مباركة هي توبة نينوي 

 

تعتبر توبة أهل نينوى نموذجاً رائعاً لحياة التوبة الحقيقية، لا على مستوى الافراد فحسب بل على مستوى المدن والجماعات أيضاً. 

ونينوى هذه مدينة عظيمة وهى عاصمة مملكة أشور، وكان يبلغ محيطها ستين ميلاً تقريباً، وكان عدد سكانها كبيراً ، وثروتها غير محدودة، وعلى قدر عظمتها وتسلطها على رقعة كبيرة من الأرض، على قدر شرها وفسادها الذي قال عنه الكتاب: 

“قد صعد شرهم أمام الرب ” كما قال أيضاً إنهم كانوا يخطئون بيد رفيعة.

ونينوى هذه كانت مدينة أممية، أي لم تعرف يهوه، ولم يكن لها أنبياء ولا شريعة ولا ناموس. وانها كانت عاصمة دولة وثنية بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

ومع هذا كله كانت توبتها مذهلة ورائعة للغاية. عندما ذهب إليها يونان النبي مرسلاً من الله، كانت مهمته أن ينذر هذه المدينة بإنذار مخيف ” بعد أربعين يوماً تنقلب نينوى ” . 

فماذا كان موقف هذا الشعب الوثني الغارق في الشر والخطية؟! 

آمنوا بالله: 

يقول الكتاب ” فآمن أهل نينوى بالله ” عندما نقارن إيمان الأمميين هؤلاء، بقساوة قلب إسرائيل، تبدو واضحة نعمة الإيمان التي نالها هذا الشعب في توبته.

كان عند بني إسرائيل الأنبياء والناموس ووُجد بينهم من هو أعظم من يونان، وعمل المعجزات والآيات الكثيرة، ووعظ العظات الطويلة القصيرة. 

ومع هذا كله لم يؤمن بنو إسرائيل، بل إن هناك مناطق لم يستطع الرب يسوع أن يصنع فيها معجزة لعدم إيمانهم. 

وأهل نينوى عندما سمعوا الإنذار الإلهي من فم يونان آمنوا وصدقوا أنه يوجد إله واحد وأن هذا الإله الذي يتحدث عنه يونان قادر أن ينفذ أمره الإلهي وأنه يلزم طاعته،

نينوي و يونان
بواسطة غوستاف دوريه – Doré’s English Bible وملكية عامة وhttps://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=10703612

وأن طاعة هذا الإله قد تنجيهم من خطر محدق .. وإنذار خطير وصل إليهم. يا لعظمة الايمان في حياة الانسان، إنه يقدر أن يبرر الفاجر كما قال بولس الرسول ( رو 4: 4).

إيمان أهل نينوى يوضح كيف أن التوبة تحتاج في بدايتها إلى إيمان وثقة في مواعيد الله ووصاياه. ” طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية ” ( رو 4: 7،8) 

ولم يكن هذا الإيمان الجبار خاصاً بالشعب فقط، بل كان أيضاً للملك والحكام معه. إذ يقول الكتاب ” وبلغ الأمر ملك نينوى ، فقام عن كرسيه، وخلع رداءه عنه ” ( يون 3: 6). 

ما أبعد الفرق بين هيرودس وحنان ،وقيافا وبين ملك نينوى وحاشيته!.

هيرودس يسمع نبأ سعيداً فيغتاظ ويقتل الأطفال الأبرياء، ويعاونه في هذا كبار الحاشية ورجال الدين، وملك نينوى يسمع نبأ خطيراً فيتوب وينقذ نفسه وشعبه من هلاك محقق. 

2. نادوا بالصوم : 

والمدهش في هذا الموضوع ان الأصوام لم تكن معروفة عند الوثنيين. ولكن هذا الشعب برئاسة ملكه وحكامه نادى بصوم جماعي، لكل الناس بل والبهائم أيضاً.

فهو صوم نابع من إحساس عميق بالندم والتذلل إلى الله، طالباً لرحمته وبغية لرضاه. 

وهو صوم شديد قاس ” لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئاً ” بل ولا تشرب ماء. 

وهذا تعبير عن شدة الحزن والندم والرغبة في تعذيب الجسد والتخلي عن كل رفاهية وراحة لكى الرب الإله يتحنن ويشفق عليهم ويرحمهم ويغفر لهم خطاياهم.

وأيضاً لم يكن صومهم عملاً سلبياً وإنما جاء حركة روحية إيجابية إذ اقترن الصلاة والصراخ إلى الله بشدة ليصرخ إلى الله الرجال والنساء والأطفال، ولترتفع صرخات البهائم غير الناطقة حسب قدرتها، بسبب انعدام الطعام كأنها صاعدة إلى الله. 

إنه صوم متكامل شمل المظهر والجوهر، شمل الإنسان والحيوان، شمل الجسد والصلاة الحارة، شمل الكبار والصغار، شمل العامة والحكام والملك أيضاً. يحق لكنيستنا إذاً أن تضع صوماً مثل هذا أمامنا، قبل أن ندخل أعتاب الصوم الكبير ، لعلنا نتعلم من نينوى كيف نصوم صوماً روحانياً مقبولاً أمام الرب. 

