الزواج المثالي
جرت العادة عند الحديث عن الزواج أن يُوجَّه الكلام إلى كلٍّ على حِدة، أي إلى الرجل ثم إلى المرأة، لكننا هنا لن نُسدِيَ نصائح للمرأة وأُخرى للرجل حتى يكون زواجهما مباركًا ومُكرَّمًا من الله والناس، بل نوجِّه الكلام إلى «الإنسان» الذي بداخل كلٍّ منهما.
على هذا الإنسان أن يعيش كصورة خالقه، كما أراده الله ويُريده دائمًا: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» (تكوين 1: 26). هذا الإنسان مسؤول مسؤولية كاملة دون أن يَلقَى تَبِعَة ذلك على الآخر، أن يجعل من الزواج طريقًا لبنيان كيانه الإنساني، حتى «يَصِيرَ إلى قياس قامة ملء المسيح».
ركائز نجاح الزواج
وحتى ينجح الزواج في تحقيق ذلك، ينبغي أن يقوم على المحبة والتفاهم والتكافؤ.
1. المحبـة
يَخطِئُ الكثيرون عندما يُحمِّلون المحبةَ وحدها مسؤولية قيام زواج ناجح أو مثالي، فقد تتَّجه عواطف الإنسان اتِّجاهًا خاطئًا. لذلك من الضروري مراعاة توفُّر عناصر أُخرى تكون بمثابة مؤشِّر يَضمن سلامة اتجاه المحبة، وأهم هذه العناصر هي التفاهم والتكافؤ. فتوافُر هذين العنصرين يُميِّز الحبَّ عن الميل العاطفي أو الشهوة أو التملُّك أو النفعية.
صفات المحبـة
صفات المحبة العامة التي وضعها بولس الرسول في الأصحاح الثالث عشر من رسالته الأولى إلى كورنثوس، تَنطبِق بالأحرى على محبة الزوجين؛ لأنهما أقرب الناس بعضهما إلى بعض، ثم يتدرَّج الإنسان في تطبيق الوصية حتى يُحب جميع الناس بنفس هذه المحبة: «المحبة التي تتأنى وترفق، المحبة التي لا تحسد، المحبة التي لا تتفاخر ولا تنتفخ، ولا تقبح، ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتدّ، ولا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق، وتحتمل كل شيء، وتصدِّق كل شيء، وترجو كل شيء، وتصبر على كل شيء».
وهذا يعني أن يصبح الحب حقيقةً معاشةً تمسُّ كلَّ تصرُّفات الإنسان الظاهرة والخفية، فلا يكون حبُّنا بالكلام أو العاطفة بل بالعمل. هذه المحبة الغنية لا بُدَّ وأن يكون مصدرها شَبَعٌ داخلي من محبة الله، لتفيض على الآخرين.
ماذا يصنع هذا الحب؟
عندما تتلاشى الأنانية من الحب، ينمو هذا الحب بالإنسان في كل الاتجاهات: في مشاعره وعواطفه وفكره وإرادته، فَتصِير جميعها قوية ناضجة، أي تصير شخصية هذا الإنسان متكاملة وقادرة على اختبار إرادة الله فيها.
بهذا الحب يقبل الإنسانُ الآخرَ كما هو عليه، ولا يعني هذا عدم تغيير كلٍّ منهما إلى الأفضل أو توقُّفًا عن النمو، ولكن لا يكون التغيير بالفرض أو النقد كي يصير كلٌّ منهما نسخةً للآخر. لكن بالمحبَّة تتحوَّل الاختلافات إلى تكامل وتناغم معًا له جمال خاص، فلا يفقد الإنسان شخصيته في الغير. فالهدوء والصبر يُكْمِلان الحميّة والقوة، والحكمة تُكْمِل الغيرة المقدسة. هذا الحب يُعطي تحريرًا داخليًّا، فيعيش الإنسان حرًّا؛ لا تقدر الإمكانيات أو الظروف الخارجية أن توقِف تيار محبته، ولا الزمن يحطِّمه، ولا تصرُّفات الغير أن تُغلِق قلبه، ولا المقارنات تحكم عليه.
