الانتصار على الموت
نور صباح الأحد
في الساعات الأولى لصباح صبوح، لأحد أيام شهر أبريل، اتسم بذلك النقاء العذري الذي يضفيه الربيع على سماء فلسطين، إذ يلوح من ناحية المشرق فوق أسطح منازل المدينة أفقٌ لؤلؤي اللون، بينما يترك الليل أثناء انسحابه ببطء ناحية المغرب خمائل بنفسجية وسنجابية على التلال، فتكون لوحة بديعة أطلق عليها البعض «الفجر ذو العيون السنجابية»، بينما أطلقت عليها شاعرية البعض الآخر «السحر ذو الأصابع الوردية». في ذلك الصباح اجتاز يسوع الموت بعد سلسلة من الآلام، ليظهر
لنا في نور صباح عيد القيامة. هذه الحقيقة أخذت أهميتها في المسيحية وتعاليمها منذ البدء، كما يتضح ذلك من رسائل القديس بولس.
يقول الفيلسوف رينان: «لا يدوم شيء مثل الحقيقة، وكل ما يخدمها يصير كرأس مال بسيط مكتسب لها، ولا يضيع شيء من هذا الكنز. هذا على عكس البهتان، إذ ينهار. إن البهتان لا أساس له، بينما صرح الحقيقة من الصلب وهو دائماً في ارتفاع وعلو». وإن صرح عقيدة القيامة، الذي قد يكون قد بدأ صغيراً ضعيفاً، ما زال مقاماً ثابتاً بعد نحو ألفي عام، وتقبله عقول الملايين من البشر رغم كل ما قيل ضده.
حقيقة تاريخية: قام من الأموات
إن جملة «وقام من الأموات» في قانون الإيمان، يجب أن تقبل كما هي بحروفها، ليس فقط من المؤمن، بل من المؤرخ أيضاً. لقد خرج يسوع من القبر ورآه كثيرون أربعين يوماً بعد ذلك. إنها حقيقة تاريخية في حياة يسوع، بل تستطيع أن نحدد تاريخها، إذ أنها حدثت في ثالث يوم موته.

وكانت الدروس الأخيرة التي أعطاها يسوع لأتباعه في هذه الحياة الثانية بعد القيامة، التي ثبت فيها إيمانهم، تهدف جميعاً لإعداد الكنيسة ولإعطائها التعليمات الأخيرة للقيام بمهمتها: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن. هذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر».
وهكذا بيَّن يسوع في وضوح حقوق وواجبات الكنيسة، وعاش تلاميذه طوال أربعين يوماً في جو تلك الحقيقة التي تفوق عقول البشر، فلا عجب إذا كان إيمانهم قد ازداد رسوخاً. وفي أحد الأيام، وعلى بعد قليل من المدينة المقدسة، وعلى جبل الزيتون حيث كانوا يتبعونه، وبينما هو يرفع يديه ليباركهم، إذ بهم يرونه وقد أخذ يرتفع في الجو إلى أن اختفى، تاركاً لهم المسرة.
حجر الزاوية في الإيمان المسيحي
بعد قيامة المسيح بنحو ثلاثين عاماً، يكتب بولس الرسول إلى أهل كورنثوس في رسالته الأولى فيقول: «إن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم». هذه الحقيقة هي حجر الزاوية في بناء الكنيسة. ففي قلب تعاليمها تبرز صورة المعلم المنتصر على الموت، التي ينبع منها الرجاء المسيحي، إذ «إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس». وإذا كان رسول الأمم قد شرح عقيدة القيامة شرحاً وافياً في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، فإن خطبة بطرس في سفر أعمال الرسل شاهد آخر على الأهمية العظيمة التي كان مسيحيو العصور الأولى يعلقونها عليها. وعندما انتخب متياس عوضاً عن يهوذا، إنما كان ذلك ليكون «شاهداً على القيامة». ويأتي بعد ذلك جميع آباء الكنيسة ليؤكدوا الأهمية الأساسية لعقيدة المسيح المقام من الأموات.