3. مسوح وجلوس على الرماد 

هذا مظهر خارجي للتوبة والندم الشديد فلو لم يشعر الجميع شعوراً عميقاً بفداحة الخطيئة وخطرها ، ولو لم يندموا ندماً صادقاً وشديداً على ما فعلوه، لما لبسوا المسوح وما جلسوا على الرماد. 

إن الحركات الخارجية في حياة الإنسان تشرح الاتجاهات الباطنية، فالمسوح والرماد دلالات أكيدة على الاتضاع والمسكنة والحزن الداخلي الذي يملأ القلب. 

والله ينظر إلى الداخل، ويهمه القلب، ويسر بالمنسحقين الذين يتواضعون تحت يد الله القوية ( 1بط 5: 6) ويهمه تطهير الداخل من كل إثم. أما الدموع والصراخ والمسوح والرماد ، فهذه تغلب الله كثيراً ويندم على الذي تكلم أن يصنعه. أو كما يقول سفر نشيد الأناشيد ” حوّلي عني عينيك فإنهما قد غلبتاني ” ( نش 6: 5). 

ما أصدق أبناء الكنيسة عندما ينزعون عنهم كل زينة، ويكثرون من السجود والخشوع والمطانيات في الصوم الكبير، ويتقدمون لسر التوبة والاعتراف بالدموع ويرفضون وسائل الترفيه في بيوتهم ويؤثرون السجود على الأرض، طالبين مراحمه وعفوه وغفرانه. 

إن توبة نينوى خبرات روحية رائدة ومعلمة ومبكتة، وطوبى لمن يقرأ ويسمع ويتعظ. 

4. رجوع عن الطرق الرديئة: 

ليست التوبة هي الحزن من أجل الخطيئة. ولكن التوبة هي تغيير القلب والفكر واتجاه النفس الداخلي. 

فلا يكفي أن نصوم من أجل الخطيئة، بل عن الخطية. لا يكفي أن نعترف بخطايانا بل أن نرجع عنها ونجحدها ونتركها. 

التوبة هي الرجوع عن الخطيئة، وبدء حياة جديدة ليست حسب الجسد بل حسب الروح. 

يوحنا المعمدان كان ينادى الآتيين إليه أن يتوبوا ويرجعوا عن طرقهم الرديئة والأكمة أي “الكبرياء” تنخفض، والوديان أي ” صغر النفس” تمتلئ، والشعاب الملتوية أي “الخبث والمكر” تستقيم، حتى يبصر كل إنسان خلاص الله. 

وكان ينادى قائلاً : ” اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة “. 

وفى حياة كنيسة الرسل كانت التوبة واضحة المعالم، ففي كرازة بولس في أفسس 

أحضر السحرة كتب السحر الغالية وأحرقوها أمام بولس

وهكذا تكون المواقف الجديدة أصدق دلالة على حدوث التوبة وبرهان على قوة فاعليتها، مثلما حدث في حياة زكا وموسى الأسود ومريم المصرية وبائيسة … وكل التائبين والتائبات في تاريخ الكنيسة عبر كل العصور. 

5- رجاء في مراحم الله : 

لم يعتمد أهل نينوى على ما أظهره من توبة، لم يتكل هذا الشعب على بر ذاتي، رغم أن ما قدموه كان كافياً ومذهلاً ولكنهم كانوا يغيرون سلوكهم، ويندمون على خطاياهم، مترجين فقط أن يتحنن الله ويرجع عن حمو غضبه، ويكفي حُكْمه الذي صدر عليهم، وهم في ملء الانسحاق يشعرون أنهم يستحقونه ولكنهم ظلوا ملحين في طرق باب مراحمه ” والرحمة تفتخر على الحكم ، كما قال معلمنا يعقوب الرسول ( يع 2: 13).

ما أجمل هذا الرجاء من شعب وثنى لم يعرف الله ، وكل ما وصل إليه هو مجرد إنذار إلهى، وكم كان رجاؤهم مشجعاً لهم أن يقدموا الله توبة عجيبة وما أخطر الدينونة التي سندان بها نحن أولاد الله، عندما نفقد هذا الرجاء في حياتنا ونحيا تحت ضعفاتنا، وننظر إلى الأمور التي ترى، وننسى الأكليل الذي لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل !! لقد أبهجت توبة نينوى قلب الله ولما رأى أعمالهم إنهم رجعوا عن طرقهم الرديئة ندم ورفع غضبه عنهم.

والآن الله يدعونا إلى أن نسير على هذا الدرب فليعمل روح الله في قلوب الكثيرين. ولتكن أيام صوم نينوى نهضة روحية، وتوبة شاملة، وخلاصاً علانياً.

ولتسمح يارب أن تقبل أصومنا وصلواتنا وتوبتنا وتناولنا، كما قبلت أهل نينوى، لنكون أمامك في يوم مجيئك بلا لوم ولا اضطراب ولا سقوط في الدينونة. 

 

فريق موقع القديس مرقس

فريق الموقع هو مجموعة من الباحثين المهتمين بالمواضيع اللاهوتية والروحية والتاريخية التي تخص القارئ القبطي. جميع المواضيع تعتمد على مصادر مسيحية موثوقة، كما يتم ذكرها عند الحاجة اسفل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى