذات، ولكن ليس هناك من شك في أن يشوع هو كاتب وصف نياحة ودفن موسى.
أهمية السفر للمسيحيين
وقد كتب أحد الشراح مبينًا أهمية سفر التثنية للكنيسة فقال: «تستطيع التأكيد بكامل ثقة أنه لا يكاد يوجد سفر آخر ينتفع به المسيحي من أسفار العهد القديم أكثر من سفر التثنية…». فيجب على المسيحي إذن أن يقرأ هذا السفر بتمعن كجزء من الاستعداد الواجب عليه لدخول كنعان السماوية[7].
أوريجانوس، تفاسير أسفار موسى الخمسة، مدرسة الإسكندرية.
القمص تادرس يعقوب ملطي، تفسير سفر التثنية.
ابن ميمون، دلالة الحائرين، القسم الخاص بالشريعة الموسوية.
القمص تادرس يعقوب ملطي، تفسير التثنية.
القمص متى المسكين، دراسات في العهد القديم.
القمص تادرس يعقوب ملطي، تفسير التثنية.
القمص أنطونيوس فكري، تفسير سفر التثنية.