الروح القدس: مؤسس الكنيسة وربانها
الروح القدس وحياة المؤمن
بعد ما أكمل الابن عمله الخلاصي وصعد إلى الأمجاد وجلس عن يمين أبيه. رأى الآب من عظم محبته للإنسان ألا يتركه في عالم غربته يعاني وحده حربه مع الشيطان ليستعبده للخطية. رأى أن يرسل له الروح القدس بناء على طلب الابن الذي بذل نفسه من أجله لكي يمنحه الحياة الأبدية.
فقبل أن يترك الرب يسوع العالم ويصعد إلى المجد الأسنى، وعد تلاميذه بإرسال الروح القدس وقال لهم: «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر (مثيلاً له وبديلاً عن غيابه بالجسد) ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم. لا أترككم يتامى» (يو 14: 15-18).
فبعد عشرة أيام من صعود السيد المسيح، حل الروح القدس على الرسل. الذين قاموا بعد ذلك بتعميد الذين آمنوا ووضعوا عليهم الأيادي، فحل الروح القدس عليهم هم أيضاً. وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون. وبنعمة الروح القدس العامل في الرسل وخلفائهم انتشر الإيمان حتى شمل العالم كله. وسيظل الروح القدس يعمل بقوة في هذا الدهر إلى المجيء الثاني للمسيح، حين يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات.
نعم وبركات الروح القدس
الروح القدس هو مصدر حياة المؤمن، إذ بدونه يُعتبر الإنسان ميتاً ولو كان عائشاً. والروح القدس هو رقيب على المؤمن، يفحص أفكاره وأقواله وأفعاله.
فعمل الروح القدس كما أوضحه السيد المسيح: «ومتى جاء ذلك، يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة..» (يو 16: 8). فإذا ما صدر من الإنسان أي فكر أو قول أو فعل لا يضاهي صلاح الله، فعندئذ يبادر الروح القدس بتبكيته، بمعنى أن يوبخه ويوضح له خطيته ويدعوه إلى التوبة ويذكره بكلمة الله التي تظهر له مدى تعديه على وصية الله.
والروح القدس ليس فقط يُلهم الإيمان بل وأيضاً يهب الخلاص، إذ يقول رب المجد: «من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدَن» (مر 16: 16). والروح القدس مصدر كل عطية وكل موهبة. وفي هذا يقول القديس يعقوب: «كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران» (يع 1: 17)، وذلك على أساس أن السيد المسيح قال لتلاميذه إن الروح القدس «يأخذ مما لي ويخبركم، وكل ما للآب فهو لي».
الروح القدس يهبنا سلامه، سلام الله الذي يفوق كل عقل، فهو السلام الذي منحه الرب يسوع لتلاميذه: «سلاماً أترك لكم. سلامي أعطيكم. ليس كما يعطى العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب» (يو 14: 27). ليس كسلام العالم والناس، سلام الروح القدس، لأنه سلام من «رئيس السلام» (أش 9: 6)، الذي هو سلامنا (أف 2: 14)، الذي دفع ثمنه من كل صنوف الآلام والتعذيب والموت، فهو سلام إلهي لا يعطيه العالم.
هذه النعم والبركات التي يمنحها الروح القدس للمؤمن، لا يمكن أن يتمتع بها الإنسان ويشعر بقوتها وفاعليتها في حياته إلا إذا أسلم قيادة حياته لمشورة الروح القدس. حتى يمكن أن يعيش الإنسان حياته في ملء تدبير الروح القدس.
فشكراً للروح القدس الذي يعمل فينا بقوته، فيقدس قلوبنا وأفكارنا ويرشدنا إلى جميع الحق،. إذ يأخذ مما للمسيح ويخبرنا، فينير أذهاننا ويضرم فينا محبة الله، ويملأنا قوة ونشاطاً ويكون العامل فينا وبنا.
الروح القدس العامل فينا وبنا
رأس الكنيسة والجسد: السيد المسيح هو رأس الكنيسة، ورأس الجسد، والمؤمنون أعضاء في هذا الجسد. ولكل عضو من أعضائه عمله وموهبته في خدمة باقي الأعضاء. وفي هذا يقول معلمنا القديس بولس: «لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتماماً واحداً بعضها لبعض، فإن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضو واحد يُكرم فجميع الأعضاء تفرح معه. وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً» (1 كو 12: 25-27).
هذا التعاون بين أعضاء الجسد الواحد يستلزم أن تسود المحبة بين الأعضاء، المحبة التي لا تطلب ما لنفسها، بل تطلب ما هو للآخرين. والقديس بولس ينصح أهل فيلبي بقوله: «لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو للآخرين أيضاً. فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً» (في 2: 4-5).
الغاية من خلقة الإنسان: يوضح لنا معلمنا بولس الرسول الغاية من خلقة الله لنا، فيقول: «لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق فأعدها الله لنسلك فيها» (أف 2: 10). على أساس هذه الغاية يكون لكل عضو ولكل غصن عمله وثمره الذي سبق الله فأعده له.
لذلك أنعم الله علينا بحلول روحه القدوس لكي يمنح لكل من آمن واعتمد باسمه قدرة تمكنه من الاتجار بوزناته كوكيل أمين، ويقدم في النهاية حساب وكالته، فإذا بها رابحة خلاصاً للنفوس ومجداً لله. ويوضح لنا معلمنا القديس بطرس مسئولية الوكلاء فيقول: «ليكن كل واحد كما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضاً كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة. إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله. وإن كان يخدم أحد فكأنه من قوة يمنحها الله لكي يتمجد الله في كل شيء بيسوع المسيح الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين» (1 بط 4: 10-11).
