قصة المولود أعمى
إن قضية المولود أعمى قضية قديمة جداً تضرب بجذورها في أعماق تاريخ البشرية، لأنها قضية الجنس البشري كله منذ سقوط الإنسان في الخطية.. إنها قضية الانتقال من الظلمة إلى النور العجيب بالميلاد الجديد من الماء والروح، بعد صبر وطول انتظار، بعد أمل ورجاء.
1. رأى إنسان أعمى منذ ولادته:
ومن من الناس لم يكن أعمى منذ ولادته؟ لقد شفى السيد المسيح عمياناً كثيرين، لم يقدم لنا البشيرون قصة أي منهم بالتفصيل فيما عدا هذا الإنسان. لأنه رمز للبشرية كلها من حيث العجز عن الرؤية الصحيحة. ولأنه رمز، فإن الخالق تعمد أن يخلقه بدون عينين، وجعله يعيش حياة هي رمز حياة كل بني آدم في انتظار المخلص الذي جاء في الوقت المعين ليقدم الخلاص المجاني. لأنه هو الوحيد القادر على إعادة الخلق بلا عيوب للإنسان الذي أغرقته العيوب، خاصة العيب الرئيسي المتعلق بالعجز عن الرؤية الصحيحة.
كان المولود أعمى عندما جاء إليه المسيح يعيش حياة كل إنسان: «كان يجلس ويستعطي». الجلوس يشير إلى العجز والقعود («كفاكم قعوداً في هذا الجبل» – تثنية 1: 6). فقد عجزت البشرية عن صنع الخلاص لنفسها، وأيضاً لم تسعَ حثيثاً نحوه، بالرغم من تعلق الآمال به. ولكن الخلاص الحقيقي جاء بالمسيح الذي تنازل وتجسد وجاء ليجد الجميع قعوداً، حتى أن معظم الناس لم يعرفوه، حتى خاصته لم تقبله.
وكان المولود أعمى يستعطي أيضاً، مثل كل الناس الذين صار هو رمزاً لهم. فالجميع يستعطون ويريدون أن يأخذوا بطريقة أو بأخرى، ولكنهم أخطأوا الهدف، فتوقفوا عند طلب الدراهم، ولم يستطيعوا أن يرتقوا إلى الدرجة الأرفع فيطلبوا ما هو أعظم، لأنهم عميان منذ ولادتهم.
جلس يسوع على بئر يعقوب ينتظر القادمين لطلب الماء الحي، ولم تحضر إليه سوى امرأة سامرية جاءت تطلب فقط ماء البئر. ولما كان اليهود يستنكفون أن يخاطبوا السامريين، فقد رتب السيد المسيح هذا اللقاء ليقدم نموذجاً حياً للصلح الذي جاء ليصنعه، وبدأ بهذه المرأة. أراد أن يصلح ما بين اليهود والسامريين فيبدأ من هذا الموقف المحدود، تمهيداً للموقف غير المحدود، وهو الصلح ما بين السماويين والأرضيين. واستغربت المرأة أن يخاطبها السيد المسيح ويطلب منها أن تعطيه ماء للشرب، وهنا كانت الفرصة ليكشف لها عن قدرتها على عمل الأشياء الصالحة، مما جعلها تتساءل متعجبة: «كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟».
ومن هنا دخل السيد المسيح مباشرة إلى نقطة الضعف في الإنسان الذي لا يكف عن الطلب، الإنسان الذي يستعطي دائماً. المسيح أعظم من ذلك، الماء الحي! أما المرأة السامرية (مثلها كمثل الإنسان الأعمى منذ ولادته) فلم تستطع أن تتجاوز ماء البئر فتمتد إلى ما هو قدام وتحاول أن تطلب الماء الحي.. ومن هنا بدأ الحوار العجيب الذي قادها وأهل مدينتها معها إلى الماء الحي.
كذلك المولود أعمى.. كان يطلب ما يقيم أوده في العالم الحاضر.. دراهم قليلة ربما أعانته على مواجهة جوع الجسد، ولكنها عاجزة عن إشباع جوع الروح، فغفل عن حاجته الحقيقية وجوعه الحقيقي. وعندما جاء المسيح على غير توقع منه، لم يكن ينتظر أكثر من دراهم العطاء، فإذا بالمسيح يمنحه عطية عظيمة لم يطلبها لذاته أو خطرت على باله.. وهكذا عطايا المسيح دائماً أعظم مما نتصور.
