العلامة كليمندس الإسكندري

في القرن الثاني الميلادي، حين كانت الإسكندرية واحدة من أكثر مدن العالم القديم تنوعاً من الناحية الفكرية والدينية، كانت الكنيسة الناشئة تواجه هجوماً من نواحي عدة: إضطهاد من الدولة، وتحديًا فكريًا من فلاسفة يستخفون بالإيمان المسيحي بوصفه دين البسطاء الذين لا حُجة لهم، وإنحرافات فكرية لدى بعض المنتمين للكنيسة. في وسط هذه الظروف عرفت الإسكندرية مدرسة لاهوتية مسيحية بدأت متواضعة، فكان الأستاذ يستقبل في منزله كل طارق، مسيحياً كان أو وثنياً، ويعلّم بلا أجر. كان يعلّم وحده أو يتخذ له مساعداً يتولى قسماً من التعليم. وأغلب الظن أن التعليم كان في بادئ الأمر دينياً صرفاً، ولكنه ما لبث أن اتسع شيئاً فشيئاً حتى احتوى الفلسفة والعلوم. فكان البرنامج يبدأ بعلوم اللغة، وينتقل منها إلى العلوم الرياضية والطبيعية، ثم إلى الفلسفة والأخلاق، وينتهي بشرح الكتب المقدسة. ولم يكن من ذلك بدٌّ لإحاطة بالدين من جهة، ولضرورة مقابلة الوثنيين في مستواهم الفكري من جهة أخرى.

في ذلك الزمان ظهر رجل آمن أن الحق لا يخشى السؤال، وأن العقل الممتلئ بالإيمان يصير أداة سجود لا تمرد. هذا الرجل هو تيتوس فلافيوس إكلمنضس، المعروف في تاريخ الكنيسة بـ “العلامة إكلمنضس السكندري”، أحد أعمدة مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، ومعلم أوريجينوس، ومن أوائل من حاولوا أن يبنوا جسراً بين الحكمة اليونانية ونور الإنجيل، ليرى العالم أن كل بحث صادق عن الحق كان منذ البدء بحثاً مستتراً عن المسيح.

وإكليمنضس هو أول أستاذ وصلتنا عنه أخبار مفصلة، وحُفظت لنا من مؤلفاته كتب، بينما الأساتذة الذين سبقوه لم يبلغنا عنهم سوى أسمائهم.

حياة كليمنضس

المعلومات المتوفرة عن طفولته وحياته المبكرة محدودة، لذلك لا يمكن الجزم بكل تفاصيل سيرته. يقول القديس إبيفانيوس أسقف قبرص (في القرن الرابع)، وعنه نقل كل الكتَّاب: إنه من مواليد أثينا. ولكن القديس إبيفانيوس جاء بهذه المعلومة تحت ظل من الشك، لأن معرفة إكليمنضس بالتيارات الفكرية في الإسكندرية وتفاصيل الحياة الاجتماعية فيها ترجح لنا بالأكثر أن ولادته ومعيشته كانتا بالإسكندرية.

جال في شبابه أنحاء فلسطين وسوريا واليونان وإيطاليا، ينتقل بين البلاد ويدرس على مشاهير المعلمين. فعرف الأسرار الوثنية والمذاهب الفلسفية، وانتهى بتفضيل مذهب أفلاطون، ثم لم يتحقق

إكلمنضس السكندري
Clement of Alexandria, from book 1, folio 5 recto of Les vrais pourtraits et vies des hommes illustres grecz, latins et payens (1584) by André Thevet.

له فيه شيء من أمانيه الروحية، فاعتنق المسيحية. فهو إذن سلك نفس الطريق التي سلكها يوستينوس وكثير غيرهما.

وأخيراً، استقر في الإسكندرية. وحوالى سنة 180م لزم رئيس المدرسة المسيحية فيها إذ ذاك القديس بينتينوس، وتتلمذ له مدة من الزمن.

 

ويذكر إكلمنضس نفسه في كتاب المتفرقات (Stromaties) رحلته بين عدد من المعلمين قبل أن يصل إلى معلمه الأخير في مصر. 

