الصوم
«في تعب وكد، في أسهار مراراً كثيرة، في جوع وعطش، في أصوام مراراً كثيرة، في برد وعري، عدا ما هو دون ذلك..» (2 كورنثوس 11: 27-28).
الموازنة بين مطالب الروح والجسد
الحكيم الحق هو الذي يعرف كيف يوازن، موازنة عادلة، موازنة سليمة، بين ما تطلبه الروح في كيانها ووجودها وصفاتها، وما يتطلبه الجسد في كيانه وفي صفاته. الإنسان الحكيم هو الذي يوازن بين الاثنين من غير تطرف، ومن غير أن يتدمر أحد العنصرين على حساب الآخر، ومن غير أن يهتم متطرفاً بناحية على حساب الأخرى.
هذا التفكير المتزن، أو هذه الحياة المتزنة، التي تجمع بين الروح والجسد جمعاً عادلاً، جمعاً منصفاً، ولا تتجاهل أن الروح عطية من الله، وأن الجسد أيضاً عطية من الله، هذا الإنسان بهذا الاعتدال، وبهذه الحياة المنصفة المعتدلة، يمكنه أن يسير سيراً حكماً في قيادة حياته الحاضرة، وفي قيادة الحياة القادمة أيضاً.
والغلطة الكبرى التي نقع فيها كبشر هي التطرف، هي المغالاة، هي أننا نجري وراء عامل واحد، ونغفل حساب العامل الآخر. الحيوان ليس عنده تطرف، الحيوان تحكمه الغريزة، ولهذا مثلاً عندما يأكل الحيوان يأكل بالقدر الذي يحتاج إليه الجسد، وبعد هذا نرى الحيوان يكف عن الأكل، ولو أنك ضربته فإنه لا يأكل. وكذلك يأخذ من الماء بالقدر الذي يحتاجه، ولو أنك ضربته ليشرب ثانية لا يمكن أن يشرب.
لكن الإنسان يعكس هذا، الإنسان يمكن أن يأكل أكثر مما يحتاج إليه الجسد، ويشرب أكثر مما يحتاج إليه الجسد. السبب في هذا أن الإنسان عنده عقل، وعن طريق العقل يأخذ الإنسان خبرة معينة، ويحصل على لذة فكرية. فمثلاً إذا أكل، وشعر بلذة في الطعام، ينسى نفسه فلا يقنع بما يكفيه، وبالضرورات الأساسية، ولذلك يغالي ويتطرف تحت فكرة اللذة، وفكرة التنعم، وفكرة السرور، وفكرة الشهوة، لأن الشهوة مصاحبة للفكرة وللعقل.
ولهذا قد ينزل الإنسان إلى مستوى الوحش، وأحط من مستوى الحيوان، لأن الحيوان تحكمه الغريزة، وليس عنده عقل يجعله يمتد بالخبرات وبالأفكار إلى اللذة العقلية أو إلى اللذة الجسدية امتداداً كما يمتد فكر الإنسان فيها. لذا فالإنسان عن طريق الفكر والعقل يقع في خطأ المغالاة. والإنسان يقع في خطأ التطرف والاهتمام بعامل واحد على حساب العامل الآخر، وليس الأمر كذلك في الحيوان. إذن من هنا نفهم أن الروح تساهم مع الجسد في الانحطاط.
سبب الخطيئة هو الفكر والعقل
بهذا نجيب على سؤال يقدم إلينا عادة: الروح من الله، فهل الروح تخطئ؟ نقول: إننا عادة نسب الخطأ والخطيئة إلى الجسد، وهذا غير صحيح. لأن الجسد كجسد تحكمه الغريزة فلا يخطئ، والحيوان لا يخطئ. أما الخطأ في الإنسان، فالخطأ إذن مرجعه إلى دخول الفكر، لأن هذا الفكر بالتأمل في اللذة والخبرة في الشهوة – هو الذي يجعل الإنسان يمتد في شهوات الأرض الترابية. إذن ليس الجسد هو سبب الخطيئة، وإنما سبب الخطيئة في الإنسان هو الفكر والعقل، مع العلم أن العقل من الله، ولكنه بمصاحبته للجسد يتشبع بالجسديات ويميل إليها، وينزل مع الجسد بأكثر مما يتطلب الجسد نفسه. فسر الخطيئة إذن يرجع إلى الفكر وإلى العقل، ولا يرجع إلى الجسد. ولذلك فإن الإنسان يتدنس بالروح قبل أن يتدنس بالجسد.