كان هذا الإنسان رمزاً، ولذلك ورد ذكره بدون تعريف، فقال الكتاب: «إنساناً» ليكون رمزاً لكل إنسان. وحينما رأى المسيح هذا الإنسان المولود أعمى، دخل في حوار افتتحه تلاميذه حول هذا الأعمى، لأن الإنسان عامة كان مثاراً للحوار منذ بدأ يخطئ، وصارت الخطية طابعاً دمغه في كل أطوار حياته، حتى عجز عن الرؤية الصحيحة. ولأن السيد المسيح، وهو الراعي الصالح، كان عالماً بهذا العجز، وشاعرا بما آل إليه حال الإنسان، فقد جد في أن يرد إليه القدرة على الرؤية الصحيحة!! لم يكن اهتمامه منصباً فقط على أن يرى الإنسان المحسوسات، وإنما أن يرى أيضاً غير المحسوسات، وهي الأشياء التي لا ترى بالعينين، لأن فقدان العينين لم يكن هو المشكلة، ولكنه رمز للمشكلة. وقد ولد هذا الإنسان أعمى ليتجسد فيه هذا الرمز.
2- مادمت في العالم فأنا نور العالم:
لماذا عجز الإنسان عن الرؤية الحقيقية؟ لأنه ابتعد عن النور. ولذلك جاء المسيح مقدماً ذاته نوراً للعالم. العالم لم يأت إليه، لأنه كان قاعداً تماماً مثل المولود أعمى الذي كان جالساً في موضعه الذي تعود عليه منذ وعى الحياة من حوله. ولكن المسيح هو الذي جاء إليه، وإلى كل المولودين عمياناً. جاء النور إلى العالم ليقدم هديته المجانية بإعادة القدرة المفقودة، وبدأ بهذا الإنسان الذي سبق فتعمد أن يخلقه بدون عينين، وجعله ينتظر دون وعي منه لموعد الخلاص. ومادام المسيح هو نور العالم، فإن كل من يسير معه يستنير به، وتصبح كافة مصادر النور الأخرى، الطبيعية كانت أم صناعية، غير ذات بال، لأن المسيح نور العالم هو المصدر الحقيقي للاستنارة، ونوره أبهى وأعظم، بحيث تختفي في حضرته كل الأنوار الأخرى التي تتوارى خجلاً من ضآلتها ومحدودية فاعليتها.
3- تفل على الأرض وصنع من التفل طيناً:
إن كل صانع يعد أولاً المادة الخام التي يصنع منها مصنوعاته، والإنسان صنعه الخالق من التراب. ولكن السيد المسيح لم يستخدم التراب مجرداً في استكمال الخلق الذي تعمد أن يجعله ناقصاً في المولود أعمى، ولكنه تفل على الأرض وصنع من التفل طيناً، أي خلطه بالتراب ليصنع من الخليط عجينة لينة، ثم طلى بالطين عيني الأعمى.
إننا نتساءل: كم مرة يحتاج الإنسان إلى أن يتذكر أنه خلق من تراب؟ وهل التراب الذي صنع منه الإنسان الأول آدم هو نفس التراب الذي يغطي وجه الأرض بعد سقوط الإنسان في الخطية؟
يقول الكتاب أن الرب بعد أن طلب آدم وشاهده في حالة السقوط هارباً عرياناً، قال له: «ملعونة الأرض بسببك» (تكوين 3: 17). إذن فتراب الأرض بعد هذا السقوط تنجس وصار يفيض باللعنة، فكان لا بد من تطهيره من جديد حتى يستعيد طهارته الأولى ويصبح صالحاً لاستعمال الصانع له كمادة للخلق الجديد: خلق العضو الناقص، وهو عضو من جسد المولود أعمى لم يكن قد خلق بعد. وهل وجد المسيح شيئاً طاهراً من نتاج الأرض يستخدمه في تطهير التراب الذي سيستعمله في خلق عينين للمولود أعمى، مادام كل ما هو موجود على الأرض ملعوناً مثل أديم الأرض؟ أليست كل الماديات الموجودة مأخوذة من الأرض، أي من حبات التراب الذي يفيض باللعنة؟ إذن فالمسيح وحده هو الطاهر، وهو أيضاً القادر على تطهير هذا التراب من ذاته، لذلك تفل على الأرض وصنع من التراب طيناً، أي حوله إلى عجينة طاهرة لينة، ثم طلى بالطين عيني الأعمى، أي رسم له العينين، وأعاد خلقهما بنفس المادة التي سبق فخلق منها الإنسان الأول، بعد أن عادت هذه المادة سيرتها الأولى كما كانت عندما استخدمها الخالق في بداية الخليقة.
