الكتاب المقدس: نسخه وترجماته
مقدمة: أهمية الكتاب المقدس
الكتاب المقدس غني عن التعريف، فهو مجموع الأسفار المقدسة التي كتبها أناس أطهار ملهمون من الله، مساقون من الروح القدس في أزمنة مختلفة لتهذيب البشر وخلاصهم من الخطية. يقول الرسول بولس: «كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر” (2 تيموثاوس 3: 16).
الكتاب المقدس هو ينبوع الحياة الروحية ومصدرها، ومصدر النور الذي يهدي الإنسان إلى طريق الحق. وهو يعلمنا أن نرفض الشهوات العالمية، ونعيش بالبر والتقوى والتعقل في العالم الحاضر (تيطس 2: 12). كما أنه يعرفنا أن نتبع السلام مع الجميع، والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب (عبرانيين 12: 14).
كما يحثنا على محبة الأعداء ومقابلة الشر بالخير (متى 5: 44؛ رومية 12: 17-21). ويحثنا على إطعام الجائع، ولو كان عدواً، لكي لا يغلبنا الشر بل نغلبه بالخير (رومية 12: 20). تلك التعاليم السامية التي إذا اتصف بها البشر صاروا أناساً سمويين (أغسطينوس، عن المدينة الإلهية، الكتاب 14، الفصل 9).
تعاليم الكتاب المقدس وغايته
يكشف لنا الكتاب المقدس أصل الخليقة، وقصة السقوط. ويعلن لنا عن تجسد الابن الكلمة وضرورة الإيمان به لنخلص من الخطية(أعمال الرسل 4: 12).
ومن خلال صفجاته نتعرف على طريق القداسة والطهارة، ونتأهل للأعمال الصالحة المرضية، وهو يعدنا بالحياة الدائمة إذا اتبعنا وصاياه، حتى نسمع قوله: «تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (متى 25: 34).
كما كشف لنا الكتاب المقدس عن أسرار الخليقة والملائكة وصفات الله وخلود النفس والغاية التي خُلِق الإنسان لأجلها (يوحنا فم الذهب، تفسير إنجيل متى، الفصل 25).
نسخ الكتاب المقدس وترجماته
النسخة العبرانية
كُتب العهد القديم باللغة العبرانية، وكان يُكتب على الرقّ (يُؤخذ الرق من جلد بعض الحيوانات)، ويُسمى الكتاب “سِفْراً” مشتقاً من “سَفَر” Safer أي الكشط، لأن الجلد كان يُكشط ويُسلخ.
وكان السفر مستطيلاً يُلف على شكل دَرْج كما نقرأ في (مزمور 40: 7؛ إرميا 36: 2؛ إشعياء 34: 4). ولا يزال من يزور كنيس اليهود بمصر القديمة يرى أدراجًا من الرق مكتوبًا عليها أسفار موسى الخمسة بالعبرية محفوظة بعناية في صناديق مطعمة بالصدف.
التشكيل الماسوري
كانت النصوص العبرية تُكتب في البداية بدون التشكيل المسمى “ماسورة” Masorie (أي الحركات). ومع مرور الوقت تسبب ذلك في بعض الاختلافات غير الجوهرية بين النسخ.
ويرجع تاريخ وجود هذا التشكيل في العبرانية إلى القرن السادس.حيث أنه بين القرنين السادس والعاشر كانت لليهود مدرستان شهيرتان: إحداهما في بابل وسُميت بالشرقية، والأخرى في طبرية وسُميت بالغربية. ومع تمادي الزمن حدث اختلاف في بعض القراءات بين النسخ الشرقية والغربية (أي المستعملة في هاتين المدرستين). وفي أوائل القرن الحادي عشر، أخذ هرون بن أشير (رئيس مدرسة طبرية) يُقابل النسخ العبرية، ويعقوب بن نفتالي (رئيس مدرسة بابل) أخذ يُقابل النسخ الشرقية، وقيد القراءات على حواشي نسختيهما. والنسخ المتداولة الآن بين أيدينا (من عربية ولغات أجنبية) مترجمة عن نسخ عبرانية خُطت بعد القرن الحادي عشر، أي بعد وجود الحركات (Brotzman & Tully, 2016, ص 45-47).