وهكذا لم يبدأ إكلمنضس حياته الفكرية من موقف عدائي تجاه الفلسفة، بل كان قد عرف العالم الفكري اليوناني من داخله. وعندما اعتنق المسيحية لم يتخلى عن قدرته على التفكير والبحث، بل حاول أن يعيد توجيهها في ضوء الإيمان.

هذه الرحلة نفسها تحمل رسالة تأملية عميقة لكل نفس باحثة عن الحق اليوم. فالله لا يخجل من اسئلتنا، ولا يطلب منا ان نكتم عقولنا لنؤمن، بل يدعونا – كما دعا إكلمنضس – إلى أن نُحضر كل ما نملك من فكر وشوق ورغبة في المعرفة، لنضعه عند قدمي الحق ذاته.

في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية

وبعد عشر سنوات أُرسل أستاذه إلى الهند، فتولى هو المدرسة وخلف بينتينوس في رئاسة مدرسة الإسكندرية سنة 190م. ولم تكن المدرسة معهداً أكاديمياً بالمعنى الحديث فحسب، بل كانت مركزاً يعد الموعوظين للعماد، ويهيئ خداماً للكنيسة، ويرد على في الوقت ذاته على هجمات الفلاسفة والغنوسطيين الذين كانوا يشوهون صورة المسيحية.

في عهد إكلمنضس انفتحت المدرسة على شريحة واسعة من الطلاب، الوثنيين قبل المسيحيين، لأنه كان يرى أن التعليم المسيحي ليس حكراً على النخبة بل دعوه للجميع كي يذوقوا ويروا ما أطيب الرب (مزمور 34: 8). ومن بين تلاميذه أوريجينوس الذي سيصبح لاحقاً أحد أعظم علماء الكنيسة قاطبة، دليلاً على أن بذرة إكلمنضس التعليمية أثمرت أضعافاً مضاعفة. تذكرنا سيرة مدرسة الإسكندرية بأن التعليم الكنسي ليس نقل معلومات، بل ولادة نفوس. فاللاهوت ليس علم نظري يدرس في الأكاديميات ولكنه معرفة مقرونه بالحياة المعاشه. فكما قال الرب عن نفسه إنه “الطريق والحق والحياة”(يو 14: 6)، كذلك رأى إكلمنضس أن كل معلم مسيحي هو خادم لهذا الطريق، لا صاحب طريق خاص به.

  وقد كان إكلمنضس كاهناً في كنيستها، واستمر فيها حتى الاضطهاد الذي أثاره ساويرس سنة 202م، فاضطر للاختفاء حيث سافر إلى أورشليم، فنراه هناك سنة 215م حينما أرسله أسقفها (الذي يدعى ألكسندروس، وكان صديقه وتتلمذ له في مدرسة الإسكندرية) برسالة إلى كنيسة أنطاكية.

اكليمنضس معلماً

القضية المركزية التي شغلت فكر القديس إكلمنصس هي العلاقة بين الفلسفة والإيمان. في زمنه كان بعض المسيحيين يرون في الفلسفة اليونانية عدواً للإيمان يجب نبذه كلياً، بينما آخرون يذوبون في الفلسفة اليونانية حتى يفقدوا جوهر البشارة. أما إكلمنضس فسلك طريقاً ثالثاً، إذ أعتبر أن الفلسفة كانت بالنسبة لليونانيين أشبه بما كانت الشريعة للعبرانيين – مؤدباً يقود للمسيح (راجع غلاطية 3: 24)، فالله الواحد الذي أوحى للأنبياء لم يترك الأمم بلا شهادة، بل زرع في عقولهم بذور حق جزئي عبر الفلسفة، لتكون تمهيداً يهيئ القلب لاستقبال الحق الكامل في شخص يسوع المسيح. هذا لا يعني أن إكلمنضس ساوى بين الوحي والفلسفة، بل كان حاسماً في أن كل حكمة بشرية هي لمعة من نور الكلمة (اللوغوس) الذي أضاء “كل إنسان آت إلى العالم” (يو 1: 9).