4- قال له: اذهب واغتسل في بركة سلوام:
قال له المسيح: «اغتسل». ولم يقل له: «اغسل وجهك» – وكلمة «اغتسل» هنا أكثر شمولاً وعموماً، لأنها تتضمن الجسم كله وليس الوجه أو العينين فقط. وبذلك يمكن أن نتصور إعادة الخلق في العهد الجديد داخل جرن المعمودية، فهي تحقق الاغتسال الكامل بتغطيس كل أعضاء الجسم، كناية عن موت الإنسان القديم بكامله ودفنه، لكي يخرج بدلاً منه إنسان جديد، خليقة جديدة. ولما كان الدفن في التراب لا يصير إلا لمن يموت بانفصال الروح عن الجسد، لذلك استبدل التراب بالماء في المعمودية، ليس فقط بسبب إمكانية أن يعود المدفون في الماء حياً بعد تغطيسه ثلاث مرات، بل لأن الدفن في التراب يعني انفصال الروح عن الجسد ويرمز للموت، بينما الماء في العهد الجديد صارت له طبيعة الحياة، بالإضافة إلى ما يمتاز به من خاصية القدرة على إزالة الأوساخ والأدران. ومع حلول الروح القدس على الشخص المعمد أثناء التعميد كفيض يغمره بكامله، فإنه يخرج من المعمودية وقد زالت عنه أوساخ الجسد المأخوذ من أديم الأرض الملعونة، وأوساخ الروح التي ترسبت بسبب الخطية الموروثة، وبذلك يصبح المولود الجديد طاهراً كله من الخارج والداخل. وهذا طقس ضروري لدخول ملكوت السموات: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يوحنا 3: 5).
5- فمضى واغتسل وعاد بصيراً:
لم يقل الكتاب أنه عاد مبصراً، فهذا يعني القدرة على رؤية المحسوسات وحدها، وإنما قال: «بصيراً» – أي أنه لم يحصل على عينين فقط، بل حصل على نعمة أعظم، وهي نعمة البصيرة، أي القدرة على الرؤية الشاملة، ليست رؤية المحسوسات فقط، بل أيضاً غير المحسوسات.
ومن إعجاز ترتيب القراءات الذي رتبته الكنيسة لليوم الذي يقرأ فيه هذا المقطع من الإنجيل، وهو أحد التناصير، أن يستمع المؤمنون إلى شرح معنى ووظيفة البصيرة في فصل الكاثوليكون الذي يقرأ لنفس اليوم (1 يو 5: 13-21) فيقول: «ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق في ابنه يسوع المسيح» (1 يوحنا 5: 20).
ويدفعنا ذلك للنظر في الفارق بين الإبصار والبصيرة. إن الإبصار هو وظيفة العينين، وكما نعلم فإن العين عضو معقد التركيب، يتكون من عدة أجزاء، أهمها إنسان العين (البؤبؤ) وهو الفتحة التي يدخل منها الضوء إلى جزء آخر يسمى الشبكية، وهي طبقة داخلية تبطن الجزء الخلفي من المقلة، التي هي امتداد للعصب البصري الذي ينقل إلى المخ الدفعات العصبية التي تجمعت على الشبكية في بؤرة صنعها جزء آخر يسمى الحدقة، يقوم بدور العدسة التي تجمع أشعة الضوء الواردة إلى العين من الجسم المرئي. ومجمل الحديث في ذلك هو أن العين كعضو للإبصار ليس لها دور في تكوين الصورة، بل هي تستقبل أشعة الضوء التي ترسلها الصورة المرئية ذاتها، فالفاعل هنا يأتي مفروضاً من الخارج إلى الداخل، وبالتالي فهو يؤثر تأثيراً محسوساً دون أن يكون للعين تأثير في المرئيات الواردة إليها، لأنها تستقبلها كما هي في الواقع الطبيعي المادي المحسوس.
