المسيحي في جهاده الروحي
مقدمة
يختم معلمنا بولس الرسول القسم العملي من رسالته إلى أهل أفسس (أف 6: 10-20) بما يواجه المسيحي من الحروب الروحية التي يشنها عليه إبليس وجنوده ضد الطريق الذي يجب أن يسلكه، والأسلحة التي يتقلدها لمقاومة هذا الصراع الدائم، فينتهي جهاده الحسن بالغلبة والنصرة، ومن ثم ينال إكليل الحياة الذي يهبه الرب الديان العادل لجميع الذين يحبون ظهوره (2 تيموثاوس 4:7-8).
طبيعة الحياة المسيحية
إن الحياة المسيحية لا تُقضى كلها في جو مفعم بالأمن والسلام، لكن أغلبها يكون جهاد. عبر عن ذلك رب المجد فقال: «ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة…» (إنجيل متى 7: 14). وقال أيضًا لتلاميذه في نهاية حديثه الوداعي: «في العالم سيكون لكم ضيق…» (إنجيل يوحنا 16: 33). ولقد شنت جنود الشر الروحية حربًا شعواء ضد يسوع، واستخدمت في ذلك جميع أساليبها الملتوية وسهامها الملتهبة. وفي كل معركة كان الرب يكشف ألاعيب الشيطان ويرد سهامه. ولكن رغم هزيمته كان يتركه إلى حين، إلى أن انتصر عليه السيد في المعركة الكبرى معركة الصليب.. لقد داس كل الأعداء بما فيها الموت العدو الأكبر، فانطلق من عقاله ثم أسره وقيده «أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟» (1 كورنثوس 15: 55).
الصراع الداخلي والخارجي
وإذ يتحدث رسول الجهاد عن الحروب الروحية، فهو يتحدث عنها حديث المجرَّب المختبر الذي اجتاز جميع مراحلها.. ولقد تناول ذلك بأسلوبه الروحاني العميق في كثير من رسائله، فتحدث عن الصراع الداخلي في النفس الحية فقال: «ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي. من ينقذني من جسد هذا الموت؟» (رومية 7: 23-24). وفي رسالته إلى أهل غلاطية يذكرهم بالنضال المستمر بين الروح والجسد فيقول: «لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون» (غلاطية 5: 17).
فكم في النفس من نوازع، وكم فيها من ميول، كم فيها من أثقال يجب أن ترفع وتزول. وإذ يستيقظ الإنسان من نومه ويشعر بقوة القيود التي تكبله، يسعى جاهدًا للتخلص منها، إذ تصبح خطاياه التي كانت يومًا ما محبوبة لديه مثل الحيات أمامه ترعبه وتخيفه، وتصير عاداته الرديئة التي كانت مرغوبة، مثل العقارب تلدغه فلا يستطيع معها بقاء. هذا بداية الصراع الداخلي. ومن لا يحس بخطر العدو الداخلي ولا بقلاعه داخل الحصون، فذاك مغرور، أما العاقل فهو الذي يقدر قوة العدو ويجاهد لمغالبته وقهره.
اضطهادات المؤمن
وإذ يتحدث رسول الجهاد أيضًا عن الصراع الخارجي الذي يواجه المؤمن، فهو يجيد الحديث مستلهمًا عباراته من الآلام والضيقات والاضطهادات التي انتابته في كل مكان وطأته قدماه ليبشر المسكونة برسالة الخلاص، وقد عرض بعضًا من هذه الآلام للمؤمنين من أهل كورنثوس فقال: «من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة. ثلاث مرات ضربت بالعصى، مرة رجمت، ثلاث مرات انكسرت بي السفينة، ليلاً ونهارًا قضيت في العمق. بأسفار مرارًا كثيرة، بأخطار سيول، بأخطار لصوص، بأخطار من جنسي، بأخطار من الأمم، بأخطار في المدينة، بأخطار في البرية، بأخطار في البحر، بأخطار من إخوة كذبة… في دمشق والي الحارث الملك كان يحرس مدينة الدمشقيين يريد أن يمسكني، فتدليت من طاقة في زنبيل من السور ونجوت من يديه» ([ كورنثوس 11: 24-33). ولم يقتصر رسول الأمم على وصف ضيقاته، لكنه لكي يعزى قلوبنا ويقوي إيماننا ويبعث فينا روح الرجاء، نراه يصف لنا اضطهادات شهداء الكنيسة الأول من الأنبياء، وكأنه يريد أن يقول إن ما كتب عليكم أن تتألموا به، قد سبقكم إليه رجال الله القديسون المؤمنون، فقال عنهم: «رُجموا، نُشروا، جُرِّدوا، ماتوا قتلاً بالسيف، طافوا في جلود غنم وجلود معزى، معتازين، مكروبين، مذلين، تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض» (عبرانيين 11: 37-38).