 كان إكليمنضس – المعلم بالفطرة-  يعتبر المسيحية أسمى فلسفة، فالفلسفات القديمة إشعاعات، بعضها ضئيل وبعضها قوى، أنارت السبيل أمام الانسانية المتعطشة للوصول إلى الله. والمسيحية هي الشمس الساطعة التي مهدت إليها كل هذه الاشعاعات. وكأن هذه التعاليم القديمة كانت الفجر الذى يسبق طلوع النهار، فهيأت القلوب لتقبل نور المسيحية. وعلى هذه النظرية كان اكليمنضس يخلب ألباب سامعيه بأن يردد التعاليم الفلسفية السحيقة في القدم ويتدرج معهم في سرد التطور الروحى حتى يصل بهم إلى المسيحية فيصغون إليه وقد حلقت أرواحهم معه في الأجواء الروحية العليا. 

ولقد جمع اكليمنضس فى شخصه كل الصفات المميزة للمعلم الموهوب من قريحة وقادة، وغيرة مشتعلة، وروح وثابة، وكان يؤمن بأن التعليم رسالة إلهية. ولهذا السبب فتح مدرسته لكل من شاء دخولها، فجاءه الرجال المتعلمون من طبقة الأشراف، والنساء المدللات المتأنقات، والفتيان الذين أفسدهم المال والجاه والفراغ، والفلاسفة، والقضاة، واللغويون. 

كما جاءه الشباب الساعى إلى المعرفة فى جد واهتمام. وكان إكليمنضس إذا ما نظر إلى وجوه هذا الجمع الحاشد المتباين يرى خلف العيون المتطلعة إليه الروح المتعطشة إلى الله: هذه الروح التي نزل المسيح من سمائه ليفتديها ويعيد الصلة بينها وبين خالقها. 

المعلم

وكان أحب لقب يطلقه اكليمنضس على الفادى الحبيب هو لقب «المعلم» وكان يقتفى أثار مخلصه فيعلم الوثنيين ويسير بهم في رفق وهوادة ويقنعهم بخطأ معتقداتهم. ثم لا يزال بهم حتى يبين لهم سمو الزواج المسيحى وعظم الواجبات الملقاة على عاتق الزوجين. وكان حديثه عذباً ولو أن عذوبته امتزجت بالصراحة القاسية. وبهذا المزيج العجيب من العذوبة والقسوة كان يصور لهم الصورة الرائعة التي هي الزواج المسيحى الحق فيستحوذ على انتباه سامعيه ويجعلهم يدركون معه مدى السمو ويرتفعون عما هم فيه من ضعة وفوضى خلقية، وبهذا التدرج لم ينجح في تحويل الاسكندريين الأثرياء إلى مسيحيين فقط بل استطاع أن يجعل منهم شهداء أيضاً. 

مؤلفاته

وقد كتب كليمنضس ثلاثة مجلدات رئيسية، تُشكل معاً منهجاً متكاملاً لحياة المؤمن، وكأنها مراحل نمو النفس من الجهل إلى القداسة:

  • “دعوة لليونانيين” (Protrepticus): وهو دعوة نارية موجهة إلى الوثنيين لترك عبادة الأوثان الباطلة، والتعرف على الكلمة الإلهي الحقيقي الضي وحده يستطيع أن يشبع ظمأ النفس. بعد أن يفضح إكلمنضس عبثية الأساطير والطقوس الوثنية بأسلوب ساخر أحياناً وحزين أحياناً أخرى على ضلال الإنسان.

  • “المعلم أو المربي” (Paedagogus) في ثلاثة كتب: ويمثل المرحلة الثانية، حيث يصف المسيح بوصفه المربي الحنون الذي يأخذ بيد المؤمن حديث الإيمان ليقوده في تفاصيل الحياة اليومية. مؤكدا أن القداسة ليست الهروب من الحياة بل تقديساً لكل تفاصيلها. وهنا تتجلى صورة رعوية جميلة مستقاة من نصوص الإنجيل، إذ يستحضر القديس إكلمنضس صورة الراعي الصالح (يو 10: 11) ليصف عناية الله الدقيقة بكل خطوة من خطوات أولاده.

  • “المتنوعات أو المتفرقات” (Stromateis) في ثمانية كتب: وهو العمل الأنضج، الذي يخاطب المؤمن الذي بلغ درجة عالية من النمو الروحي. يقوده نحو الغنوسيس المسيحي الحقيقي، أي المعرفة العميقة بالله المتحدة بالمحبة الكاملة والفضيلة. وذلك تمييزاً لها عن الغنوسية الهرطوقية التي كانت تدعي معرفة سرية منفصلة عن الإيمان الكنسي المسلم.

