أشواك وورود في حياة بطرس الرسول
شخصية بطرس: بين الحماس والضَعف
كان لبطرس شخصية متميزة، وطبيعة بركانية متفجرة. فهو يمثل الضوء والظلال، والمزاج الحاد المتحمس؛ بمعنى أن العنف والمتناقضات الكثيرة كانت واضحة في شخصيته. كانت له رؤية واضحة جدًا للإيمان، وفي نفس الوقت كان يتذكر خطاياه التي بقيت في أعماقه. يوماً يعترف بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحي، وفي اليوم التالي ينكره.
كان قلبه هو المتحكم في عقله، فكان يعمل ثم يفكر. فهو صاحب القلب الحار الذي لا يملك إلا أن يُظهر عواطفه. فكان بطرس يبالغ في تقدير ذاته، فيتقدم حيث يجب أن يتراجع، ويعطي وعودًا عظيمة لا يستطيع الوفاء بها. وكان كثير السؤال، يفصح عن كل ما يجيش في نفسه وفي نفوس بقية التلاميذ، يسأل عن كل ما يدور في عقله وعقولهم، لا يملكون الجرأة على التعبير عنه.
سأل بطرس السيد المسيح: «لمن يقول الأمثال؟» (لو 12:41)، وسأله أيضًا عن مدى التسامح (مت 18:21). وكان السيد المسيح بدوره يسأل بطرس، فسأله عن حقوق الأحرار وواجبات العبيد (مت 17:24)، وعن اعتقاده وإيمانه بالمسيح (مت 16:16).
الأخطاء كأشواك الورود
كانت لبطرس أخطاؤه، ولكنها كانت كأشواك الورود. وبالرغم من السحب والكسوف التي كست حياته أحيانًا، فإننا جميعًا نحبه. فلم تكن تنقصه حرارة العواطف وكريم الطباع. كانت كل أخطائه ناتجة عن حرارة قلبه الذي كان لسانه دائمًا. وكان نتيجة هذه الحرارة شديد الحساسية للخطية، وهو التلميذ الوحيد من الرسل الذي بكى عندما نظر إليه يسوع. فإذن الورود مليئة بالأشواك، والسحب والكسوف يحجبان الشمس والقمر معًا، والآفات الكريهة تعيش في أرق البراعم. وكل إنسان له أخطاؤه وخطاياه. فقل عن بطرس ما شئت، ولكن ليس هناك أسوأ من القلب البارد.
المراحل الثلاث وتطور الشخصية
تميزت حياة بطرس بثلاث مراحل تحت ثلاثة أسماء: سمعان، سمعان بطرس، بطرس. وخلال هذه المراحل الثلاث، استخرج السيد المسيح من مزاج بطرس المتقلب، المبادئ الأساسية الثابتة في حياته، بعد دروس عديدة على يدي معلمه الأمين.
ومن هذه الدروس:
1. كبح جماحه
ربما يكون بطرس قد اكتسب الطبع الحاد عن عمله كصياد على السفينة، أو من والده، بحيث أصبح من الصعب عليه عندما شب أن يتحكم في قلبه. وعندما ابتدأ يسوع درسه الأول هذا مع بطرس، تمكن من امتلاك قلبه والسيطرة عليه، لكن دون صرامة أو بُغض، حتى أصبح حبه أعمق وأنقى. وبتعليم السيد المسيح لبطرس، عرف بطرس كيف يحكم على دوافعه بالعدل ويصحح أعماله بحساب حكيم. ولكي يتم هذا الدرس على أكمل وجه – ولأنه كان أصعب درس – كان لزامًا على بطرس أن يتعلم عدة دروس أخرى أهمها:
2. الاتضاع
في كلام بطرس، ظهرت «الأنا» كثيرًا، فكان عليه أن يتعلم «لا أنا بل المسيح». لقد قادته الثقة بالنفس الزائدة إلى أن يعجز عن رؤية ضعفه الشخصي. فقاده السيد المسيح – من خلال إنكار بطرس إياه – إلى رؤية حجمه الحقيقي، فعرف أنه حينما هو ضعيف، فحينئذ هو قوي بالمسيح يسوع الذي يقويه.