2. التفاهـم
هناك فرق بين التفاهم وبين «الافتتان» أو «الانسجام»، الذي هو انبهار بجوانب هامشية في حياة الفرد يشعر به أحدهما تجاه الآخر من لقاءات عابرة. قد تكون هذه الجوانب الهامشية هي جمال جسدي أو موهبة ممتازة أو لطف في التعامل؛ لأن هذا يمثل جانبًا واحدًا من الشخصية، ولا يمكن الاكتفاء به برجاء تغيير وتشكيل الجوانب الأُخرى فيما بعد.
أما التفاهم فهو اتفاقٌ على أساسيات الحياة من مبادئ، وأهداف، وأسس تربية الأطفال فيما بعد، وتحديد الأدوار والمسؤوليات.
التفاهم هو وجود لغة حوار مشتركة لا تنقطع بين الطرفين، ولا تتصادم أو تَنهار إذا حدث اختلاف، بل تعمل على إزالة أسباب هذا الاختلاف.
يَنبُع هذا التفاهم من الصراحة والوضوح وعدم التصنُّع، وعدم الظهور بشخصية مثالية غير حقيقية؛ لأن ما يريد الشخص أن يكونه يختلف عمَّا هو عليه فعلاً.
3. التكافـؤ (في الثقة بالنفس واحترام كلٍّ منهما للآخر)
ولا نعني بهذا التطابق في الصفات أو أن يكون كلا منهما نسخة للآخر. فالتكافؤ لا يعني التطابق أو التشابه.
بل قد يتميَّز كلٌّ منهما بقدرات أو مواهب مختلفة عن الآخر، سواء كانت هذه القدرات حسية (مثل القدرة أو الموهبة الفنية أو الموسيقية أو غيرها) أو قدرات معنوية أو روحية (مثل القدرة على العطاء والقدرة على التسامح وغيرها).
لكن لا بُدَّ أن يكون كلاهما مُمتلئًا من الداخل، لا يشعر أحدهما بالنقص والآخر بالقوة، فيصير الزواج علاقة تسلُّط تسير في اتجاه واحد. قد لا تتشابه أو تتساوى القدرات، ولكن التكافؤ في ثقة كلٍّ منهما بنفسه وبالآخر يتغلَّب ويَقضِي على أي تفاوت.
وكلما تقارَب الوسط الاجتماعي لكلٍّ منهما، كلما تقارَب تفكير كلٍّ منهما للآخر، وزاد احترام كلٍّ منهما للآخر؛ لأن الوسط أو البيئة الاجتماعية من العوامل الهامة التي تشكِّل تفكير الإنسان وقيمه.
نمو الزواج وتكميله
وبعد أن يقوم الزواج على الحب والتفاهم والتكافؤ، يحتاج إلى «طعام البالغين (لا لبن الأطفال بعد)»، لأنكم: «وأنتم متأصِّلون ومتأسِّسون في المحبة، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو، وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله» (أفسس 3: 18). لأن من ابتدأ بالروح لا يُكمِل بالجسد، بل يُكمِل بالروح أيضًا. وحتى يُكمِل الحبُّ، لا بُدَّ أن يُضحي وأن يتحمَّل الآلام.
1. التضحيـة
قد يعتقد البعض أن التضحية هي تقديم المعونة بما يحتاجه الآخرون، لكن هذه لا تتجاوز المساعدة أو العطاء. أما التضحية، فيقول عنها الآباء: «إنها التنازل أو التضحية بما تحتاجه أنت أكثر، وتقديمه للآخرين». هكذا ضحَّى إبراهيم بابنه إسحاق، بالرغم من أن حاجة إبراهيم لابنه كانت أكثر من حاجة الله لإسحاق كذبيحة.