النسخة السبعينية
تعد النسخة السبعينية أقدم وأدق التراجمات، وسُميت بهذا الاسم لأن الذي قام بترجمتها سبعون حبراً من اليهود (وبمعنى أصح: اثنان وسبعون). وذلك في عهد بطليموس فيلادلفوس (285-247 ق.م). وكان وراء الترجمة غرضين، أولهما لفائدة اليهود الساكنين في المدن التي تستعمل فيها اللغة اليونانية، وثانيهما لأنه كان مولعاً بالعلوم، فاهتم بترجمة الكتاب المقدس من العبرية إلى اليونانية لإيداعه هذه المكتبة التي ذاع صيتها في الآفاق (يوسيفوس، الآثار اليهودية، الكتاب 12).
قصة ترجمة النسخة السبعينية
يروي سنكسار الكنيسة القبطية في 8 أمشير (عيد دخول المسيح الهيكل)، أن بطليموس استدعى علماء اليهود وطلب منهم ترجمة العهد القديم. ووُضع كل اثنين منهم في غرفة منفصلة حتى لا يعرف أي منهم ما جاء في ترجمة الآخر، فجاءت الترجمة متطابقة بمعجزة إلهية.
ومن بين المترجمين كان سمعان الشيخ، الذي تحير عندما وصل إلى نبوءة إشعياء: “هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا”. لكن ملاك الرب طمأنه قائلًا إنه لن يرى الموت حتى يعاين ميلاد المسيح — وقد تم ذلك فعلاً كما تروي الأناجيل (لوقا 2: 25-32).
أهمية النسخة السبعينية
كانت النسخة السبعينية معروفة في المدة ما بين القرنين الثالث قبل الميلاد والقرن الرابع بعد الميلاد. وكان فلاسفة اليهود مثل فيلو، ومؤرخوهم مثل يوسيفوس، يفضلان استعمال هذه النسخة على غيرها في أبحاثهم (فيلو، حياة موسى، الكتاب 2، الفصل 5). كما أنه كان لها اعتبار خاص في الكنيسة المسيحية في القرون الأولى، وتُعتبر النسخة الرسمية لكتّاب العهد الجديد. وكفاها فخراً أن تكون كل الشهادات والاقتباسات التي أوردها سيدنا له المجد وكتبة العهد الجديد منقولة عنها. فمثلاً، قد أورد متى الإنجيلي في (12: 18-21) بعض صفات سيدنا له المجد بقوله: «لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ، وَعَلَى اسْمِهِ يَرْجُو الأُمَمُ». وهذه العبارة مقتبسة من إشعياء (42: 1-3) حسب الترجمة السبعينية، والفقرة الأخيرة من هذه الآية غير موجودة في العبرانية.
وقد اقتبس لوقا الإنجيلي في إنجيله (3: 4-6) من سفر إشعياء (40: 3-5) العبارة الآتية من النسخة السبعينية: «صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً. كُلُّ وَادٍ يُمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَّةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ سُهولًا، وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ» (يوحنا فم الذهب، تفسير إنجيل لوقا، الفصل 3).
وكل الاقتباسات التي وردت في العهد الجديد نقلاً من العهد القديم منقولة عن السبعينية.
أسباب الاختلاف بين النسخة السبعينية والعبرانية
هنالك اختلاف بين النسخة السبعينية والعبرانية. ويعود هذا الاختلاف إلى أحد أمرين:
أولاً: اختلاف التشكيل
نتيجة ترجمة نصوص غير مشكَّلة، ولا يخفى أن اختلاف الحركات والتشكيل يغير معنى الكلمات، ويوجد للكلمة الواحدة أكثر من معنى. على سبيل المثال:
- ورد في سفر التكوين (47: 31): “وسجد إسرائيل على رأس السرير” حسب الترجمة العبرانية، ولكنها في السبعينية: “وسجد إسرائيل على رأس عصاه”. والفرق سببه حركة واحدة في الكلمة العبرية.
- أوردت السبعينية في مزمور (4: 4): “اغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا”. ولكن العبرانية قرأت: “ارْتَعِدُوا وَلاَ تُخْطِئُوا”. والكلمة “رَجَزُوا” العبرانية تفيد معنى الغضب ومعنى الارتعاد.
- وردت في النسخة السبعينية في (مزمور 2: 12): “الزموا الأدب”. والعبرانية: “قَبِّلُوا الابن”. لأن الكلمة هي “نَشَّقُوا بَر”، فإذا شُكِّلت بالتشديد تكون بمعنى “الزم”، وإن كانت بدون تشديد تعني “قَبِّل”. و”بَر” لها معنيان: الأول “ابن” إذا كانت آرامية، والثاني “أدب” إن كانت عبرانية.