لقد علمه السيد المسيح إنكار الذات، مبتدئًا بنفسه عندما ضحى بحياته من أجلنا. فمرت حياة بطرس بسلسلة من التطورات حتى أدرك وآمن واختبر وكتب قائلًا: «كذلك أيها الأحداث اخضعوا للشيوخ، وكونوا جميعًا خاضعين بعضكم لبعض، وتسربلوا بالتواضع؛ لأن الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة. فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه» (1 بط 5: 5-6).
3. الرحمة والتضحية
وعلى الاتضاع أن يقترن بالرحمة والتضحية. فعندما سأل بطرس السيد المسيح عن الحدود التي يلتزم بها في معاملته لأخيه، وإلى أي حد يسامحه، رفض السيد المسيح أن يصنع حدودًا للرحمة، بل أوضح أنه كما يغفر لنا السيد المسيح، هكذا علينا أن نغفر للجميع.
ماذا عن الخطايا التي يغفرها الرب لنا؟ إنه «كبُعد المشرق عن المغرب، أبعد عنا معاصينا». وقد احتمل السيد المسيح في سبيل هذا الغفران كل خجل وعار وتضحية عبر الصليب. لهذا نصح السيد المسيح بطرس أن لا يَكِلَّ من التسامح. ولكي يتم هذا، لا يشغل قلبه شيء سوى الحب، مهما كلَّفه هذا من تضحية.
لهذا كان من الضروري أن يتعلم التلاميذ الاثنا عشر بصفة عامة، وبطرس بصفة خاصة، أنه لا يوجد طريق سهل يوصلنا للإكليل، وأنه لا إكليل بدون صليب. لذلك عندما استنكر بطرس مضيّ السيد المسيح في طريق الصليب، انتهره يسوع قائلًا: «اذهب عني يا شيطان!» (متى 16:22). ولم يقصد يسوع بذلك أن بطرس شيطان، بل انتهر استخدام الشيطان لانسياق بطرس لقول هذا الكلام؛ ليعرفه أنه لكي يخدم، لابد أن يضحي، وأن يهتم بما لله وليس بما للناس.
لذلك أعطاه السيد المسيح درسًا آخر يوضح مفهوم المجتمع الجديد والملكوت الجديد الذي لا يأتي بالتسلط، فقاده إلى تفكير مفهوم أعلى وأسمى عندما قبل المسيح اليهود والأمم؛ لأن التمييز بينهما زال في المسيح، وأنَّ الله إله الأمم أيضًا وليس إله اليهود فقط، وهذه هي كنيسته كلها (مت 16: 13-20، أع 10).
4. الشجاعة الرسولية
ويبقى لبطرس درس آخر هو الشجاعة الرسولية، لكي يدافع عن كنيسة الله بحق. لقد كان بطرس يقول ما يعنيه، ويعني ما يقوله. ولكنه كان في نفس الوقت غير مدرك لضعفه الشخصي.
فعندما قال بطرس للسيد المسيح: «أنا مستعد أن أذهب معك ليس للسجن فقط بل للموت»، كان بطرس يعني هذا الكلام. ولكن شجاعته الفطرية هذه كانت ممتزجة بجسد (مادة خام) ناعم. وكانت هذه الطبيعة محتاجة للتعليم والتلمذة والتنقية بالنار والتقوية بروح أعلى من الثقة، وكما كانت في احتياج إلى التكريس لتكتسب الطبيعة الصخرية ليصير بطرس.
«أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة»: بين التفسير والتأويل
وبهذا نصل إلى كلمات السيد المسيح لبطرس في متى 16: 15-20 عندما سأل تلاميذه: «وأنتم من تقولون إني أنا؟» فأجاب سمعان بطرس وقال: «أنت هو المسيح ابن الله الحي». وأجابه يسوع: «وأنا أقول لك أيضًا: أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات…».
ماذا قصد السيد المسيح؟(والتي يتمسك بها الكاثوليك الرومان).