تغيير نظرة الإنسان للحياة
إن القيامة أسمى الوعود المسيحية، فالمسيح المقام من الأموات هو «باكورة الراقدين»، وكما نجا من القبر، كذلك يستطيع كل إنسان بعده أن يأمل أن ينجو منه. ولذلك يصيح القديس بولس: «هوذا سر أقوله لكم: لا نرقد كلنا، ولكننا كلنا نتغير، في لحظة في طرفة عين، عند البوق الأخير. فإنه سيُبوَّق فيقام الأموات عديمي فساد، ونحن نتغير».
ولكن القيامة أكثر من مجرد إعطاء الإنسان الموعود بالموت رجاءً علوياً، إنها غيرت نظرة الإنسان إلى الحياة. فبعد أن كانت الفلسفة القديمة تعلم بأن الجسد منفصل عن الروح وهو بمثابة السجن لها، أتت المسيحية على الضد من ذلك، تشرك الجسد في مجد الروح الأبدي، وتؤكد أن كلاً منهما يكمل الآخر، وأن الإنسان مكون من جسد وروح يرتبط كل منهما بالآخر بمسؤولية مشتركة. وفي ذلك يقول القديس بولس: «إن كان الأموات لا يقومون فلنأكل ونشرب، لأننا غداً نموت». أي أننا بما أنهم يقومون، فلنحترم في أنفسنا وفي غيرنا هذا الجسد الموعود بالمجد. فإذا كان يسوع قد صار «باكورة» الراقدين، فإنه أكد أيضاً الكرامة الآدمية.
انتصار على قوى الشر
«أين شوكتك يا موت، أين غلبتك يا هاوية؟» إنها ليست فقط صيحة الفرح التي يتردد صداها في العالم المسيحي على مر الأجيال، ولكنها أيضاً كلمة التعزية. ولكنه لا يقف عند ذلك، بل يضيف: «أما شوكة الموت فهي الخطية». وفي هذه الكلمات القليلة قيل كل شيء عن مصير الإنسان. إن يسوع عندما تغلب على الموت، تغلب أيضاً على قوى الشر.
ليست القيامة حادثاً تاريخياً فقط تم في مكان ما في وقت معين، واسكنها تفسير قصة الحياة الإنسانية.
المسيح الحي فينا
صعد يسوع إلى أبيه، ولن تراه بعد عيون الناس. وبقيت رسالته التي أخذ تلاميذه على عاتقهم نشرها كما أوصاهم. وكعبة المثل الإنجيلي، فإن كلمته نمت في جميع بلاد الإمبراطورية وأنتجت حصاداً وفيراً. وإذا بعقيدة المهزوم تغزو العالم في أقل من ثلاثمائة عام، وهي أعجوبة أخرى أدهشت التاريخ.
والسؤال: هل ترك لنا يسوع رسالته فقط عندما صعد إلى السماء؟ إن الإنسان إذا مات لا يخلف سوى الذكرى أو بضع كلمات مكتوبة أو منقولة، وأما العبقريات العظيمة ورجال الفكر الذين يبدون لنا خلال ما تركوا من أعمال أو مذاهب، فهم يبدون لنا بعد وفاتهم وقد انكمشوا إلى صور أثرية، لا أكثر. ولكن الذي تخلف لنا عن الإله الحي هو شيء أكثر من مجرد تعاليم، إنه وجود دائم له. إن المسيحية كإيمان هي شيء يختلف كلياً عن اتباع مذهب فلسفي، إذ أن مشاركة يسوع تقتضي منا أن نجعله أنموذجاً يجب أن نتحقق دائماً من وجوده فينا، وما يسميه المسيحيون «نعمة» ما هو في الحقيقة إلا الإله الإنسان الحي الموجود في كل منا.