وهناك مقالة أخرى له معروفة بعنوان: “هل يخلص الغني؟” والهدف منها هو التأكيد لتلاميذه من الأغنياء والمثقفين على أن المسيح لا يدين ولا يرذل الثروة والغنى، بل يبين موقف الإنسان من هذا الغنى.

وأيضاً له بعض شذرات أخرى بسيطة.

مواجهة الغنوسية

ولكن كان يوجد إلى جوار الكنيسة ومدرستها الوعظية غنوسيون يؤمنون بالمسيحية، ولكن إفراطهم في الثقة بالفلسفة والعقل البشري جعلهم يخاطرون ويغامرون بالخروج عن الخط الكنسي التقليدي. ولذلك نلاحظ أن الدراسات التي جرت على كتابات كليمنضس كشفت عن وجود إحساس بالخطر تجاه حركات الغنوسية من جانب المؤمنين.

وكان لابد من وجود رد فعل مقابل هذه الحركات الغنوسية التي قامت على هامش الكنيسة، ولكنها صارت موضع خطورة. وكان إكليمنضس هو أحد رواد هذه الحركة في مواجهة الغنوسية. فهو غنوسي حقيقي، أي مؤمن بتقاليد الكنيسة وعقائدها وخاضع تماماً لكل سلطانها، لكنه يسعى إلى معرفة فكرية أكثر تعمقاً من الحقائق العامة المعترف بها. لذلك كان التحدي في كنيسة الإسكندرية أكثر وضوحاً من سائر الكنائس الأخرى.

الفلسفة والمسيحية

وأصبح أمام الكنيسة بسبب الغنوسيين – سؤال ينتظر جواباً: هل يمكن للفلسفة – أي الحكمة – أن تتصالح مع المسيحية؟ فالشيع الغنوسية ألقت في روع الشعب الكنسي أن مواجهة العقل البشري أمر مرعب يقتضي الفرار أو الخجل.

والجواب الذي قدمه ترتليانوس (في شمال أفريقيا) – وهو معاصر لكليمنضس – أنه لا مصالحة مع العقل البشري، لأن أصل كل هرطقة نابع من إحدى المدارس الفلسفية. أما إكليمنضس فقد اتخذ الجانب المقابل، إذ أن إيمانه بالمسيحية والتصاقه بالكنيسة بروحه وقلبه وحياته لم يمنع إحساسه بنوع من رد الجميل تجاه الفلسفة الهلينية، كما ظهر ذلك قبلاً في يوستينوس الشهيد مثلاً، مع الفارق بين الاثنين، حيث تبدو الاقتباسات كثيرة جداً عند كليمنضس وخاصة في كتابه “المتنوعات” (Stromata).

ويتلخص جواب كليمنضس في أن الفلسفة اليونانية هي “هبة من الله، ولها هدف خلاصي سواء في آثارها على الوثنيين في الماضي أو على المسيحيين في الوقت الحاضر”. ففي كتابه “المتنوعات” يبدو سمو الحق المسيحي الذي لا يُجارى، ولكن للفلسفة الوثنية أيضاً دور ثانٍ وتمهيدي، لكنه مفيد ولازم على كل حال. فالفلسفة هي البحث عن الحق، وهكذا كان دورها في العالم الوثني. ولكن تعريفه للفلسفة – أي محبة الحق والسعي وراءه – يؤكد أن ليس كل فلسفة ينطبق عليها هذا الكلام مثل: الرواقية، الأفلاطونية، الأبيقورية، الأرسطوطالية… إلخ. ولكن أفضل ما في كل فلسفة من هذه المدارس يكون في مجموعه ما سماه كليمنضس “الفلسفة”.