- ورد في (مزمور 22: 12): “أُبْطَالٌ بِعْشَانَ اكْتَنَفُونِي” (ترجمتها العبرانية: أقوياء باشان اكتنفوني)، والسبعينية: “عُجُولٌ سِمَانٌ اكْتَنَفَتْنِي”. والاختلاف نتج من التشكيل.
ثانياً: الترجمة المعنوية
لم تتقيد النسخة السبعينية بترجمة النصوص ترجمة حرفية، لأن العبرانية كانت كانت مليئة بالأمثال والكنايات. فقد قام الأحبار الذين ترجموا النسخة السبعينية بترجمة هذه الأمثال ترجمة معنوية تفسيرية. ويلاحظ ذلك من مراجعة السبعينية والعبرانية، فإن العبرانية لا يفهمها إلا من كان متعمقاً في تاريخ هذه اللغة وآدابها، بينما السبعينية بسيطة يفهمها الجميع. على سبيل المثال:
- ورد في أمثال (11: 31): “هُوَذَا الصِّدِّيقُ يُجَازَى فِي الأَرْضِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الشِّرِّيرُ”. هذا مثلاً كان شائعاً عند العبرانيين، وترجمته السبعينية بما يفهمه القارئ هكذا: “إِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يُخَلَّصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ”.
- ورد أيضاً في الأمثال (27: 14): “مَنْ يُبَارِكُ صَدِيقَهُ بِصَوْتٍ عَالٍ بَاكِرًا، يُحْسَبُ لَهُ لَعْنًا”. ولكن في السبعينية: “مَنْ يُبَارِكُ صَدِيقَهُ بِصَوْتٍ عَالٍ بَاكِرًا، لاَ يَخْتَلِفُ عَمَّنْ يَلْعَنُهُ”
هذه الترجمات التفسيرية جعلت السبعينية أقرب إلى الفهم وأوضح في المعنى، ولهذا اعتمدتها الكنيسة القبطية في ترجمتها القبطية.
أقدم النسخ اليونانية للترجمة السبعينية
أقدم النسخ اليونانية للترجمة السبعينية الموجودة في العالم كلّه:
- النسخة الإسكندرية: أحضرها من الإسكندرية إلى القسطنطينية البطريرك كيرلس لوكارس الكريدي، وأرسلها إلى الملك تشارلز الأول الإنجليزي عن يد السفير الإنجليزي سنة 1628، وهي الآن محفوظة في المتحف البريطاني في لندن. وتعود للقرن الخامس (Metzger, 2001, ص 76).
- النسخة الفاتيكانية: محفوظة في مكتبة الفاتيكان تحت رقم 1209، خُطت في مصر في القرن الرابع. وقد طبعت في خمسة مجلدات.
- النسخة السينائية: عثر عليها العلامة تيشندورف الألماني في دير سانت كاترين بسيناء عام 1846، ويُظن أنها خُطت في القرن الرابع في عصر الملك قسطنطين. وتُعتبر من أثمن المخطوطات، وهي الآن بالمتحف البريطاني.
الخلاصة
يبقى الكتاب المقدس هو الكلمة التي لا تزول، مصدر الإيمان والمعرفة والنور.
من خلاله نتعرف على الله وخطته لخلاص الإنسان، وننهل من تعاليمه القوة والرجاء والقداسة.
سواء قرأناه بالعبرية أو باليونانية أو بأي لغة في العالم، تبقى الرسالة الإلهية واحدة:
“لأن كلمة الله حية وفعالة، وأمضى من كل سيف ذي حدين” (عبرانيين 4: 12).
قائمة المراجع
- الكتاب المقدس: العهد القديم والجديد، ترجمة الفان ديك.
- مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس. الجزء الأول.
- سنكسار الكنيسة القبطية. 8 أمشير.
- القديس أغسطينوس. عن المدينة الإلهية. الكتاب 14، الفصل 9.
- القديس أغسطينوس. عن العقيدة المسيحية. الكتاب 2، الفصل 11.
- القديس يوحنا فم الذهب. تفسير إنجيل متى. الفصل 25.
- القديس يوحنا فم الذهب. تفسير إنجيل لوقا. الفصل 3.
- يوسيفوس. الآثار اليهودية. الكتاب 12، الفصل 2.
- فيلو. حياة موسى. الكتاب 2، الفصل 5.
- Brotzman, E. R., & Tully, E. J. (2016). Old Testament Textual Criticism: A Practical Introduction. Baker Academic.
- Metzger, B. M. (2001). The Bible in Translation: Ancient and English Versions. Baker Academic.