لقاء في طريق عمواس
فما يقصه الإنجيل عن حياة يسوع بعد القيامة حادث بسيط، ولكن ينبع منه غنى روحي عجيب، يقصه علينا القديس لوقا ويؤكده القديس مرقس، وهو ظهور المسيح لاثنين من التلاميذ في طريق عمواس. كانا رجلين عاديين لا ميزة خاصة لهما، وكانا من أوائل أعضاء الكنيسة، ويبدو أن هذه البساطة كانت سبب ظهور المسيح لهما، إذ كانا يمثلان الفرد العادي في القطيع المسيحي. كانا يحبان يسوع من كل قلبيهما، رغم عدم إحاطتهما إحاطة تامة برسالته التي كانت حديثة العهد بالنسبة لهما. وكل ما نعرفه عنهما أن أحدهما يسمى كليوباس. كانا يسيران حزينين بعد أن حضرا قصة آلام المخلص، قاصدين بلدتهما ليستأنفا عملهما اليومي بعد أن انتهى ذلك الحادث العظيم الذي تركا لأجله حياتهما العادية ومتاعهما فوق نفسيهما.
ونقرأ قصة الظهور الإلهي في الأصحاح الرابع والعشرين للقديس لوقا، ويختمها بما يأتي: «ثم اقتربوا إلى القرية التي كانا منطلقين إليها، وهو تظاهر كأنه منطلق إلى مكان أبعد. فألزماه قائلين: امكث معنا، لأنه نحو المساء وقد مال النهار. فدخل ليمكث معهما. فلما اتكأ معهما أخذ خبزاً وبارك وكسر وناولهما. فانفتحت أعينهما وعرفاه، ثم اختفى عنهما. فقال بعضهما للبعض: ألم يكن قلبنا ملتهباً فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟ فقاما في تلك الساعة ورجعا إلى أورشليم، ووجدا الأحد عشر مجتمعين هم ومن معهم، يقولون: إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان. وأما هما فكانا يخبران بما حدث في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز».
الالتهاب في القلب: الوجود الحي
وفي هذا المنظر الأخير – منظر يسوع وهو يكسر الخبز – نود أن نترك صورة يسوع. ولقد خلدها الرسام العالمي الذائع الصيت رامبرانت في لوحة له في متحف اللوفر بباريس، بيَّن فيها السيد له المجد وقد شع منه نور، وفي وسط المائدة قطعة الخبز التي ستصير سراً من أسرار الكنيسة. ويسوع يصلي، والرجلان يظهران ذلك الخشوع الذي يتميز به المؤمن عندما يتفتح قلبه. إنها تنطق بحقيقة «أن قلبهما ما كان يلتهب فيهما إذ كان يكلمهما ويوضح لهما الكتب».
هذا «الالتهاب في القلب»، ماذا يعني سوى «الوجود الحي»؟ إنه الدافع الذي دفع الشهداء للتضحية بحياتهم في الجسد في سبيل حياة أخرى أفضل، وكان غذاء النساك في عبادتهم التي سمت إلى مرتبة البطولة، وفي قصصهم الصامتة. إنه الحالة التي يصير عليها أبسط المؤمنين عندما يتناول «الخبز»، فإذا به يشعر بأن قلبه قد ازداد قوة وكرماً والتهاباً. إن المؤمنين بيسوع استعملوا تعابير كثيرة على مر الأجيال ليترجموا عن ذلك «الوجود الحي» الذي يشعرون به، ولكنهم أكدوه جميعاً، ورددوا صدى صيحة القديس بولس: «لست أنا، ولكن المسيح الذي يحيا في».
ختام: الوعد الأبدي
إنها الحقيقة، أن يسوع كائن حي يشعر به المؤمنون موجوداً في أعماق نفوسهم، وأن رسالته التي لم يحل دون إتمامها صلبه وموته ما زالت مستمرة في قلوبهم.
عندما حان وقت الحوادث التي فرقت بين يسوع وأتباعه، نطق بهذه الكلمات التي ختم بها القديس متى إنجيله: «ها أنا معكم إلى انقضاء الدهر». لقد أعدهم في مدة نحو ثلاثين شهراً أثناء رسالته على الأرض، انتقاهم وكونهم ونظمهم، ووقع على عاتقهم أن يشهدوا في العالم النور الذي رأوه وحل عليهم، ولقد قاموا بمهمتهم خير قيام. وبعد ذلك امتد تاريخ الإله الحي وتداخل في تاريخ «جسده الروحي» الذي يهبه الحياة «بوجوده الحي»، امتد في تلك الحقيقة العظيمة المحفورة في قلب الأجيال: كنيسة يسوع المسيح.