الثبوت في الكرمة والاتحاد بالمسيح
أما السيد المسيح له المجد فيقول: «أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت في وأنا فيه يأتي بثمر كثير. لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً. إن كان أحد لا يثبت في يُطرح خارجاً كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق» (يو 15: 5-6). لأن الثبوت في الكرمة يؤدي إلى قيام الروح القدس بحمل العصارة من الكرمة (الرب يسوع) إلى الأغصان (الأعضاء)، فتسري فيها وتدخل إلى الورق وتصنع الثمرة التي هي نتيجة نشاط الفروع. فالعصارة المستمدة من الكرمة تحمل فيها عنصر الإنماء. إذاً الفروع لا يمكن أن تثمر إلا بالعلاقة الشديدة المشتركة غير المتوقفة ولا المنفصلة مع الكرمة. هذه الشركة لا تثمر إلا بالاتصال الوثيق الدائم.
ولكن كثيراً ما نصنع العوائق بتصرفاتنا وأفعالنا التي تخالف وصايا الله، فعندئذ تمنع هذه التصرفات سريان العصارة إلى الأغصان، الأمر الذي يؤدي حتماً إلى ذبول الفروع وجفاف الأوراق، وبالتالي يتوقف الثمار. وما لم نبادر ونزيل هذه العوائق باجتهادنا الروحي ويقظتنا ومن خلال وسائط النعمة، فسوف تجف الأغصان، مما يضطر الكرام أن يطرحها خارجاً لئلا تعطل نمو باقي أغصان الكرمة. وإن كان الرب ينزع الغصن غير المثمر، فهو من جهة أخرى يعتني بالغصن المثمر فينقيه ليأتي بثمر أكثر.
السير بالروح وثمره
ولنستمع لنصيحة القديس بولس: «أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجددوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق» (أف 4: 22-24). وإذ نخلع الإنسان العتيق، فعندئذ نستمع لقول القديس بولس أيضاً: «بل البسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات» (رو 13: 14).
وإذ نلبس الرب يسوع، نثمر ثمر الروح. «وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف. ضد أمثال هذه ليس ناموس. ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات. إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضاً حسب الروح» (غل 5: 22-25).
المؤمنون: ملح الأرض ونور العالم
ملح الأرض: طالما نحن هيكل الله وروح الله ساكن فينا، أضاف علينا السيد المسيح مسئولية العمل لحساب ملكوت الله عندما عرف أبناء الملكوت الطوباويين بأنهم ملح الأرض. فالملح يعتمد على قدرته في الانتشار السريع ليعطي الطعام مذاقاً مقبولاً ويحفظه من الفساد. هكذا المسيحي، عليه أن يحفظ الوسط الذي يعيش فيه من الفساد فكراً وعملاً. وليطلب من الروح القدس أن يرشده ويقويه ويشد أزره لمقاومة قدرة الشيطان المذهلة على إفساد الأعمال والأفكار والضمائر.
لكن الإنسان يسقط إذا لم يمسك بنعمة المسيح التي يقبلها بالإيمان به والاتحاد معه بالروح. فإذا لم يستند الإنسان بعزيمة ويقظة لعمل النعمة ولم تسنده النعمة، يسقط في فخاخ الشيطان فيفسد ملحه. «ولكن إن فسد الملح بماذا يملح؟ لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يطرح خارجاً ويداس من الناس» (مت 5: 13).
نور العالم: النور الحقيقي واحد هو المسيح: «لأنه النور من النور»، وقد جاء ليضيء العالم. هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان أتى إلى العالم (يو 1: 9). وإذ يضفي المسيح نوره على المؤمنين باسمه، يضعهم كمسئولين عن إضاءة ظلمة العالم بهذا النور الإلهي الحقيقي، المتمثل في معرفة الله، فتتبدد ظلمة العالم. فتلاميذ المسيح والمؤمنون باسمه الحاملون لنوره هم مشعل الإنجيل، قادرون أن يكونوا أداة صالحة في يد الروح القدس ليصنع بهم عملاً في العالم.
ولكي يشع فينا نور المسيح ونستمد منه النور الحقيقي الذي ليس فيه ظلمة، فإن الأمر يتطلب ألا نترك العالم ومحبته فاصلاً بيننا وبين مصدر النور والإشعار الرب يسوع المسيح، لأنه إذا توسط العالم بيننا وبين المسيح، فحينئذ نصبح كائناً مظلماً ليس فيه نور البتة. وفي هذا الشأن ينصح القديس بولس أهل فيلبي فيقول: «افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة، لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء، أولاداً لله بلا عيب في وسط جيل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم» (في 2: 14-15).
المحبة: علامة البقاء في النور
كما يجب أن تسود المحبة بيننا نحن المؤمنين كما أحبنا المسيح ومات من أجلنا. وينبهنا إلى ذلك القديس يوحنا فيقول: «أيضاً وصية جديدة أكتب إليكم، ما هو حق فيه وفيكم: أن الظلمة قد مضت والنور الحقيقي الآن يضيء. من قال إنه في النور وهو يبغض أخاه فهو إلى الآن في الظلمة. من يحب أخاه يثبت في النور وليس فيه عثرة» (1 يو 2: 8-10).