النصرة في المسيح
وفادي نفوسنا، إذ يعلم شدة وطأة الحرب الروحية على المؤمن، نراه يشدد رجاءنا فيه ويقوي إيماننا به، فبينما يذكرنا بأن ضيقًا سيكون لنا في العالم، نراه يرفع من معنوياتنا فيقول: «ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم» (إنجيل يوحنا 16: 33). وإذ يشعر بأننا في حاجة إلى معزٍ يرثي لنا ويقوي ضعفنا ويتحدث عنا، نسمعه يقول لتلاميذه قبيل انطلاقه: «وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم» (إنجيل يوحنا 14: 26). وفي صلاته الشفاعية طلب من الآب: «لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير» (إنجيل يوحنا 17: 15). بجانب أن الفادي جاز طريق الحياة وسار فوق صخوره وجباله، ومشى في وديانه وأوهاده حتى مزقت أشواك الطريق قدميه، ولكنه انتصر أخيرًا، وبانتصاره قد مهد لنا طريق النصر وعبده، وصار لنا رفيقًا في جهادنا يحارب معنا وعنا. إنه قائدنا الذي يتقدمنا ويسير معنا، ومن يبقى في رفقته ويحارب تحت إمرته لا بد أن ينتصر، بل يعظم انتصاره بالذي أحبه.
ورسول الجهاد الذي ختم حياته بهذه العبارات الروحية القوية: «جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا» (2 تيموثاوس 4: 7-8)، هو جدير أن يحدثنا عن الخصم وأساليبه الحربية، وعن الأسلحة التي يجب أن يتسلح بها المسيحي لمحاربة هذا الخصم المعاند والمكابر، حتى يصل إلى ما وصل إليه في انتصاراته العظيمة خلال مراحل جهاده الروحي.
الشيطان وحيله
«مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات» (أفسس 6: 12). بهذه الكلمات الجامعة يصف لنا معلمنا بولس الرسول عدونا اللدود الذي هو «رئيس سلطان الهواء» الذي «يجول كأسد زائر ملتمسًا من يبتلعه» (1 بطرس 5: 8).
طبيعة الصراع الروحي
إن المصارعة التي نحن نجاهد فيها ليست مع البشر، لكنها حرب روحية ضد قوات منظمة في عالم الروح تحت قيادة رئيسها الأعلى، الذي يدبر أساليبها وطرقها وأسلحتها، بجانب إدارته لها إدارة ماكرة محكمة. وهو بجانب جنوده الروحيين، يضم لجيشه من أجناد الشر الروحية البشر الأقتين الذين يتخذ منهم أعوانًا وجنودًا لتنفيذ مكايده، هؤلاء هم «أبناء المعصية» الموسومون بعصيان الله ومقاومة إرادته، لدرجة يحسب فيها العصيان ميزة خاصة لهم وطابعًا لاصقًا بهم. ولا عجب، فهم يستمدون روح عصيانهم وتمردهم من إبليس قائدهم ومرشدهم ومعلمهم.. وعلة عصيانهم ترجع إلى اكتفائهم بإرادتهم النفسانية الشريرة ورفضهم إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة، وعلة هذا الرفض هو عدم الإيمان، وعلة عدم الإيمان هو البعد عن الله.. لذلك نرى معلمنا بولس الرسول يحذر العبرانيين بقوله: «انظروا أيها الإخوة أن لا يكون في أحدكم قلب شرير بعدم إيمان في الارتداد عن الله الحي» (عبرانيين 3: 12).
مكايد الشيطان
ولإبليس مكايده وأساليبه المختلفة وطرقه المنظمة، فيجربنا أحيانًا في نقط ضعفنا عن طريق الخطايا المحيطة بنا بسهولة، كما جرب داود وخدع شمشون. ومرارًا يجربنا في نقط قوتنا، كما جرب موسى الحليم فأوقعه في خطية الغضب، وبطرس الشجاع فأوقعه في خطية الجبن فأنكر سيده ثلاث مرات. وكثيرًا ما يتسلل بثعالبه الصغيرة خلال الثغرات التي تتخلل بناءنا الروحي، فلا عجب فهو يستطيع أن يغير شكله إلى شبه ملاك نور، وكذلك خدامه أيضًا فهم يغيرون شكلهم كخدام للبر. تأمل قول الأنبا أشعياء عن خدع الشيطان: «إن رأيت الشياطين قد انهزموا منك وانغلبوا في القتال، فلا تطمئن بل كن على حذر منهم، واعلم أنهم يهيئون لك قتالاً أشر من الأول ويكمنون لك به من وراء. فإن أنت ناصبتهم، تظاهروا بأنهم انطردوا بمكر منهم، وذلك ليستكبر قلبك وتثق بقوتك، فإذا أبصروك هكذا قد خرجت عن فضيلة الاتضاع، قام الكمين عليك من ورائك وهاجمك آخر من قدامك، وأحاطوا بنفسك التي لم يكن لها ملجأ وقتئذ.. فلا تكل إذاً من الصلاة إلى الله أن يخلصك ويدفع عنك كل بلية تأتيك» (الأنبا أشعياء، تعاليم روحية). لا بد أن يبتدع إبليس كل هذه الطرق والمكايد الملتوية لأنه هو الخداع المشتكى العنيد الذي لا ييأس.. تأمل في تجربته للرب في البرية، كيف اتخذ لكل تجربة شكلاً غير الذي فشل فيه في التجارب الأخرى… وكذلك في تجربة المؤمنين، لا يهدأ له بال حتى يصيب ضحاياه بسهامه القتالة وذلك في ساعة غفلتهم وتوانيهم.
المقاومة وأساليبها
إزاء هذه القوات الجهنمية المنظمة التي لا تتراجع عن قصدها الشرير وإن طال بها الأمد، ليس لنا إلا أن نقاوم لابسين سلاح الله الكامل، لكي نقدر أن نثبت ضد مكائد إبليس. والمقاومة، سواء سلبية كانت أم إيجابية، يجب أن نستجيب فيها لنداء الرسول لأهل أفسس: «أخيرًا يا إخوتي تقووا في الرب وفي شدة قوته» (أفسس 6: 10). وعندئذ يخشانا العدو ويتراجع عنا خائبًا، وتصبح حياة المؤمن كما في قلعة حصينة منيعة لا تدخلها قوى الشر. قال الحكيم: «اسم الرب برج حصين، يركض إليه الصديق ويتمنع» (أمثال 18: 10). فالرب هو سر هذه القوة التي نراها في ثبات القديسين، والحصول على هذه القوة يحتاج مبدئيًا إلى شعور عميق بالضعف التام، وبالتالي الطلب بإلحاح أن يحل الرب بقوته في قلوبنا لأن «قوة الرب في الضعف تكمل» (2 كورنثوس 12: 9). علينا أن نلبس الرب يسوع، عاملين بقول معلمنا بولس: «بل البسوا الرب يسوع المسيح، ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات» (رومية 13: 14). لبس الرب معناه الخضوع الكامل له، حيث يصير لسان حال المؤمن: «لتكن لا إرادتي بل إرادتك» (لوقا 22: 42)، والخضوع التام يعني بدوره ألا نعمل مشيئات الجسد، بل صلب الجسد مع الأهواء والشهوات.. وبمعنى أعم وأوفى أن أصلب مع المسيح فأحيا، لا بل المسيح يحيا فيّ. «فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي» (غلاطية 2: 20).
درجات المقاومة
وبعد الخضوع تأتي المقاومة، وبعد المقاومة الانتصار. تأمل كلمات معلمنا يعقوب الرسول: «فاخضعوا لله، قاوموا إبليس فيهرب منكم» (يعقوب 4: 7). وإن اعتبرنا المقاومة كسلم نصعد على درجاته، فأول تلك الدرجات هي الهرب: «أما الشهوات الشبابية فاهرب منها» (2 تيموثاوس 2: 22). هرب يوسف من التجربة، ولما وجد أن رداءه سوف يعوقه عن الهرب تركه دون الدخول في نقاش مع الخطية، وعندئذ نخسرت سهام الشيطان وطاشت دون أن تنال منه شيئًا.. من الأمور التي كثيرًا ما تسبب فشل مقاومتنا للتجربة، دخولنا في مناقشات مع إبليس، إذ يعتبر ذلك تجاوبًا معه، فندخل عن طريق هذا النقاش إلى الفخاخ المنصوبة، وعندئذ لا نتمكن من الهروب فنسقط، ويكون سقوطنا عظيمًا. وهذا ما فعلته الحية القديمة مع حواء، وما اتبعته دليلة مع شمشون.
أما الدرجة الثانية التي يجب الصعود عليها، فهي عدم الاستهانة بأية خطية مهما كانت طبيعتها، فليس هناك خطية كبيرة وأخرى صغيرة، إذ طبيعة الخطية واحدة هي التعدي. ومهما كان نوع الخطية فأجرتها موت، «لأن من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرمًا في الكل. لأن الذي قال لا تزن، قال أيضًا لا تقتل. فإن لم تزن ولكن قتلت، فقد صرت متعديًا الناموس» (يعقوب 2: 10-11). والمقاومة تحتاج أيضًا إلى الثبات: «البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس… لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير، وبعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا. فاثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق…» (أفسس 6: 11-14). فتكرار كلمة «اثبتوا» على هذه الكيفية يظهر لنا مدى احتياجنا إلى الثبات.