إن رمز كنيسة روما يكمن في أنها بُنيت فوق المكان الذي دُفن فيه بطرس الرسول فقط، ولا تعني أكثر من هذا. فلا تعني أنها كنيسة الله الوحيدة، أو صاحبة سلطان الحل والربط الوحيدة، أو ما إلى غير ذلك.
لأن الكتاب المقدس يوضح مفهوم كنيسة الله في مواضع أخرى كثيرة، وهي التي أساسها المسيح وحده، ولجميع الرسل سلطان الحل والربط فيها: «ولكن إن كنت أبطئ، فلكي تعلم كيف يجب أن تتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته» (1 تي 3:15). وكان هذا كلام بولس الرسول لتلميذه الأسقف تيموثاوس: «فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضِعَ، الذي هو يسوع المسيح» (1 كو 3:11). «فإذ علم بالنعمة المعطاة لي، يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة، أعطوني وبرنابا يمين الشركة، لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان» (غل 2:9).
فكلمة «صخرة» في اللغة العربية لها مقابلان في اللغة اليونانية: المقابل الأول (Petros) وقد استُخدِم في كلمة «بطرس»، وتعني المقتطعة من وجه الصخرة. والمقابل الآخر (Petra) ويعني الصخرة كلها.
وفي العهد القديم، تشير كلمة «صخرة» إلى الله نفسه، وقد استُخدمت أكثر من 40 مرة بهذا المدلول، ولم تشر إلى إنسان. لذلك فإن الكنيسة الحقيقية لم تُبنَ على بطرس، ولكن على الإيمان الذي أعلنه: «أنت هو المسيح ابن الله الحي».
إذن، بطرس هو الرسول الصخري، وليس هو الصخرة التي بُنيت عليها كنيسة الله؛ لأن المسيح هو رأس الزاوية الوحيد في الكنيسة، ولن تقوى على هذا الإيمان كل حروب العالم والخطايا.
5. مفاتيح الملكوت
أما استلام بطرس لمفاتيح الملكوت، فلا يعني أنه صاحب القوة أو السلطة الوحيد، ولكن وجه السيد المسيح هذه الكلمات لكل من يؤمن به ولتلاميذه. ولكن بطرس أول من استخدم هذه المفاتيح، ولكنه ليس الوحيد. فكيف؟
إن قيمة المفتاح في أن يغلق أو يفتح الباب. فإذا فُتِح الباب، لم يعد للمفتاح داعٍ، إلا إذا كان الباب سوف يُغلَق. وكان رمز المفتاح بالنسبة لبطرس في أنه سيفتح الباب (قبول المسيح) لليهود والسامريين والأمم ليخلص الجميع، ولن يغلق الباب أبدًا، بل يظل مفتوحًا إلى الأبد.
الخلاصة: من الضعف إلى القوة
وقبل أن يصعد السيد المسيح عن الأرض، تعلم بطرس درسًا آخر، وهو أن يرى ضعفه، وذلك عندما أنكر السيد المسيح ثلاث مرات. وبهذه الوصمة أدرك بطرس أنه ضعيف، فصار قويًا.
وقبل أن يصعد السيد المسيح، كان قد عالج بالحب (الدرس الأخير) ضعف بطرس وإنكاره ثلاث مرات، وفتح مجارٍ لدموع التوبة على خديه، بسؤاله ثلاث مرات: «يا سمعان بن يونا (الاسم القديم)، أتحبني؟ أتحبني أكثر من هؤلاء؟» وكانت هذه المقارنة في الحب لا تقتصر على المقارنة بين محبة الله ومحبة العالم (متمثلة في الشباك والسمك والمركب)، بل مقارنة بينه وبين بقية الرسل؛ ليؤكد على الثقة في الحب الذي لا يسقط أبدًا. ثم قال له: «يا بطرس (الإنسان الجديد)، ارْعَ غنمي». فأدرك بطرس عمله وخدمته الجديدة.
ومرت أيام عديدة، كتب بعدها بطرس: «إن المحبة تستر كثرة من الخطايا»، بعد أن حل الروح القدس عليه، فصار له اللسان الناري.