ومن أجل هذا فالمسيحية في صميمها تقول أن الإنسان لكي يتخلص من الخطيئة لا يقلع عينه أو يقطع يده أو يقطع رجله أو يقطع أي عضو من أعضائه. إنما الانتصار الحقيقي هو انتصار الفكر وانتصار الإرادة. والإنسان يمكنه أن يمنع عينه من النظر من دون أن يقلعها، ويمكنه أن يقطع يده عن الخطيئة دون أن يجرحها أو يقطعها بأي آلة، إنما يمكنه أن يقطعها عن الفعل بطريقة إرادية، أي يتحكم بالإرادة.
الصوم وسيطرة الروح على الجسد
أول وسيلة من وسائل السيطرة، سيطرة النفس على الجسد، هي الصوم. لماذا؟ لأنه يكون أمامك طعام وتمنع نفسك عنه بإرادتك وباختيارك. قدامك الطعام وليس هناك ما يمنعك، إنما بإرادتك و باختيارك وبناء على اقتناع، أنت تمتنع عن الطعام. فإذن الصوم يحقق قوة الإرادة، ويحقق سيطرة العقل والروح على الجسد. الصوم شكيمة في يد العقل والروح، ولجام يربط به الإنسان نفسه عن شهواتها. وهو درس وأعظم درس لتقوية الإرادة، هو شبيه بالرياضة الجسدية وأثرها في تقوية البدن.
الصوم يقوي الإرادة الباطنية ويقوي السيطرة على الذات – وكلنا يعرف أن الصائمين أقدر من غيرهم على الامتناع عن بعض أنواع الطعام عندما تكون صحته تتطلب أن يمتنع عن نوع معين من الطعام، أو عندما يأمره الطبيب بأن لا يأكل مأكولات معينة تضر صحته. أما الإنسان الذي لم يتعود الصوم فيعجز عن تنفيذ تعليمات الطبيب ويقول: «العمر واحد، والرب واحد»، كما لو كان شديداً، مع أن نفسه في الواقع ضعيفة الإرادة وغير قادرة أن تمتنع عن هذا اللون من الطعام. لكن الشخص الذي يصوم والمتدرب على الصوم تجده يمتنع بسهولة وبدون مقاومة كبيرة عما يضره، لماذا؟ لأنه مدرب ولأنه قادر على أن يشكم إرادته ويمنع نفسه عن هذا اللون أو ذاك من ألوان الطعام.
وقل مثل ذلك عن المكيفات الضارة مثل التدخين والخمر وسائر المكيفات وكل العادات الرديئة. فالإنسان الذي اختبر الصوم يكون أقدر على التخلص من التدخين ومن الخمر ومن سائر المكيفات الضارة، ومن كل عادة من العادات الرديئة التي يلزم للإنسان أن يتخلص منها. الإنسان الصائم يكون أقدر على البلوغ إلى هذا المستوى الرفيع، إلى السيطرة على كل عادة من العادات، وأن تُحرر إرادته من كل شيء يعوق تقدمه الروحي.
فالصوم عن الطعام هو الجولة الأولى التي إذا انتصر فيها الإنسان ينتصر في سائر الجولات. لأن الإنسان في حياته تعترضه صعوبات كثيرة في حياته الروحية وفي حياته المادية وفي حياته العقلية أو الذهنية. والإنسان قوي الإرادة يمكنه أن يتغلب على هذه الصعوبات. والصوم، لأنه يقوي الإرادة، يساعد الإنسان على تكوين فضيلة السيطرة وفضيلة قوة الإرادة وفضيلة الصمود أمام العقبات أو أمام أي رغبة من الرغبات.
الصوم وبلوغ الأهداف العالية
نحن نحتاج لقوة الإرادة في ميدانين: أولاً، ميدان تذليل العقبات والصعوبات التي تعترض طريق الإنسان. وثانياً: نحتاج لقوة الإرادة في سبيل الوصول إلى المطامح العالية والأهداف السامية. إذا كان إنسان غير قانع بالمستوى الذي هو فيه، سواء من الناحية الروحية، أو من الناحية العلمية، أو من أي ناحية من النواحي، وتكون أمامه أهداف كبيرة، وهذه الأهداف الكبيرة يحتاج تحقيقها إلى صبر وإلى جهاد، فالإنسان الصائم يكون أقدر من غيره على هذا النوع من الصمود أمام العقبات.

