سياحة في مصر في القرن الرابع

مقدمة

اتجهت أنظار كثيرة في القرن الرابع نحو مصر، التي لم تكن من الناحية السياسية سوى مستعمرة رومانية، أما من الناحية الفكرية والدينية فقد بهرت أنظار الكثيرين. وقد كان لكنيسة الإسكندرية مكانة خاصة بين الكنائس منذ الأجيال الأولى، بفضل فلاسفتها ومعلميها أمثال بنتينوس وأكليمندس وأوريجانوس، وبفضل شهدائها الذين قال عنهم أوسابيوس: «…كانوا لا يبالون بأشد أنواع التعذيب… وكانوا يتقبلون حكم الموت النهائي بفرح وضحك وبشاشة، لذلك كانوا يرنمون ويتهللون ويقدمون التسابيح والتشكرات لإله الكون إلى النفس الأخير». كما أفرد لهم أجزاء كاملة من مؤلفه عن التاريخ الكنسي.

فلما انتهى عصر الشهداء في أوائل القرن الرابع، وخرجت الكنيسة ظافرة من السراديب المظلمة إلى نور الحرية، بقيت أنظار الكنائس معلقة بكنيسة الإسكندرية، بفضل أبطالها الذين وقفوا ضد الهرطقات الخطيرة التي سادت ذلك العصر، واستطاعوا أن يحفظوا لنا الإيمان المستقيم، أمثال القديس أثناسيوس وكيرلس. بجانب هؤلاء الأبطال المجاهدين، كان أبطال الرهبنة المصريون، الذين رغم اختبائهم وموتهم الكامل عن العالم، إلا أن نورهم وصل ليس إلى أقصاء العالم المعروف وقتئذ فقط، بل إلى جميع الأجيال، وصاروا نعم المعلمين لطريق الفضيلة والحياة المسيحية الكاملة.

لهذا كان من التأملات الجميلة أن يقوم الإنسان بجولة صغيرة عبر التاريخ، ويحيا ولو فترة قصيرة في القرن الرابع. وإن الذي يسترعي انتباهنا لأول وهلة أننا لسنا وحدنا في هذه السياحة، فكثيرون من بلاد بعيدة في ذلك العصر، جذبهم ما يجذبنا الآن، فتركوا أوطانهم ليزوروا بلادنا؛ جاء بعضهم في زيارة عابرة، وبعضهم أقبل ليعيش بها سنوات قصرت أو طالت إلى العشرات، والبعض أتى ليقضي بقية حياته في الأرض التي شبهها بعض كتاب ذلك العصر بالفردوس.

من الإسكندرية: العاصمة الفكرية والروحية

ومن الطبيعي أن نبدأ جولتنا من الإسكندرية، عاصمة البلاد وأكبر مركز فكري وديني في العالم. ويتوسط المدينة الشارع الكبير الذي أنشأه البطالمة ويمتد خمسة كيلومترات من أبي قير إلى باب الصحراء، وعلى جانبيه صفوف من الأعمدة والأقواس ومعابد وثنية عديدة تحول أغلبها إلى كنائس قبل نهاية هذا القرن. وفي الجزء الشرقي من المدينة كانت المكتبة الشهيرة التي احتوت على سبعمائة ألف مخطوط، والمتحف الذي كان مقراً للمدرسة الفلسفية التي أنشأها بطليموس الأول سنة 323 ق.م.، والتي فيها ترجم العهد القديم إلى اليونانية في الترجمة المعروفة بالسبعينية.