أما في حالة البصيرة، فإن القوة المؤثرة هنا تعمل من الداخل إلى الخارج، أي أن الذي يملك البصيرة له القدرة على تجاوز المحسوسات إلى رؤية غير المحسوسات. وهو أيضاً قادر على أن يشكل الصورة المرئية وفقاً لمشاعره الروحية الداخلية، بمعنى أنه هو العامل المؤثر وليس مجرد مستقبل سلبي. وهذه الرؤية التي تنطلق من الداخل تتضمن القدرة على رؤية الفعل ورد الفعل قبل أن يحدث، لأنها تنطلق حسب مواهب الروح القدس، وهي بالتالي تغني صاحبها عن حاسة الإبصار بالعينين، لأنها أوسع وأكثر شمولاً، رغم أنها قوة غير منظورة ولا تنطلق من أحد أعضاء الجسم المادية المنظورة. ولذلك فإن المؤمن الذي يفقد الإبصار لا يخسر كثيراً مع وجود نعمة البصيرة.
ويذكر لنا تاريخ الكنيسة قصة القديس ديديموس الضرير، وكان قد أصيب بمرض في عينيه أفقده بصره وهو في الرابعة من عمره. ولكن فقدان البصر والفقر الشديد لم يحولا دون طلبه للعلم، حتى تمكن من تحصيل معظم العلوم المعروفة في زمنه (القرن الرابع الميلادي)، ومن بينها تلك العلوم التي يصعب تحصيلها على المبصرين كالهندسة. بل وكان له العديد من المؤلفات في الرد على آريوس وأتباعه. فكان أن اختاره البابا أثناسيوس الرسولي مديراً للمدرسة اللاهوتية سنة ٣٤٠ م. وكان يحفظ عن ظهر قلب جميع أسفار العهدين القديم والجديد. بل إنه كان قادراً ليس على تسميع هذه الأسفار فحسب، بل والمقارنة بينها والتعليق عليها بدقة علمية عجيبة. وإلى جانب ذلك وضع تفاسير للعديد من أسفار الكتاب المقدس، وكتاباً في عقائد الدين، وآخر في الروح القدس. وتعود هذه المواهب التي تمتع بها هذا القديس الضرير إلى أن الله منحه نعمة البصيرة.
وقد عبر عن ذلك صديقه القديس العظيم الأنبا أنطونيوس في إحدى زياراته له حين قال له: «لا تكتئب يا صديقي ديديموس محروماً من العينين اللتين بهما نبصر الحشرات، بل تهلل لأن الله منحك العين الباطنة التي تشارك بها الملائكة في رؤياه عز وجل». وهذه العين الباطنة هي العين الروحية، أي البصيرة.
6- إني كنت أعمى والآن أبصر:
كان المولود أعمى قبل أن يلتقي بالمسيح واحداً من المحتاجين للدراهم، أولئك الذين لا يهتم بهم أحد أو يحفل بالدخول معهم في حوار أو حتى حديث عابر. أما بعد لقائه بالمسيح، فقد عاد مبصراً وبصيراً، وتحول إلى إنسان جديد شجاع قوي حكيم.. وعندما استجوبه الفريسيون، كشف عن فكر سديد وثقة بالنفس وخبرة روحية عميقة ورؤية بعيدة، وهي جميعها قدرات لم تكن متوفرة لديه من قبل، فاستخدمها لكي يفحم الفريسيين بأجوبته العجيبة وأقواله الحكيمة:
«نعلم أن الله لا يسمع للخطاة، ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته، فلهذا يسمع… منذ الدهر لم يسمع أن أحداً فتح عيني مولود أعمى.. لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئاً».