وأيضاً على الصمود في سبيل الوصول إلى الأهداف العالية وإلى الأغراض السامية وإلى تحقيق الحياة الأسمى التي يريدها الإنسان. وبهذا يصير الإنسان مالكاً لزمام نفسه ومسيطراً على ذاته. ولكن عندما تسيطر عليه ذاته يصير هو عبداً لرغباته، أو يقول: «أنا أريد لكني لست قادراً». أما في حياة الصائمين فليس هناك شيء اسمه «المستحيل»، لأن الصائم أمكنه أن يسيطر على ذاته.
إن غريزة الحياة الأولى، كما يقول علم النفس، هي أعظم جميع الغرائز. وغريزة الحياة الأولى هي غريزة الطعام، ويسمونها بغريزة الحياة الأولى. لأنه بتجارب كثيرة ودراسات شاملة على الحيوان والإنسان، تبين أن غريزة الطعام هي أعظم من سائر الغرائز أثراً على حياة الإنسان. فغريزة الطعام أقوى من غريزة الأبوة والأمومة، وغريزة الطعام أقوى من الغريزة الجنسية، وأقوى من غريزة الغضب والمقاتلة والتملك. وقد عملوا تجارب كثيرة وأمكن فعلاً أن يحققوا هذا. ولذلك نجد الأم، وهي المثل الأعلى بين البشر في محبة أولادها، لدرجة أن ربنا عندما أراد أن يشبه محبته لنا شبهها بمحبة الأم. نقول أن الأم وهي المثل الأعلى في الحب، في حالات الجوع الشديد يمكن أن تقتل ابنها وتأكله. وقد حدث هذا بالفعل في جميع الشعوب، في لحظات الجوع الشديد أمكن أن تجد أمثلة لأمهات قتلن أولادهن وأكلن أولادهن. وهذا ما يقوله إرميا النبي في نبوءته: «أيادي النساء الرحيمات طبخت أولادهن» (سفر المراثي 4: 10).
بالصوم نسيطر على كل الغرائز
فغريزة الطعام هي غريزة الحياة رقم واحد. إذن إذا كان الصوم هو الفضيلة التي بها يسيطر الإنسان على غريزة الحياة الأولى وهي غريزة الطعام، فمعنى ذلك أن الصوم هو الفضيلة التي تكفل للإنسان أن يسيطر على سائر الغرائز الأخرى. ومن هنا فإن فضيلة العفة نابعة من فضيلة الصوم. وهناك علاقة مستمرة بين الطعام والنهم الجنسي، فمن يسيطر على غريزة الطعام يمكنه أن يسيطر على شهوة الجنس، وعلى الغضب، وعلى التملك والأنانية، وعلى سائر الغرائز الأخرى التي تعيق التقدم في الحياة الروحية. إذن غريزة الطعام يسيطر عليها الصوم، والصوم يعد انتصاراً للإنسان وانتصاراً للإرادة البشرية على سائر الصعوبات التي تعترض طريق الإنسان في الحياة الروحية أو العقلية. ذلك هو الهدف الكبير من الصوم.
الصوم يحقق صفاء النفس وانطلاق الروح
هناك هدف آخر، ليس الآن مجال التكلم عنه بالتفصيل، وهو تحقيق الصفاء النفسي والانطلاق للروح، ودخول الإنسان روحياً في علاقات تقدمية في عالم الأرواح، وفي المشابهة بين الإنسان وبين الله. ولذلك نجد أن بعض القديسين أمكنهم عن طريق الصوم أن يتحقق لهم صفاء روحاني عجيب، وأن يدخلوا في علاقات مباشرة مع العالم العلوي، وأن يدخلوا في مرحلة الكشوف الروحية والانكشاف على العالم العقلي والعالم الروحاني والعالم السماوي. وهذه المكاشف تؤيدها خبرات كبار القديسين الذين دخلوا في المناظر الروحانية.
يقول مار بولس الرسول: «أُني إلى مناظر الرب وإعلاناته» (2 كورنثوس 12: 1). ويوحنا الرائي يقول: «وكنت في الروح في يوم الرب» (الرؤيا 1: 10). فهذه الرؤية العظيمة التي نقرأها في هذا السفر الكبير، وهو آخر أسفار الكتاب المقدس، لم تكن تتحقق لإنسان جسدانى أو لإنسان شهواني.
ويوحنا المعمدان الذي عاش في البرية عيشة راهب ناسك متعبد، أمكنه في تلك الحياة الروحانية أن يصل إلى مقامات روحية سامية، وأن يرى الله، وأن يسمع صوت الله. يقول يوحنا المعمدان عن المسيح له المجد: «وأنا لم أكن أعرفه، ولكن الذي أرسلني لأعمد بالماء قال لي: ذاك الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه، فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس. وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله» (يوحنا 1: 31-34).