ولكن هذه المدرسة لا تجذبنا الآن ونحن في العصر القبطي، بل نتجه إلى المدرسة المسيحية التي قيل إن مؤسسها هو القديس مرقس الرسول نفسه، والتي كان من أشهر مديريها في القرن الرابع القديس ديديموس الضرير الذي علم فيها بين عامي 340-390م. وقد جاء الكثيرون إلى الإسكندرية ليسمعوا تعاليمه أو لمجرد رؤيته. وكان من بين تلاميذه القديسين أمبروز وأوغسطينوس، اللذين نشراها في أوروبا كلها مأخوذة عن تعاليم ديديموس المصري…

وقد زاره القديس أنطونيوس الكبير ثلاث مرات وقال له: «لا تحزن من أجل فقد عيونك الجسدية، فهذه يملكها أيضاً الفئران والحشرات، ولكن ابتهج لأن لك عيوناً مثل التي ترى بها الملائكة، والتي بها ترى نور الله». كما زاره القديس بلاديوس وكتب عنه: «كان ديديموس يفسر كل كلمة في العهدين القديم والجديد تفسيراً دقيقاً صادقاً، وقد وعى صورة الإيمان الحقيقي المستقيم وعرف جميع الهرطقات، متفوقاً في علمه على الكثيرين…».

كنائس الإسكندرية وأديرة الراهبات

وبجانب المدرسة المسيحية ترى الكنائس المسيحية القديمة التي بنيت في هذا القرن، فتعرف كنائس بأسماء القديسين: يوحنا المعمدان، وإيليا النبي، وثيؤنا، والإسكندروس، والثلاث فتية القديسين. والكنيسة الأخيرة كانت قبلاً منزل القديس المصري الشهير أباكير.

وكان بالإسكندرية عدد من أديرة الراهبات. كانت هذه الأديرة تشارك في ميادين الخدمة الاجتماعية بجانب كونها مراكز تقوية يرى فيها كل من يزورها نور المسيحية، وتترك في حياته أثراً لا يمحى. وأشهر هذه الأديرة هو الدير الذي أنشأته في القرن الرابع القديسة سنكليتيكي في مجموعة من المقار المهجورة، حيث عاشت مع تلميذاتها بين الصلاة والصوم لا تأكل سوى خبز الردة وتنام على صخرة المقبرة الجرداء. لقد حفظ لنا القديس أثناسيوس الرسولي – الذي كتب لنا سيرة حياتها – تعاليمها التي جذبت إليها الكثيرات من شريفات الإسكندرية، فكن يذهبن لزيارتها بانتظام ثم يعدن إلى بيوتهن ليعشن كلية لله.

رهبان في المدينة الصاخبة

وكانت الإسكندرية لا تخلو من جموع الرهبان الذين كانوا يتركون البراري لزيارة المدينة لسبب أو لآخر. فكنت ترى فيها رهباناً يحملون علامات الأديرة المختلفة التي ينتمون إليها، وقد حضروا إلى المدينة لبيع عمل أيديهم أو شراء بعض لوازم الأديرة أو لشفاء مريض. كان هؤلاء الرهبان عظة صامتة وهم يسيرون في هذه المدينة الصاخبة دون أن ينظروا إلى شيء فيها، حتى أن القديس يوحنا القصير قال بعد زيارته الإسكندرية أنه لم ينظر فيها وجه إنسان سوى وجه الأب البطريرك. وكانت الأخلاق المسيحية الحقيقية تظهر في تصرفاتهم، كما يبدو من قصة الفتاة المجنونة التي لطمت أحد الرهبان على وجهه، ولكنه في بساطة حول لها خده الآخر تنفيذاً حرفياً لوصية الرب، فاستطاع بذلك أن يُخرج منها الشيطان.

زيارات آباء البرية الكبار

وقد زار الإسكندرية عدد من آباء البرية الكبار، منهم القديسان أنطونيوس ومكاريوس وأرسانيوس في مراحل مختلفة من حياتهم. ومن الجميل أن نذكر أن زيارة القديس مكاريوس الكبير كانت لإحضار خبز فطير لراهب مريض في البرية.