أولى تضحيات الزواج: تتمثَّل في التضحية بالأحلام الخيالية عن الزواج المثالي. ولا يعني هذا الإحباط أو الشعور بأن الزواج جنة مفقودة (كما يقولون)، لكنه الإحساس بالواقع، واقع الحياة على الأرض. لا توجد سعادة مستمرة أو دائمة. فالزواج المثالي ليس هو الذي بلا خلافات أو آلام، لكنه هو الذي يتغلَّب على الألم وينهض بعد كل مشكلة تواجهه أقوى وأقدر وأكثر تصميماً على تحقيق السعادة فيما بعد بلا يأس.
ثم تأتي التضحية برغبة الامتلاك (أو حب الممتلكات): ابتداءً من رغبة كل شخص في امتلاك الآخر (مهما كان احتياج كل منهما للآخر)، ثم تدرُّجًا إلى كافة احتياجات الفرد المادية والكمالية. هذا التدرُّج في التضحية، بالرغم من بطء نتائجه، إلا أنه يُحقِّق تنقية عميقة للنفس من الداخل، ويُحرِّرها من قيود الامتلاك، بما هو أغنى وأقدر على الإشباع من الماديات.
2. تحمُّل الآلام
آلام التخلِّي
الزواج هو تخلٍّ (إخلاء) الإنسان عن الفردية أو الذاتية التي كان يحيا بها قبل الزواج، والانخراط (الانضمام) في حياة جماعية. يتخلَّى الإنسان عن مزاجه الفردي أو الشخصي في سبيل تحقيق وتوفير المزاج الجماعي المشترك الذي يحقِّق وحدة الأسرة، فلا يعيش كل فرد فيها في عزلة عن الآخرين. ولكن لا يعني هذا إلغاء شخصية كل فرد نهائيًّا، بل هناك هامش فردي يتحرَّك فيه كل فرد، أما المركز فهو للجماعة. وهذا عكس ما كان يحدث قبل الزواج تمامًا، فقد كان الاهتمام الشخصي هو مركز حياة الفرد، وهامش حياته لمتطلبات الجماعة.
آلام النمو
والنمو لا يتمُّ بدون تخطِّي عقبات وتجاوز مشاكل، بما يصاحب ذلك من آلام. ونمو شخصية كلٍّ منهما يتمُّ من خلال خبرات وتجارب جديدة، سواء عملية أو اجتماعية (كتغيُّر مكان الإقامة)، وتجارب الأسرة ذاتها من حيث مشاكل مادية أو تربوية، وتجارب روحية مشتركة ومختلفة عمَّا سبق. فكل فرد لم يعد مسؤولاً عن نفسه فقط، بل عن أسرة هو أحد أفرادها.
كل هذه الآلام، بعد مرورها، تترك أثرًا حلوًا في النفس، هو تذوُّق النضوج والنمو، وهذا عكس فرح العالم الذى غالبا تكون طعم آثاره مرة.
واذا عاش الانسان محصورا في محبة المسيح مفضلا اياها عن كافة مباهج العالم ، فسوف ينظر الى هذه الآلام على انها خفة ضيق وقتية تنشىء لنا حياة ابدية ، لاننا بالايمان نسلك لا بالعيان. لذلك فان اقتناع الانسان بجدوى هذه الآلام وضرورتها يساعده كثيرا في تحمل الآلام . كما أن عدم المبالغة في الشعور بالألم وتضخيمه وعدم الشكوى تساعد على تحمله.
وأخيرا أيها الأخوة : – افرحوا بمحبة المسيح ، أكملوا بالتجارب والجهاد الروحى ، تعزوا بالرجاء في الأبدية اهتموا اهتماما واحد لتمجيد الله في حياتكم، عيشوا بالسلام مع الجميع.
هكذا، يصير الزواج رحلة تنقية لأعماق النفس وبنيان للكيان الانساني ، حسب ما يريده الله لنا.