فهؤلاء القديسون، وصلوا إلى حالة الصفاء فصار يمكنهم أن يتعاملوا مع العالم الروحاني، ويمكنهم أن يدخلوا في علاقات مباشرة مع العالم العلوي، ويمكنهم أن يكشفوا أموراً من المستحيل أن يكشفوها لو أنهم كانوا خاضعين لرغبات الجسد وشهواته. فالصوم في الواقع يحقق صفاء للنفس، ويحقق سهولة في العبادة، لأنه لجام لرغبات الجسد وميول الجسد الترابية. وهو يخلص الروح من الضغوط والعوائق والشوائب، ومن الشغل الذي يحدثه الجسم في العقل والروح، فيتخلص الجسم وتتخلص الروح من هذا الشغل، ويسير الإنسان في سهولة الانطلاق إلى العالم الروحاني.
ختام: حكمة الصوم الكبير في الكنيسة
بهذه الكلمة نفهم أننا داخلون في فترة من أقدس الفترات في أيام العام الكنسي، وهي فترة الصوم الكبير. وحكمة الكنيسة في أن يكون هذا الصوم كبيراً لدرجة أنها أضافت عليه أسبوع الآلام، فصار خمسة وخمسين يوماً، مع أن أسبوع الآلام أسبوع مستقل، وبعيد تاريخياً عن صوم الأربعين المقدسة التي صامها مخلصنا. أقول أن حكمة الكنيسة في هذا الصوم الكبير، أنه كلما طال الصوم كلما أمكن للإنسان أن يحقق به السيطرة على الجسد، ويتحقق به الصفاء النفسي، ويتحقق الامتداد الروحاني. تماماً كما يحصل في الناحية العلمية عندما يكون الإنسان منشغلاً بكتابة بحث أو بقراءة موضوع مستغرق فيه، ثم يقطع حبل تفكيره قرعات شخص على بابه، فيتسبب عن ذلك تعطيل التفكير أو القراءة. فإذا صام العابد مدة طويلة غير متقطعة، تتحقق له فوائد جزيلة جداً، وصار الإنسان في إمكانيات الاستمرار والمتابعة المستمرة في الحياة التقوية.
ولهذا جاءت الحكمة في جعل أسبوع الآلام ملتصقاً بالصوم الأربعين المقدس، لكي تكون هناك إمكانية أوفر للاتصال بالعالم الأعلى وللتعمق في الروحانيات. ثم قالوا: ليس حسناً أن ندخل في الأربعين المقدسة مباشرة. إن القطار لما يبدأ في التحرك يتحرك وئيداً وئيداً ثم يسرع، ولا يبدأ بالسرعة الكبيرة. لذلك رأت الكنيسة أن لا ندخل في الصوم الأربعيني المقدس وأسبوع الآلام الذي يتلوه دخولاً مباشراً، بل رأت أن تضيف إليه مقدمة، يبدأها الصائمون في تؤدة قبل أن يدخلوا في حياة النسك التي يجب أن يمارسوا بها أقدس الأصوام أهمية. ومن هنا كان الأسبوع الأول من الصوم الكبير مقدمة للصوم الأربعين المقدس، وتعويضاً عن أيام السبوت الخمسة التي تشتمل عليه الأربعين المقدسة، حيث أن قوانين الكنيسة تمنع أن يصام يوم السبت صوماً انقطاعياً ( فيما عدا السبت الكبير ، سبت الفرح)، وذلك تقديماً لهذا اليوم واحتراماً لشريعة العهد القديم.
<
p class=”ds-markdown-paragraph”>والآن فلنصم هذا الصوم الكبير بروح التعبد والتقوى ومخافة الله، ولنضاعف من روح التضرعات والصلوات والتأملات والقراءات التقوية النافعة، وأعمال الرحمة والضدقات وليقبل الله صلواتنا وأصوامنا وصدقاتنا بخوراً ذكياً طاهراً ويتنسم رائحة الرضا، فيرضى علينا ويرحمنا، ويرفع غضبه عنا ويهبنا السلام الذى يفوق كل عقل، ويبارك في شعبه، وكنيسته، ويبارك بلادنا، ويلهم قادة الفكر فينا إلى الحق والخير والواجب، له الكرامة والمجد إلى الأبد. آمين؟