من أين لهذا الجاهل بهذه الحكمة كلها؟ إنها البصيرة التي فتحت أمامه آفاق الروح، فانطلق يشهد بجرأة ويتكلم في حماس، حتى وصل به الأمر إلى تحدي الفريسيين الذين تعود الناس أن يستمعوا إليهم في خوف، فألقى فوق رؤوسهم بسؤاله المفحم الذي أخرجهم عن طورهم: «ألعلكم أنتم تريدون أن تصيروا له تلاميذ؟».
إن المولود من الماء والروح ولادة جديدة يستطيع أن يشهد للمسيح دون خوف أو وجل. وقد شهد الذي كان قبلاً أعمى بهذه الجرأة لمن أبرأه، ذلك الذي لم يكن قد رآه من قبل أو عرف شخصيته، ولكنه فقط عاين قدرته، واستمد منه روحاً جديداً وقدرات جديدة.
لقد استطاع كل من عرف المسيح على مدى التاريخ أن يشهد بنفس هذه الجرأة أمام ملوك وولاة هذا العالم دون خوف أو وجل. وكان الشهداء يتقدمون للشهادة فرحين مترنمين، لأنهم يعلمون أن الحياة مع المديح أفضل، والوجود في حضرته والتمتع بنور عظمته ومعاينة الحب والسلام في أكمل صورة لهما، هي أقصى ما يتوقون إليه. فتلك الأمجاد هي ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر. فأحبوا أن ينطلقوا سريعاً ليعيشوا معه إلى الأبد، في فرح لا ينطق به ومجد فرح لا يستطيع أحد أن ينزعه منهم.
7- سمع يسوع أنهم أخرجوه خارجاً فوجده:
يبدو للوهلة الأولى أن يسوع كان يقف بعيداً أثناء استجواب الفريسيين لذلك الذي كان قبلاً أعمى، ولكن حوار الأعمى مع الفريسيين يبين أن المسيح لم يكن بعيداً. ولما انتهى الاستجواب ونجح الأعمى في الامتحان، «سمع يسوع أنهم أخرجوه خارجاً فوجده». إذن فقد كان الأعمى غير موجود قبل أن يشهد للحق، فلما شهد للحق أخرجه الفريسيون خارجاً. وفي الوقت الذي ظن فيه أنه أصبح منبوذاً مطروداً، وجده يسوع. وهنا دخل في مرحلة جديدة، هي مرحلة التسليم بأن يسوع الذي يراه الآن ويتكلم معه هو ابن الله، «فقال: آمنت يا سيد. وسجد له». وهكذا أعلن إيمانه معترفاً بالمسيح، «لأن القلب يؤمن به للبر، والفم يعترف به للخلاص» (روما 10: 10). ولم يكتف بهذا الإعلان، بل انتهز الفرصة السانحة ليقدم العبادة لمن أبرأه، فسجد له، مشتركاً في ذلك مع كافة الكائنات التي تعبده.
وتقبل السيد المسيح هذا السجود، لكي يعرف المرافقون له من الفريسيين وغيرهم أنه مستحق لهذا السجود. لأنه هو وحده الذي يستطيع أن يخلق للأعمى عينين، ويهب له بصيرة روحية تجعله قادراً على أن يتجاوز بقدرته قدرات العلماء من الفريسيين، فيرى ما لا يرونه، ويعرف ما لا يعرفونه، رغم أنهم أهل العلم ومعلمو الشعب. ولذلك اختتم السيد المسيح القضية معلناً هذه الحقيقة قائلاً:
«لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم، حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون».
لقد أبصر المولود أعمى أمجاد الملكوت وهو على الأرض بالجسد، أما الفريسيون ولهم عيون مبصرة، فقد عجزوا عن أن يروا تلك الأمجاد التي تراها البصائر لا الأبصار. لقد وقفوا عند حدود الإبصار المادي المحدود، ولم يستطيعوا أن يتجاوزوه إلى آفاق البصائر الروحية غير المحدودة. وتلك هي عطية الله التي يهبها للمؤمنين المختارين دون غيرهم من المدعوين.