أما زيارة القديس أنطونيوس فقد تمت مرتين: الأولى أيام اضطهاد مكسيمينوس، ليشجع المعترفين والشهداء، والثانية بعد انتشار بدعة أريوس ليثبت المؤمنين. ويذكر القديس أثناسيوس عن هذه الزيارة:
«…وركض كل شعب المدينة ليرى أنطونيوس. وجاء إلى الكنيسة اليونانيون يدعون كمهنتهم قائلين: نطلب أن نرى رجل الله، لأنهم هكذا لقبوه جميعاً، لأنه في ذلك المكان أيضاً طهر الرب الكثيرين من الشياطين وشفى المجانين. وطلب كثيرون من اليونانيين أن يلمسوا الشيخ معتقدين أنهم سيستفيدون. ويتمنى أنه اعتنق المسيحية في تلك الأيام القليلة الكثيرون ممن كان يجوز أن يعتنقوها في سنة كاملة. وبعد ذلك إذ ظن أنه قد تعب من استقبال الجماهير، وعلى هذا الأساس صرفوهم عنه، قال دون أي اضطراب: إن عددهم ليس أكثر من عدد الشياطين الذين صارع معهم في الجبل.

وعندما كان منصرفاً وكنا نحن نعد له الطريق، ووصلنا إلى البوابة، صرخت امرأة من الخلف وقالت: انتظر يا رجل الله، فإن ابنتي معذبة جداً من شيطان. أتوسل إليك أن تنتظر لئلا أذى أنا نفسي من الركض. ولما سمعها الشيخ وسمع رجاءنا نحن أيضاً انتظر بكل ارتياح. وإذ اقتربت المرأة انطرحت الفتاة على الأرض، ولكن لما صلى أنطونيوس ودعا باسم المسيح، قامت الفتاة صحيحة إذ خرج منها الروح النجس. وباركت الأم الله وقدم الجميع الشكر. وفرح أيضاً أنطونيوس نفسه مرتحلاً إلى الجبل كأنه مرتحل إلى بيته ووطنه».

مستشفى الإسكندرية والقديس إيسوزورس

ولا يفوتنا قبل مغادرة الإسكندرية أن نلقي نظرة على مستشفى الإسكندرية الذي أنشأه القديس أثناسيوس الرسولي، وكان بجانبه دار للغرباء. وقد اختار لرعايته راهباً من برية شيهيت هو القديس إيسوزورس، الذي كتب عنه بلاديوس بعد زيارته له في الإسكندرية وهو في سن السبعين:
«التقيت في تلك المدينة برجل عجيب متحل بأبرع صفات الخطابة والعلم والمعيشة والمعاشرة، واسمه إيسوزورس. وكان كاهناً ومديراً لمستشفى وكنيسة الإسكندرية… وهذا القديس لم يلبس إلى آخر حياته رداء من التيل، ولم يضع على رأسه غطاء، ولم يغتسل، ولم يأكل لحماً، ولم يتناول طعاماً تاماً وهو جالس براحة. على ذلك فإن جسده كان بالنعمة الإلهية نيراً مضيئاً سليماً… ولو شرعت في ذكر الصفات العجيبة لمعيشته وأعماله وأردت أن أروي سمو روحه وأبين كل أمر يتعلق بها لأعوزني الوقت…».

ووصف بلاديوس تأملات هذا القديس العالية ودوام بكائه وإنكاره لذاته رغم شهرته الواسعة ومحبته العظيمة للفقراء. وحين أشرف على الموت وهو في المنفى، لم يترك لإخوته وأخواته إلا وصية واحدة: «إن من خلقكن كفيل بمعيشتكن وبكل ما تحتجن إليه، كما فعل معي».


المراجع:

  • أوسابيوس القيصري. تاريخ الكنيسة.
  • أثناسيوس الإسكندري. سيرة القديس أنطونيوس الكبير.
  • أثناسيوس الإسكندري. سيرة القديسة سنكليتيكي.
  • بلاديوس الهيلانوبوليسي. تاريخ اللوزياكي.
  • سوكراتيس السكولاستيكي. تاريخ الكنيسة.

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى