ليس إنسان بلا خطية
مقدمة
لا حاجة للقول بأنه ليس إنسان لا يخطئ، فتلك قضية سجّلها الحكيم سليمان حيث قال: «ليس إنسان لا يخطئ» (1 ملوك 8: 46) تأسيساً على المكتوب: «لأنه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحاً ولا يخطئ» (جامعة 7: 20). ومن هذا المنطلق يتساءل الحكيم سليمان – صاحب هذه المبادئ – قائلاً: «من يقول إني زكيت قلبي، تطهرت من خطيتي؟» (أمثال 20: 9). وبلغه العهد الجديد: «إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا، وليس الحق فينا… إن قلنا إننا لم نخطئ نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا» (1 يوحنا 1: 8، 10).
أي أن كل إنسان معرض للسقوط في الخطية، ومن يظن أنه قائم فلينظر لئلا يسقط. ومن يظن نفسه بلا أخطاء يرتكب خطأً واحداً على الأقل بهذا الظن. «فقد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع» (رومية 5: 12). ولذا ينبغي الحذر – كل الحذر – منها. ألم تطرح كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء؟ أي أنهم يدعون القوة، ومن هنا كانت النصيحة: «يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً» (1 يوحنا 2: 1-2).
أيضاً «كما هو مكتوب أنه ليس بار، ولا واحد – ولو كانت حياته يوماً واحداً على الأرض – ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد» (مزمور 14: 1-3، 53: 1-3، رومية 3: 10-12).
من أجل هذا سجل الوحي الإلهي نقاط ضعف الآباء، والأنبياء، ورجال القضاء في الكتاب المقدس، لا بقصد التشهير بهم أو إدانتهم، أو مجرد سرد نقاط ضعفهم، فإن «الروح أيضاً يعين ضعفاتنا» (رومية 8: 26). وإنما لحكمة إلهية قد تفوق إدراكنا، وتسمو على أفهامنا. وإن كنا نجهل، أو لا نستوعب الهدف الباطن لها، فسوف نحاول – من خلال هذه التأملات المركزة – تفهم الأسباب الظاهرة، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أولاً: التزاماً بالأمانة التاريخية والروحية
الوحي لا يُجمل، بل يُكمل
فالوحي الإلهي أمين في تسجيل التاريخ المقدس، فقد سجل ليس فقط نقاط القوة في حياة الأبرار، بل ونقاط الضعف أيضاً. فكما ألقى الضوء كاشفاً الجانب المشرق في حياتهم، كذلك يكتب بأمانة عن الجانب الآخر أيضاً. وعلى سبيل المثال نذكر:
أنه كما سجل المعجزات الباهرة لموسى النبي أعظم أنبياء بني إسرائيل، فقد كتب عنه أيضاً قبل النبوة – أنه قتل رجلاً مصرياً وطمره في الرمل (خروج 2: 12)، وكذا بعد النبوة يسجل عنه: «فقال الرب لموسى وهرون من أجل أنكما لم تؤمنا بي… لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها» (عدد 20: 12).
وكما وجد الرب في داود النبي رجلاً حسب قلبه بشهادة الوحي (أعمال 13: 22)، كذلك سجل عنه بأنه زنى وقتل (مزمور 51).
وإيليا النبي الذي أقام ميتًا، وأنزل نارًا من السماء. يقول الرسول يعقوب عنه: «كان إيليا إنساناً تحت الآلام مثلنا…» (يعقوب 5: 17). حيث خاف من إيزابل وطلب الموت (1 ملوك 19)
ثانياً: إثباتاً لحقيقة كتابية: “الجميع أخطأوا”
وتلك الحقيقة الكتابية تقول، بأن الجميع – دون استثناء – أخطأوا، وأعوزهم مجد الله «ليس بار ولا واحد… الجميع زاغوا وفسدوا معًا» (رومية 3: 10-12). وإن كنا نقرأ عن بعض القديسين بأنهم أبرار كاملون، فذلك شيء نسبي، لا سيما متى قابلناه مع الوسط الذي عاصروه، والبيئة التي كانوا يعيشون فيها. والمثل في ذلك «نوح البار» الذي تشهد له التوراة هكذا: «كان نوح باراً كاملاً في أجياله، وسار نوح مع الله» (تكوين 6: 9)، ومع ذلك شرب خمراً أسكرته، فتعرى أمام ابنه.
وأيوب الصابر له شهادة من قبل الرب الذي قال: «أعبدي أيوب ليس مثله في الأرض، رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر» (أيوب 1: 8). على أن أيوب – الرجل الذي هزم الشيطان – لم يصبر إلى المنتهى، فقد سب يومه قائلاً: «ليته هلك اليوم الذي ولدت فيه، والليل الذي قال قد حبل برجل» (أيوب 3: 1-3). وبالرغم من هذا أشار إليه حزقيال النبي في قوله: «نوح، ودانيال، وأيوب، فحي أنا يقول السيد الرب، إنهم لا يخلصون ابناً ولا ابنة، إنما يخلصون أنفسهم ببرهم» (حزقيال 14: 20).
ويعقوب أبو الآباء مكتوب عنه: «فكبر الغلامان – وكان عيسو إنساناً يعرف الصيد، ويعقوب إنساناً كاملاً يسكن الخيام» (تكوين 25: 27)، وكلنا يعلم كيف كانت معاملاته الملتوية، وسلوكه المخادع مع أبيه، وأخيه، وحميه.
وماذا أقول أيضاً، لأنه يعوزني الوقت أن أخبر عن سليمان، ويونان، وشمشون، وجدعون، وغيرهم وغيرهم ممن سجل الوحي الإلهي نقاط ضعفهم.
ثالثاً: تأكيداً للرجاء: الباب مفتوح للتائبين
لقد سجل الوحي الإلهي نقاط ضعف الآباء، والأنبياء، ورجال القضاء، ليعلن أن باب الرجاء لا يزال مفتوحاً أمام من يخطئ، وذلك لقبول أشر الخطاة الراجعين إلى الله، حتى لا يصل أحد منا إلى حالة الإحباط أو اليأس. فكل ما كتب إنما كتب من أجل تعليمنا، وهذه الأمور التي أصابتهم مثالاً لنا، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.
الرجاء هو توقيع تحقيق وعد الله، وهو إحدى الفضائل الكبرى: الإيمان، والرجاء، والمحبة (1 كورنثوس 13: 13). وهو ليس منظوراً «لكن الرجاء المنظور ليس رجاءً، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضاً؟ ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره، فإننا نتوقعه بالصبر» (رومية 8: 24-25). ومن سماته أنه رجاء حي مبارك، صالح، لا يخزى.
من هذا المنطلق يستطيع الإنسان المسيحي أن يصبر في الضيق، ويفرح في الرجاء. هكذا فرح سمعان الشيخ وتهلل بتحقيق الرجاء حين حمل الطفل يسوع المسيح ربنا على يديه، ولذا في الحال طلب الانطلاق من هذا العالم. فقد حبس في الجسد منذ أواسط القرن الثالث قبل الميلاد، حتى أبصر بعينيه تحقيق الرجاء.
«أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله، ولم يظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو. وكل من عنده هذا الرجاء به يطهر نفسه كما هو طاهر» (1 يوحنا 3: 2-3).
رابعاً: من أجل تعليمنا: الباب ضيق… لكنه واسع!
يذكر لنا الكتاب المقدس نقاط ضعف الآباء، والأنبياء، ورجال القضاء من أجل تعليمنا بأن الباب المؤدي للحياة الأبدية ضيق وواسع:
ضيق لكي ننحني أمام الله بالتوبة، وهكذا نستطيع أن ندخل من الباب.
ضيق لكي نترك كل شيء، ونتبع مخلصنا الصالح الذي يعطي مائة ضعف مقابل ما نتركه في العالم.
ضيق لكي ننفصل عن العالم، ولا نحمل منه شيئاً، وبذا يسهل الدخول.
على أنه ليس مغلقاً كجنة عدن، أو باب فلك نوح، أو باب قدس الأقداس. ولهذا انشق الحجاب من فوق إلى أسفل، أي أن المصالحة جاءت من السماء إلى سكان الأرض. وأعلن السيد المسيح: «أنا هو الباب، إن دخل بي أحد فيخلص، ويدخل ويخرج، ويجد مرعى» (يوحنا 10: 9).
وأيضاً الباب واسع: ألم يتسع للعشار، وزكا، والمجدلية، واللص اليمين المصلوب مع مخلصنا؟
واسع لأننا نرى فيه المسيح فاتحاً أحضانه لأشر الخطاة الراجعين إليه
واسع للتائبين والمجاهدين، فاجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق، فهو واسع أيضاً
لقد أجاب السيد المسيح على هذه التساؤلات: «أقليل هم الذين يخلصون؟» مهتماً بالسائل أكثر من اهتمامه بالسؤال. فلقد كان ممكناً للسيد المسيح أن يحدد عدد الذين يخلصون، لأنه يعرف خاصته، ويدعوها بأسمائها. لكنه قال لهم: «اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق» (لوقا 13: 24).
خامساً: لإظهار كمال المسيح الفريد
فهو القدوس البار الذي لم يعرف ليس فقط الشر، بل ولا شبه الشر، وقد انفصل عن الخطاة. لهذا فإن القديسين متى قسناهم على المقياس الكامل لحياة ربنا يسوع المسيح، فسوف يظهر بجلاء قصورهم المتناهي، ذلك لأن نور مجده الأبدي يظهر نقائص أعظم الناس كمالاً. وأيضاً «لكي يكون هو متقدماً في كل شيء» (كولوسي 1: 18).
ولذا فهو وحده المستحق أن نسبحه ونمجده قائلين: «مستحق هو الخروف أن يأخذ القدرة، والغنى، والحكمة، والقوة، والكرامة، والمجد، والبركة» (رؤيا 5: 12-13).
خاتمة:
عندما يذكر الكتاب المقدس نقاط ضعف القديسين، فهذا ليس للإحباط، بل للـتشجيع. وليس للإدانة، بل للـرحمة. وليس لليأس، بل للـرجاء الحي.
«يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار» (1 يوحنا 2: 1).