الكنيسة

كان كليمنضس يُعرف الكنيسة بأنها “أم”، ويحبها بهذه الصفة. هذا التوقير البنوي يظهر في كتابه “المربي” (Paed 1:18, 12:99) وغيره. مثل هذه الكنيسة لا يمكن أن تتلاشى كما يقول الغنوسيون، نتيجة ذوبان الأيونات في الملء (Pleroma)، فهي تحيا وتمارس وظيفتها هنا. ولكن هذه الكنيسة التي على الأرض هي صورة للكنيسة السمائية، وليس في هذا عجب بالنسبة لكليمنضس الذي كانت روحه تتوق إلى العالم السمائي، إلى جبل الله المقدس، وكنيسة الأعالي؛ حيث يجتمع فيها فلاسفة الله – الإسرائيليون الحقيقيون – أنقياء القلب، وكل الذين ليس فيهم غضن ولا غش.

الله والنفس والأخلاق

ومما يلفت النظر من بين أفكاره الفلسفية أقواله في الله والنفس والأخلاق. فهو يرى أن كل عقل مستقيم في نفس فاضلة يؤمن بوجود الله. الإيمان بالله نتيجة استدلال واضح سريع بآثار الله في العالم وفي النفس. أما في العالم، فالنظام يدلنا على ضرورة المنظم. كذلك تدلنا القوة الفعالة في الموجودات على ضرورة علة فاعلية أولى.

ويلح كليمنضس في وحدانية الله، ويرجع دليله إلى أن الله هو الموجود الكامل، وأن كمال الوجود لا يكون إلا في واحد. أما ماهية الله، فيمتنع علينا تعريفها. فإن قلنا عنه إنه لا متناه، فليس يكون معنى ذلك أنه كمية لا تعبَّر، بل إنه ما لا طول ولا شكل ولا اسم مطلقاً. وإن دعوناه الواحد والخير والروح والكائن والآب والله والخالق والرب، فليست هذه الألفاظ أسماء له، ولكن لامتناع الاسم الحق نستعمل هذه التسميات الجميلة لكي يستطيع عقلنا التفكير في الله دون خطأ… وإنما ينكشف المجهول الإلهي لعقلنا بفضل نعمته وبفضل حكمته.

أما النفس الإنسانية، فهي مرآة الله عما اختصت به من عقل وإرادة. لذلك فإن كليمنضس يضعها فوق الماديات جميعاً لما يؤهلانها – أعني الفكر والإرادة – لإدراك الله ومحبته. ويظن كليمنضس أنها مادية، ولكنه يجعلها لطيفة إلى حد بعيد، حتى ليقال إنها لا جسمية. وهذه نقطة ضعف تفوت عليه البرهنة على خلود النفس بروحانيتها.

وأساس الأخلاق عنده أن في كل إنسان قوة طبيعية للحكم فيها. هذه القوة مشاركة في الكلمة الإلهية. فتبدأ الأخلاق باتباع أحكامها وحسن استعمال الحرية. ثم تتربى في النفس فضائل متساندة متشابكة تصل في النهاية إلى تكوين الإنسان الحق، وهو ذلك الذي يلي دعوة، فإنه لا ينظر إلى شيء من ذلك، ويسير إلى معرفته تعالى لا عن خوف من ضرر ولا عن طلب للذة، ولكنه ينجذب بحب الموجود الجدير بالحب. ولو جاءه الإذن من الله أن يفعل المحظور مع الأمان من العقاب، بل مع التوكيد بأنه إن فعل نال سعادة المختارين، فلن يقبل أن يحيد عن حكم العقل القويم بعد أن اختار الجميل بذاته، المحبوب لذاته.

خاتمة

هذا موجز عن كليمنضس. ومنه نتبين أنه أحد أولئك المفكرين المسيحيين الذين أحسوا الحاجة لتحديد الموقف في الصراع الفكري بين الفلسفة والدين، فخلص إلى أن لا تعارض بينهما لأن الفلسفة تمهيد للدين. فأنار بذلك الطريق إلى فلسفة مسيحية، فيها إيمان بالعقل، وفيها إيمان بالكلمة.


المراجع:

  1. إبيفانيوس السلاميسي، الهرطقات (Panarion).
  2. يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، الكتاب السادس.
  3. A Dictionary of Christian Biography and Literature to the End of the Sixth Century – Clement of Alexandria
  4. كلود مونديزر، اكليمنضس الاسكندرى.
  5. آبيه باردی، اكليمنضس الاسكندرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top